الوثيقة | مشاهدة الموضوع - الصين وأمريكا تبحثان عن لقاح ونحن نبحث عن “جنود الله” بين كورونا : وائل عصام
تغيير حجم الخط     

الصين وأمريكا تبحثان عن لقاح ونحن نبحث عن “جنود الله” بين كورونا : وائل عصام

مشاركة » السبت مارس 21, 2020 9:39 am

مع كل كارثة بشرية، من زلازل وأوبئة، تخرج علينا بعض التيارات الدينية المتشددة بتأويلات عجيبة، تصور أن ما يحدث هو “انتقام رباني”، أرسله الله نصرة لعباده المستضعفين، من كارثة حرائق كاليفورنيا، إلى جائحة وباء كورنا، الذي أطلق عليه بعض “المشايخ” تسمية “جنود الله”، معتبرين بداية، أنه جاء ثأرا من الصين، لممارساتها القمعية تجاه أقلية الإيغور المسلمة، ومن بعد وصوله لإيران، أصبح كورونا لدى البعض “فيروسا طائفيا”، يفتك بالشيعة انتصافا للسنة، حتى أن مسؤولية انتشار العدوى باتت مجالا للاتهام المتبادل بين رجال الدين الشيعة والسنة في إيران.
خصوصا بعد التصريحات التي أطلقها أبرز زعماء السنة الدينيين في إيران، وهو مولوي عبدالحميد إسماعيل زهي، خطيب الجمعة في مدينة زهدان في إيران، بأن حوزة قم وجامعة المصطفى فيها، هما من تسببا بانتشار وباء كورونا في البلاد، كونها تستضيف طلبة صينيين، ما أثار انتقادات من مرجعيات قم الشيعية، ومن رئيس جامعة المصطفى علي رضا أعرافي، مطالبا مولوي بالدليل، ليرد عليه الأخير بأن اتهامه جاء اعتمادا على تصريحات رئيس جامعة طبية في مدينة مشهد، محمد حسين بحريني، الذي قال إن 700 طالب صيني في إيران هم سبب تفشي الفيروس.
وقد ذهب بعض “المشايخ”، والذين يملكون جمهورا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، للابتهاج بكورونا بعد وصوله لأوروبا والولايات المتحدة، باعتباره “عقابا ربانيا” للغرب، ويبدو أن هذه التصورات، التي تلقى شعبية لدى الأصوليين ومؤيديهم، تعبر عن تجذر فكرة “المنقذ المنتظر”، الذي تتصور كل طائفة وجماعة أنه مخصص لها وحدها، وأنهم وحدهم “الطائفة المجتباة” المنصورة، الناجية، فما من كارثة تقع، ولا من جائحة تحل، إلا وهي مسخرة لنصرتها على أعدائها. والأهم، أن هذه التصورات المؤدلجة، تعكس حالة خفية من العجز عن ايجاد حلول لتحديات الواقع، وتفسير أسباب الإخفاق، وقلة الحيلة، أمام الهزائم التي تتوالى على العرب، فيتم اللجوء للغيبي والأسطوري. فيقول أحد المشايخ الأكاديميين، من منظري هذه المقاربة على حسابه في التويتر: “بعد أن كانت صواريخهم وطيرانهم تدك المدن الفقيرة، وتقتل الأطفال والنساء والضعفاء في أفغانستان والعراق وسوريا… فإذا هم اليوم يعلنون حالة الحرب والطوارئ لمواجهة فيروس لا يرى بالعين “وما يعلم جنود ربك إلا هو”، ورغم أن الآية تقول إن الله وحده من يعلم جنوده، إلا أن الشيخ أعلن أنه يعلم ذلك، ورغم أن الفيروس لا يميز بين المسلم وغير المسلم في الإصابة، ولا يميز بين الظالم والمظلوم، إلا أن الشيخ يراه من “جنود الله”، وقد يصل الأمر لتبرير إصابة الفيروس للمسلمين كما غيرهم، بالقول إن المسلم حين يصاب فهو “مبتلى” ليتطهر من ذنوبه، أما غيره فهو معاقب.

التصورات المؤدلجة، تعكس حالة خفية من العجز عن إيجاد حلول لتحديات الواقع وتفسير أسباب الإخفاق وقلة الحيلة

الكاتب نفسه، الذي يقود تيارا إسلاميا، يشن حملة منذ أيام، معارضة لإقفال المساجد، مستشهدا بأحاديث عن الرسول (ص) مثل “لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا غول”، ويؤكد معللا أسبابه لإبقاء المساجد مفتوحة، أن العدوى أوهام وشرك! فيقول “وكل هذه أوهام كان يعتقدها أهل الجاهلية، نفاها النبي ﷺ وعدها ضربا من الشرك في الأسباب، وجعل اعتقاد وجود العدوى، وأنه يُمرِض أحدٌ أحدا كاعتقاد التطير برؤية الأشياء والتشاءم والخوف منها إذ لا حقيقة لها”. وهكذا وبينما تنشغل الولايات المتحدة والصين وألمانيا وروسيا بالتنافس بينها لإنتاج لقاح للوقاية من الفيروس، يصب بعض المشايخ جل اهتمامهم في النبش في النصوص واستلال الأحكام المنقطعة عن سياقها، والمقيدة في إطلاقها زمانا ومكانا. ولم تقتصر تلك الطروحات على طائفة دون غيرها، فكما ظهر مشايخ ودعاة سنة يرفضون الوقاية من الفيروس باقفال المساجد، أصر الزوار الشيعة على مواصلة طقوسهم السنوية في زيارة الإمام الكاظم، بل الاجتماع في مجالس عزاء و”لطميات”، ونشر فيديوهات لها على وسائل التواصل الاجتماعي، من قبيل ما جاء في أحد الفيديوهات التي لاقت انتشارا كبيرا، يقول فيها “الرادود”: “كورونا بيه لو أزوره واشفى، اللي عنده علي ما يندل المستشفى، أحجي بدراية ومو بمحض الصدفة، من كل مرض حيدر شفاني عطفه”.
وهو ما استدعى مناوشات كلامية طائفية مجددا على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد نشر هذا الفيديو، في طرح جديد وجدل لا ينتهي فيقضية “الاستعانة بغير الله”، ليعلق احد المدافعين عن المنشد “الرادود”، مستشهدا بالإمام الشافعي وهو صاحب أحد مذاهب السنة، قائلا إن الشافعي فعل مثل ذلك، وهو إمام للمسلمين، عندما “تبرك بقبر أبو حنيفة لقضاء كل حاجة له”. ولا تنحصر هذه الطروحات بين المسلمين أو الأصوليين وحدهم، فهاهم الهندوس يتبركون ببول البقر، ويقيمون احتفالات جماعية لاستخدامه للوقاية من كورونا، وها هو رئيس تركمانستان بردي محمدوف، يطلب من مواطنيه تبخير عشبة الحرمل للوقاية من فيروس كورونا، معتبرا أن هذه التعليمات موثقة في كتابه “النباتات الطبية التركمانية”.
كاتب فلسطيني من أسرة “القدس العربي”
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات