الوثيقة | مشاهدة الموضوع - «مناعة القطيع» من كورونا ونظرية المؤامرة : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

«مناعة القطيع» من كورونا ونظرية المؤامرة : صادق الطائي

مشاركة » الاثنين مارس 23, 2020 2:13 am

هل تهدد الأنفلونزا البشرية؟ هل ستدمر الأنفلونزا الكرة الأرضية؟هل ستغير الأنفلونزا نمط حياتنا‏، فيصبح عالم ما بعد كوفيد 19 مختلفا عن عالم ما قبل الجائحة الغامضة التي نعيشها؟ ربما يتعجب البعض من ‏ألحاحي على كلمة “أنفلونزا” في كل الأسئلة التي طرحتها، لكنني أصر، نعم إنها أنفلونزا، جيل جديد من فيروس كورونا، لم تثبت كل ‏التحريات العلمية الرصينة في العالم حتى الآن، بالدليل القاطع على إنه فيروس مصنع، أو إنه نوع من سلاح بيولوجي، كما تحدثت وما ‏زالت تتحدث، المئات من القنوات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تسبب إرباكا وهلعا لمتابعيها.‏
لو قيل لنا قبل بضعة أسابيع، أي في نهاية العام الماضي، إن مدنا كبرى ستغدو مدن أشباح ذات شوارع فارغة، وإن مئات الملايين من الطلبة في مختلف دول العالم سيمنعون من الذهاب لمدارسهم، وإن مليارات البشر سيحبسون بقوة الشرطة والجيش في بيوتهم، وإن الاقتصاد العالمي سيخسر ترليونات الدولارات، وإن كبريات دول العالم ستغلق حدودها وتنشر قواتها المسلحة، وتلجأ إلى خطط الحفاظ على الأمن الوطني المماثل لإعلان حالة الحرب، لو قيل لنا كل ذلك، لقلنا إنه مشهد من فيلم هوليوودي من أفلام الخيال العلمي الساذجة، التي تنتجها السينما الأمريكية التجارية، لغرض الإثارة والغموض. لكن كل ذلك بات اليوم واقع حال تعيشه الكرة الأرضية، ولا أحد يعلم من يقف وراء كل ما يحصل ولماذا.
ربما كان مزعجا، أو محرجا أن يتحدث شخص ما، وهو غير مختص، عن أمر خطير مثل انتشار وباء وتهديد حياة البشرية، وبما إنني لست مختصا، لست طبيبا أو باحثا في علوم الحياة المجهرية، لذا سأعتمد، في كل ما سأورده من معلومات علمية، وإحصاءات وأرقام في هذا المقال على مصدر واحد فقط، وهو الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية، لأنه موقع رسمي لمؤسسة دولية رسمية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، ما يجعلها بعيدة نوعا ما عن الانحيازات السياسية ونظريات المؤامرة التي روجتها جهات إعلامية دولية تبعا لأجنداتها السياسية.
في سياق الإجابة على الأسئلة المرعبة التي طرحتها في بداية المقال، يمكن أن نبدأ من الإجابة التي تقدمها منظمة الصحة العالمية حول الأنفلونزا الموسمية، التي لها أعراض تتمثل في، ارتفاع حرارة الجسم بشكل مفاجئ والإصابة بسعال (عادة ما يكون جافاً) وصداع وألم في العضلات ‏والمفاصل، وغثيان وتوعّك والتهاب الحلق وسيلان الأنف. كما يمكن الإصابة بسعال شديد قد يدوم ‏أسبوعين أو أكثر. ويُشفى معظم المرضى من الحمى والأعراض الأخرى في غضون أسبوع واحد، من ‏دون الحاجة إلى عناية طبية. ولكن يمكن للأنفلونزا الموسمية أن تتسبّب في حدوث حالات مرضية وخيمة، أو أن ‏تؤدي إلى الوفاة إذا ما ألمّت بأحد من الفئات ذات المناعة الضعيفة مثل، كبار السن والمرضى. وكل ما ذكر أعلاه يكاد ينطبق بالحرف على الفيروس الجديد.

