تشهد إيران واحدة من أصعب اللحظات في تاريخها، حيث تواجه التحالفات التي أقامتها في أنحاء المنطقة انهياراً، بينما يبقى العراق حالياً أقوى موطئ قدم لها في المنطقة، في حين عادت العقوبات الغربية عليها، بينما تكتشف طهران المدى الذي وصل إليه تراجع قوتها، بحسب ما خلصت إليه “إذاعة فرنسا الدولية”.
وأشارت الإذاعة الفرنسية في تقرير إلى أن إيران تعايشت مع عزلة دولية طوال عقود، منذ الاستيلاء على السفارة الأميركية في عام 1979 إلى الحرب الطويلة مع العراق خلال الثمانينيات من القرن الماضي.
لكن يقول مراقبون أن الضغوط التي تواجهها إيران حالياً لها أسس مختلفة، حيث تشهد التحالفات القديمة انهياراً وتسعى إيران بصعوبة للمحافظة على موطئ قدم لها في منطقة تشهد تحولات سريعة.
وبحسب التقرير فإن نقطة الانهيار كانت عندما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي في عام 2018، مشيراً إلى أن طهران أمضت سنوات وهي تحاول الانفتاح على العالم من خلال الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف، حيث كانت الاستراتيجية الإيرانية وقتها الاعتماد على الدعم الأوروبي، لكن الاستراتيجية انهارت عندما انسحبت واشنطن من الصفقة وأعادت فرض العقوبات.
ونقل التقرير عن الباحث في “المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي” برنارد هوركيد قوله إن الإيرانيين “خسروا المعركة، ولم يتمكنوا من عكس المسار، لأن الأوروبيين لم يقفوا في وجه القرار الأميركي”، مشيراً إلى أن القوى الراديكالية في إيران استغلت هذه اللحظة لدفع البلد مجدداً نحو المواجهة رغم إدراكهم “أنها كانت طريقاً مسدوداً”.
ورأى التقرير أن استراتيجية ترمب هي إعادة تشكيل مكانة إيران في المنطقة، فيما دفعت الولايات المتحدة إلى إبرام الاتفاقات الإبراهيمية لتقريب الدول العربية من إسرائيل، بما في ذلك السعودية، التي تعتبر المنافس الرئيسي لإيران.
ونقل التقرير عن هوركيد قوله إن إسرائيل نظرت إلى إيران باعتبار أنها “عدوها المحتمل الحقيقي، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، وتتمتع بخبرة عسكرية، وتحظى ببرنامج نووي”.
وبعدما لفت التقرير إلى أن جيران إيران كانوا حذرين أيضاً، نقل عن الباحث في معهد “تشاتهام هاوس” البريطاني سنام وكيل قوله إن جيران إيران لا يريدون حرباً إقليمية أخرى، ويعتبرون أن إيران قادرة، برغم ضعفها، على خلق عدم الاستقرار، بما في ذلك من خلال القوى الوكيلة في لبنان والعراق واليمن والخليج، إلا أن إيران تعرضت لضربة قوية أخرى في عام 2020 مع اغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في بغداد، والذي وصفه التقرير بأنه أمضى سنوات وهو يحاول إصلاح العلاقات مع الرياض.
إلا أن التقرير قال إن تغييراً جذياً حدث في نيسان/أبريل 2023، عندما استعادت المملكة السعودية وإيران العلاقات في ظل وساطة صينية.
وأشار التقرير إلى أن إيران بدأت بعد ذلك في السعي لتأمين أراضيها والحفاظ على العلاقات مع كل الدول المجاورة لها.
ونقل التقرير عن هوركيد قوله إن هذا التوجه “مثل بطريقة ما، عودة إيران إلى القومية، والدفاع عن حدود الدولة الإيرانية. واستمر هذا حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023”.
وأوضح التقرير أن إيران، برغم أنها ظلت رسمياً على هامش الحرب الانتقامية التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلا أنها دفعت ثمناً باهظاً، مشيراً إلى أن الضربات الإسرائيلية ساهمت في إضعاف الميليشيات التي اعتمدت عليها طهران لعقود، بما في ذلك حركة حماس، وحزب الله اللبناني، حيث كانت إيران تخشى من رد إسرائيلي مباشر وتورط أميركي محتمل، ولهذا اختارت عدم التدخل.
