الوثيقة | مشاهدة الموضوع - «الزعيم» في عيد ميلاده الـ80: من البدلة الجينز إلى الملابس الرسمية
تغيير حجم الخط     

«الزعيم» في عيد ميلاده الـ80: من البدلة الجينز إلى الملابس الرسمية

مشاركة » الخميس مايو 21, 2020 3:08 pm

16.jpg
 


محمد عبد الرحيم
7
حجم الخط

القاهرة ــ «القدس العربي»: لم يحظ فنان مصري أو عربي بالشهرة التي طالت عادل إمام، أو (الزعيم) كما أطلق هو على نفسه، ويحب أن يُطلق عليه الآخرون هذا اللقب، الذي ببلوغه الثمانين هذه الأيام (من مواليد 17 مايو/أيار 1940) لم يعد يشغل الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي سوى الاحتفال بعيد ميلاد الرجل، وتقــــديم أسمى آيات التقدير والعرفان من قِبل العديد من الفنانين مختلفي الأجيال، بخلاف الصحافيين الذين يسبحون بحـــمد الرجل، كما كانت المناسبة فرصة لإعداد بعض المؤلفات، سواء كتبها أحد محترفي الصحافة الفنية، أو نقاد أكاديميون، يحاولون بسط تجربة الرجل وتأثيره في وعي المشاهد المصري والعربي، ومواقفــه الجريئة التي كاد يدفع حياته ثمناً لها! ولكن.. ألم تمثل تجربة عادل إمام ـ الفنية ـ رحلة صعود أحد صعاليك المجتمع، وصولاً إلى لقب افترضه لنفسه، حتى تصديقه، والحياة من خلاله هو ومَن يحيطونه، سواء كانوا أقارب وأصدقاء، أو صحافيا محدود الموهبة وناقدا يماثله يريدون الانتساب إلى قطيع المُسبّحين بفضائل النجم الأوحد (الزعيم).

البطل الشعبي

جاءت بدايات عادل إمام عام 1960، من خلال مسرح فؤاد المهندس، الذي كان الصورة المعاصرة وقتها من شخصية نجيب الريحاني. مواطن عادي من المدينة، تقسو عليه الظروف، ويترك نفسه للحياة تفعل به ما تشاء، فما باليد حيلة، شأنه شأن أغلبية الناس. ويعتبر عادل إمام امتداداً لشكل هذا البطل، مع اختلاف الظرف الاقتصادي والاجتماعي. ومع منتصف السبعينيات، جاءت بطولة إمام لعدة أعمال تتسم بالكوميديا السهلة، وقد اعتمد على قدراته التمثيلية في التعبير عن الموقف، وأداء الحوار، الذي أصبح لا ينفصم عنه كممثل، لا كشخصية درامية في عمل فني، سواء مسرحا أو سينما، بدون نسيان مسرحية «مدرسة المشاغبين» التي استغل إمام نجاحها، مستنداً إلى طريقته التمثيلية في العديد من الأعمال بعدها. إلا أن القاعدة الجماهيرية الكبيرة التي شكّلها جاءت في فترة الثمانينيات، والتي قدّم فيها أهم أعماله السينمائية ـ حوالي 32 فيلماً من 1981 وحتى 1990 ـ نذكر منها مثالاً.. «الأفوكاتو، أمهات في المنفى، المولد، سلام يا صاحبي، خلي بالك من عقلك»، لكن تظل أهم هذه الأفلام، «المشبوه، حب في الزنزانة، والحريف».

كانت شخصية بطل الثمانينيات، هي نتاج أزمة السبعينيات وسياسة الانفتاح، حيث أصبح الجميع سلعة تُباع وتُشترى، بدون اهتمام الدولة التي عرضت مواطنيها في السوق عن طيب خاطر.