ما زال القائمون على تشغيل “فيلم الرعب” يلعبون على أخبار تجربة لقاح هنا، أو علاج هناك، ولا أحد يعلم متى ستظهر كلمة “النهاية”

كما تذكر المنظمة الدولية أرقاما، لا بد من إيرادها لنكون على بينة من أمرنا، فعلى الصعيد العالمي تصيب الانفلونزا الموسمية نحو ثلاثة إلى خمسة ملايين شخص سنويا وتتسبب في حالة ‏اعتلال وخيم، في ما تتراوح حالات الوفيات عالميا بسبب الأنفلونزا الموسمية بـ250 ألفا إلى 500 ألف وفاة‎ سنويا. وهنا يجب أن نذكر بأننا، ونحن في قمة موجة الرعب التي نعيشها اليوم، وصلت حالات الإصابة بفيروس كوفيد- 19 في العالم إلى حوالي 200 ألف، بينما وصلت الوفيات إلى حوالي 10 آلاف فقط. أما ما ذكرته منظمة الصحة العالمية عن فيروس كوفيد- 19، الذي أرعب العالم وشل اقتصادات الدول العملاقة، فيمكننا أن نشير إلى أن الأعراض الأكثر شيوعاً لمرض كوفيد-19 تتمثل في الحمى والإرهاق والسعال الجاف. وقد يعاني ‏بعض المرضى من الآلام والأوجاع، أو احتقان الأنف، أو الرشح، أو ألم الحلق، أو الإسهال. وعادة ما ‏تكون هذه الأعراض خفيفة، وتبدأ تدريجياً. ويصاب بعض الناس بالعدوى، من دون أن تظهر عليهم أي ‏أعراض، ومن دون أن يشعروا بالمرض، بمعنى أنها أعراض الأنفلونزا الموسمية نفسها، من دون أدنى فارق. ويتعافى معظم الأشخاص من كوفيد 19 (نحو 80%) من المرضى، من دون الحاجة ‏إلى علاج خاص. وتشتد حدة المرض لدى شخص واحد تقريباً من كل 6 أشخاص يصابون بعدوى ‏كوفيد-19، حيث يعانون من صعوبة التنفس.
تزداد احتمالات إصابة المسنين والأشخاص المصابين ‏بمشكلات طبية أساسية، مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب أو داء السكري، بأمراض وخيمة. وقد يتوفى نحو 2% من الأشخاص الذين أُصيبوا بالمرض، بمعنى معدل الوفيات أقل من الأنفلونزا الموسمية. أما طرق التعامل مع الفيروس والوقاية منه والتعامل الطبي مع المصابين، فلا يختلف في شيء عن الأنفلونزا الموسمية، كما يشير موقع منظمة الصحة العالمية، إلى أن فيروسات سابقة من سلالة كورونا أو غيرها، مثل أنفلونزا الخنازير وإيبولا، تعد أخطر بكثير من فيروس كوفيد 19 بناء على عدد الوفيات التي خلفتها هذه الفيروسات.
إذن لماذا يصرح مدير عام منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس في مؤتمر صحافي بقوله؛ إن فيروس كورونا المستجد “عدو للبشرية”، ويضيف “هذا الفيروس يمثل تهديدا غير مسبوق، لكنه يمنحنا فرصة غير مسبوقة لنحتشد ضد عدو مشترك.. عدو للبشرية”. ويحذر غيبرييسوس الدول التي لم ينتشر فيها الفيروس بوضوح، قائلا: “لا تفترض أن مجتمعك لن يتأثر، تعامل كما لو أنه متأثر. ولا تفترض أنك لن تصاب أبدا، تعامل كما لو كنت مصابا”. بصراحة إنها موجة ترهيب غير مفهومة، ولا تقوم على المعطيات العلمية التي نشرتها المنظمة الدولية ذاتها.