ولفت التقرير إلى أن تغيير السلطة في سوريا كان بمثابة نكسة أخرى لإيران، حيث جاء أحمد الشرع المدعوم من واشنطن ومعظم الحكومات الغربية، بينما كانت حكومة دمشق السابقة بمثابة حلقة وصل لوجستية حيوية.
وبالنسبة إلى الحوثيين في اليمن، قال التقرير إنهم لا يزالون بوضع سليم، وترسانتهم الباليستية لا تزال مهمة على الرغم من الضربات الشديدة، وهم توصلوا إلى وقف لإطلاق النار مع الولايات المتحدة في أيار/مايو 2025.
العراق
أما بالنسبة إلى العراق، فقد وصفه التقرير الفرنسي بأنه يعتبر حالياً أقوى موطئ قدم لإيران في المنطقة، حيث لا تزال هناك حوالي 20 ميليشيا شيعية مع ما يقرب 253 ألف مقاتل موالٍ لإيران، على الرغم من أن الولايات المتحدة تسيطر على المجال الجوي العراقي.
وتابع أن طهران وواشنطن تابعتا عن كثب الانتخابات العراقية التي جرت مؤخراً، فيما أعلن الإطار التنسيقي المؤيد لإيران، أنه فاز بأكبر عدد من المقاعد وسيكون في وضع جيد لكي يختار رئيس الوزراء الجديد، مضيفاً أن هذه النتائج منحت طهران لحظة نادرة من الراحة، إلا أن انهيار محور حلفائها الأوسع ترك إيران مكشوفة بشكل متزايد.
واعتبر التقرير أن لحظة الراحة هذه جاءت بعد عام صعب، مذكراً بأن طهران أطلقت في نيسان/أبريل 2024، صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل بعد هجوم على قنصليتها في دمشق، حيث كانت هذه أول مرة تستهدف فيها إيران “دولة مسلحة نووياً”.
وتابع التقرير أنه بعد هذه الضربة، حاولت الحكومة الإيرانية إعادة فتح القنوات الدبلوماسي، وقالت طهران إنها تسعى إلى رفع العقوبات وعلى استعداد لإجراء محادثات نووية غير مباشرة في نيسان/أبريل 2025، حيث كان من المقرر استئناف المحادثات النووية في عمان في 13 حزيران/يونيو الماضي، وقبل ساعات من بدئها، شنت إسرائيل هجومها على إيران الذي استمر 12 يوماً ضد مواقع نووية وبنى تحتية عسكرية، ثم انضمت الولايات المتحدة إليها في ليلة 12-22 حزيران/يونيو.
ونقل التقرير عن هوركيد قوله إن “واشنطن لا تريد صراعاً، والولايات المتحدة هي التي أوقفت الهجوم الإسرائيلي على إيران”، مضيفاً أن ترمب يعتقد إن إيران لا تزال “الدولة الوحيدة في المنطقة المثيرة للاهتمام من وجهة نظر اقتصادية فيما بين الصين وأوروبا”.
وقال التقرير إن السعودية انتقدت أولاً الهجمات الإسرائيلية، وتلتها كل الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. ونقل التقرير عن هوركيد قوله إن النقطة الرئيسية هي أن “جميع دول المنطقة نددت بالهجوم الإسرائيلي على دولة ذات سيادة”.
ولفت التقرير إلى أن كثيرين يرون الآن أن إسرائيل هي القوة السياسية والعسكرية المهيمنة، وأن السعودية ومصر والإمارات تعمل من أجل الحد من النفوذ الإسرائيلي، بالإضافة إلى التوصل إلى تسوية دائمة للصراع في غزة. وتابع قائلاً إن علاقات إيران مع الصين وروسيا لا تزال مهمة ولكنها محدودة.
ورأى التقرير أن إيران قد تصبح الآن هدفاً سياسياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى أن الصراع في غزة لا يزال متوقفاً بينما يرى معظم الإسرائيليين أن طهران هي عدوهم الرئيسي، مشيراً إلى استطلاع إسرائيلي للرأي في حزيران/ يونيو الماضي، أظهر أن 82% من يهود إسرائيل يؤيديون الهجوم على إيران.