هنا أصبح الرجل يمثل فئة عريضة من الشعب، إن لم نقل الأغلبية، وقد تغيّرت معايير وسمات البطل السينمائي (المحفلط)، فلم يعد ينتمي للفئة الرصينة التي يعبّر عنها محمود يس، أو الفئة المحدودة جداً وعالمها، التي يعبّر عنها حسين فهمي، بل رجل ضئيل، يرتدي البنطلون والجاكيت الجينز، هارب دوماً من السلطة، لواقع بائس، رغماً عنه، لكنه رغم ذلك يُقاوم، ويحاول الخروج من مأزق الحياة، إلى حياة أرحب وأكثر ثقة. فاللص الصغير ينتقم من اللصوص الكبار، ويحقق انتصاراً معنوياً للمشاهد، الذي يراه في بداية الفيلم، لا يجد المأوى، أو يسكن إحدى العشش، لكنه في النهاية بعد القضاء على الجميع، يرتدي البدلة ويركب سيارة فارهة، بدون أن ينسى أصله وناسه، ومَن وقفوا بجانبه في الأزمات.
كانت شخصية بطل الثمانينيات، هي نتاج أزمة السبعينيات وسياسة الانفتاح، حيث أصبح الجميع سلعة تُباع وتُشترى، بدون اهتمام الدولة التي عرضت مواطنيها في السوق عن طيب خاطر. هنا شعرت الأغلبية أن كلا منهم لديه قضية تماست مع شخصية البطل السينمائي الذي يمثلهم، فاجتمعوا عليه، كما لم يحدث من قبل. مع ملاحظة أن رسائل أفلام عادل إمام في تلك المرحلة، لم تكن تتعرض أبداً للنظام السياسي، فقط الاقتصادي والاجتماعي منه. أما فيلم «الغول» عام 1983، والذي اعتبره البعض فيلماً سياسياً، فهو بالفعل سياسي، لأنه تقديم أوراق اعتماد كل من النجم الجديد وتابعه المؤلف لدى النظام الحاكم ـ لعبة إدانة النظام السابق لصالح الجديد تعد من خصائص كتابات وحيد حامد، مؤلف «الغول»، حيث كان أول أفلامه «طائر الليل الحزين» 1977، إدانة لعصر عبد الناصر لصالح السادات ـ خاصة أنه ينتقد النظام السابق، وصولاً إلى قتل رأس هذا النظام، هذا القتل هو رسالة معنوية، بأن الذي رحل مقتولاً كان بالفعل يستحق ما حدث له.

البطل الرسمي

أما مع بداية التسعينيات، فقد أصبح النجم وتابعه المؤلف في خدمة النظام الحاكم تماماً، يتبنى ظاهرياً ما يريد الشارع قوله، لكنه في النهاية صمام أمان للسلطة، التي تم من خلال هذه الأعمال، تفريغ انفعالات الشعب المقهور، داخل صالات العرض السينمائي فقط. هذه الأفلام هي.. «اللعب مع الكبار» 1991، «الإرهاب والكباب» 1992، «المنسي» 1993، «طيور الظلام» 1995 و«النوم في العسل» 1996. وإن كانت بعض هذه الأعمال تحمل سمات البطل الشعبي، إلا أنها لا تتبنى سوى خطاب السلطة التي أصبح النجم يتعامل معها، وفق ما تراه مناسباً، كأيقونة جماهيرية صالحة لمخاطبة قطاع عريض من الشعب الغلبان، الذي قد يكرر بعض عبارات البطل هنا وهناك، ويتعجب كيف خاطب الرجل البسيط رجل الأعمال ـ رجل الأعمال دوماً إما قواد أو فاقد الرجولة ــ ليحمد الشعب ربه على نعمة الفقر، يكفيه الشرف نهاراً والفحولة آخر الليل.

الزعيم

وتبعاً للحس الانتقادي للسلطة جاء العمل المسرحي «الزعيم»، بدأ عرضها عام 1993، واستمرت حوالي 6 سنوات ـ الفكرة الباهتة لحكاية سجين زندا ـ التي من خلالها عاش عادل إمام وليس بطل المسرحية دور (الزعيم) زعيم الفن والفنانين، وقد انتقد وسخر من جميع الحُكام، والناس تضحك، والمولد ينفض في النهاية.
الزعيم صديق الساسة ورجال الأعمال، الذي أصبح يرتدي البدلة كاملة في مسلسلاته، الحكيم، العارف بكل شيء، الذي كان يظنه الشعب أحد أهم المُعبّرين عنه وعن طموحه في حياة مُحتملة، كان له موقفه المضاد من ثورة هذا الشعب، وبما أن الحياة عادت سيرتها، كان لزاماً على الرجل الاحتفاظ باللقب، حتى لو كان ـ كما كل الزعماء ـ زعيماً وهمياً، عاش الزعامة على المسرح، ثم في الخيال، فصدّقها، ونزل بها إلى الشارع، فلم يثر الضحك هذه المرّة، بل السخرية.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى منوعات