باتت حكومات العالم من أكبرها حتى أصغرها، أشبه بقطع الدومينو التي تتهاوى أمام موجة الرعب، اقتصادات تدمرت، خسائر العالم حتى الآن تجاوزت الترليونات، لكن هل تجرؤ دولة ما أن تقول لا لموجة الرعب، وأن تسير منفردة بإجراءاتها، هذا ما حاولته الحكومة البريطانية، وتبعتها إلى حد ما الحكومة الهولندية. فقد طرحت بريطانيا فكرة “مناعة القطيع”، وهو مصطلح علمي يشير إلى إكساب المجتمع مناعة، عبر استخدام اللقاحات، أو عبر أخذ المرض بهدوء، إذا لم يكن قاتلا، هذه النظرية تمت مهاجمتها وشيطنتها مؤخرا من العديد من الكتاب والمدونين، من دون معرفة حقيقية بالأمر، وببساطة يمكن توضيح الأمر بالقول؛ إن مشكلة الأوبئة الحقيقية هي العجز الذي تصاب به المؤسسات الصحية في الدول، وبالتالي وللتعاطي مع المشكلة يجب التركيز على من هم بحاجة فعلية للعناية الطبية في المؤسسات الصحية. وفي مواجهة أنفلونزا كوفيد- 19 غير القاتلة بالنسبة لـ 80% من المصابين بحسب منظمة الصحة العالمية، يرى قطاع الصحة البريطاني وجوب ترك أقوياء المناعة لمواجهة الفيروس غير المختلف عن الانفلونزا الموسمية كما بينا سابقا، ومن ثم حصولهم على المناعة، ووفق تقديرات المستشار الصحي للحكومة البريطانية فإن تكوين تلك المناعة لدى البريطانيين سيتحقق عندما يصيب الفيروس نحو 60% من إجمالي السكان، بما يعني أن إجمالي المصابين سيبلغ عددهم 40.7 مليون مصاب. بينما يتم التعامل والتركيز على ذوي المناعة الضعيفة، عبر توفير الرعاية الصحية لهم في المستشفيات، وغرف الرعاية المركزة لتقليل عدد الوفيات إلى أقل ما يمكن، والجانب المهم جدا في نظرية “مناعة القطيع”، هي عدم تطبيق إجراءات العزل أو الحجر الصحي الشامل في الدولة، ما يسمح بسيرورة حركة الحياة اليومية للسكان، واستمرار العمل في المصانع، وغيرها، الأمر الذي يقلص من الآثار الاقتصادية المدمرة للأزمة على البلاد.
البعض أحال الأمر إلى مقاربة شبيهة بـ”معضلة العربة” وهي مفارقة فلسفية أخلاقية، تنطوي على تخيل أن هناك عربة قطار تسير على سكة حديد، ولكنها خرجت عن السيطرة، وعلى وشك أن تصطدم وتقتل خمسة أشخاص، إلا إذا قمت بسحب المقبض لتوجيه العربة وتحويل اتجاهها إلى مسار مختلف، فتقتل شخصًا واحدًا فقط. وتعاطي المؤسسات الحكومية البريطانية والصحية خاصة مع الأمر ليس كذلك نهائيا، إذ تداولت بعض الكتابات غير المختصة إحالة سلوك الحكومة البريطانية إلى تبني ما سموه (الدارونية الاجتماعية)، التي ستختار الطبيعة بموجبها الأقوياء ليعيشوا، بينما يترك كبار السن والضعفاء ليموتوا، لأنهم يمثلون عبئا على كاهل الاقتصاد، وهذا الأمر أيضا من الأكاذيب البينة، وبرامج الرعاية الصحية والاجتماعية في بريطانيا وهولندا، خير ما يثبت تفاهة هذا الرأي.
النتيجة، يبدو أن الحكومة البريطانية والحكومة الهولندية، لن تستطيعا الصمود أمام موجة الرعب الكاسحة، فتراجعتا عن إجراءاتهما وباشرتا، وإن ببطء، بتطبيق خطط العزل المتفشية في دول اوروبا، ولا أحد يعلم متى ستنتهي دورة الرعب هذه، إذ مازال القائمون على تشغيل “فيلم الرعب” يلعبون على أخبار تجربة لقاح هنا، أو علاج هناك، ولا أحد يعلم متى ستظهر كلمة “النهاية” لهذه الأزمة، لنفهم حينها ونحن نستعيد أنفاسنا من لعب اللعبة ومن خسر فيها ومن هم الرابحون.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron