لندن- “القدس العربي”:
في تقريرها من طهران، ترسم نجمه بزرگمهر في صحيفة فايننشال تايمز ملامح موجة احتجاجات إيرانية تتقدم من الأطراف الفقيرة نحو المشهد الوطني، مدفوعة بانهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الخبز والغذاء إلى مستويات خانقة. وتوضح كيف تتحول أزمة المعيشة إلى وقود لغضب سياسي، فيما تحاول السلطات احتواء الشارع بإجراءات دعم محدودة وسط مخاوف من تصعيد أمني وضغوط خارجية متزايدة.
بالنسبة إلى ليلى، خريجة جامعية في الثلاثين من عمرها من محافظة لرستان إحدى أفقر مناطق إيران والتي تحولت أخيراً إلى بؤرة للاحتجاجات المناهضة للنظام، تبدو السجالات التي تشتعل في المدن حول الحجاب وقيود لباس النساء بعيدة عن واقعها. وما يهمها، كما تقول، هو النجاة.
في بروجرد، المدينة التي يناهز عدد سكانها 230 ألفاً، تعيش ليلى وشقيقتها على معاش والدتهما الشهري البالغ 180 مليون ريال (نحو 130 دولاراً)، وهو بالكاد يكفي لشراء الغذاء والدواء للأسرة. تقول ليلى، وهي ترتدي الحجاب: “مشكلتنا الخبز. باتت معركة كبيرة فقط لتأمين ما يكفي من الطعام. وإذا أردتِ البحث عن عمل، فالأعمال شبه معدومة”.
ومع هبوط مستويات المعيشة في الجمهورية الإسلامية إلى أدنى مستوياتها التاريخية خلال الأشهر الأخيرة، انفجر هذا الإحساس باليأس في الشوارع، ليتحول إلى أكبر موجة احتجاجات تشهدها إيران منذ سنوات. إلا أن الفارق هذه المرة أن مركز الثقل تغيّر: فبينما كانت معظم حركات الاحتجاج الكبرى خلال العقدين الماضيين تنطلق من مطالب الطبقة الوسطى الحضرية المؤيدة للديمقراطية، انتقل المشهد الآن إلى الأحياء الفقيرة والمدن والبلدات الإقليمية حيث يتجسد الألم الاقتصادي بأقسى صوره.
وخلال الأسبوع الماضي، هتف محتجون في بروجرد وغيرها بشعارات ضد النظام ومرشده الأعلى آية الله علي خامنئي، بينها “الموت للجمهورية الإسلامية”، في دلالة على غضب واسع تجاه القيادة الدينية. وغالباً ما تحولت التظاهرات إلى مواجهات عنيفة، حيث اشتبكت قوات الأمن مع المحتجين، واستخدمت الغاز المسيل للدموع، واتُّهمت بإطلاق النار الحي. واعتُقل العشرات وأُصيب آخرون، وبينما أكدت وسائل الإعلام الرسمية حتى الآن 14 وفاة، لا تزال الحصيلة النهائية غير واضحة.
ونشر سرحد كرامي، وهو شاعر من بلدة شاهآباد الكردية في محافظة كرمانشاه غرب البلاد، مقطع فيديو على إنستغرام يُظهر إصابات قال إنها ناجمة عن طلقات خرطوش أطلقتها قوات الأمن. وقال: “كل ما قلناه إننا جياع. أطفالنا لا يستطيعون الزواج… هل هذا هو الرد على كل التضحيات التي قدمها هؤلاء الناس… طلقات خرطوش؟”.
وفي الخارج، يتابع “خصوم” إيران ما يجري عن كثب، في وقت تبدو فيه الجمهورية الإسلامية في أشد حالات الهشاشة منذ سنوات. ويخشى كثير من الإيرانيين أن تشن إسرائيل التي كانت قد دعت الإيرانيين إلى الانتفاض خلال حربها التي استمرت 12 يوماً، هجوماً جديداً في أي لحظة. كما حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي من أن الولايات المتحدة ستقوم “بإنقاذ” المتظاهرين إذا ردت طهران بعنف، مكرراً تهديده عقب اعتقال الولايات المتحدة حليف إيران، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقال ترامب: “إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، فأعتقد أنهم سيتلقون ضربة قاسية جداً من الولايات المتحدة”.
وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني يرزح منذ سنوات تحت وطأة العقوبات الأمريكية وسوء الإدارة والفساد، فإن الظروف تدهورت بشدة في أعقاب حرب يونيو. فقدت العملة منذ ذلك الحين نحو 40% من قيمتها، وارتفع التضخم السنوي إلى 42% في ديسمبر. وقفز تضخم الغذاء 72% في الفترة نفسها، فيما ارتفع سعر الخبز 113%.
وقال سعيد ليلاز، محلل الاقتصاد السياسي الإيراني: “هذه انتفاضة الأطراف ضد المركز: أشخاص لا تمثيل لهم داخل النظام ولا يراهم أحد”. وأضاف: “بالنسبة لسكان المدن، التضخم في خانة العشرات، لكن في البلدات الصغيرة يصبح ثلاثيّ الخانات لأن سلعتهم الأساسية هي الخبز. إنهم يفقدون قدرتهم الشرائية حرفياً شهراً بعد شهر”.
وانطلقت الاحتجاجات أواخر ديسمبر بإضراب تجار في وسط طهران وإغلاق محالهم، قبل أن تمتد إلى الجامعات وخارج المدن الكبرى. وتحولت جنازات القتلى إلى إحدى أبرز نقاط الاشتعال. ففي ملكشاهي، البلدة التي يبلغ عدد سكانها 21 ألفاً في محافظة إيلام غرباً، ردد مشيعون لثلاثة قتلى شعارات مناهضة للنظام يوم الأحد. وفي مرودشت، المدينة الجنوبية القريبة من أطلال برسبوليس ويبلغ عدد سكانها نحو 150 ألفاً، تحولت جنازة أحد المحتجين إلى واحدة من أكبر التجمعات المناهضة للحكومة في الآونة الأخيرة.
ورغم إقرار السلطات بالمظالم الاقتصادية، فإنها سعت إلى تحميل الاضطرابات والشعارات المناهضة للنظام مسؤولية “تدخل خارجي”. وقال قائد الشرطة الأحد إن قادة الاحتجاجات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الأرض، اعتُقلوا واعترفوا بتلقي “دولارات”. وأضاف رئيس السلطة القضائية يوم الاثنين أنه بسبب الدعم الأمريكي والإسرائيلي للاضطرابات، لن تكون هناك “أي تنازلات” لـ”مثيري الشغب”. لكن هذه التهديدات لم تبدُ رادعة.
ورغم اتساعها، لا تزال موجة الاحتجاج الحالية بلا قيادة واضحة، وأعدادها أقل من انتفاضات سابقة. وقال تقي آزاد أرمكي، عالم الاجتماع، إن معالجة ارتفاع الأسعار وضعف الكفاءة وسوء الإدارة والفساد الذي يقف خلف التظاهرات يتطلب “خطوات كبيرة جداً” وإصلاحات “صعبة ومؤلمة”.
حتى الآن، تحركت حكومة الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان لإعادة تشكيل نظام الدعم، باستبدال سياسة قديمة كانت تتيح للمستوردين الحصول على عملة أجنبية رخيصة، وهي سياسة يُلقى عليها اللوم على نطاق واسع في تغذية الفساد وتشويه الأسواق، بدعم مباشر للأسر. ووفق وزير الرعاية الاجتماعية أحمد ميدري، سيحصل نحو 90% من سكان البلاد البالغين 88 مليوناً، بدءاً من الأسبوع المقبل، على قسائم غذائية بقيمة 10 ملايين ريال شهرياً، ضمن خطة توسّع برنامجاً قائماً.
وقال ميدري: “واجه الاقتصاد الإيراني صدمتين كبيرتين في السنوات الأخيرة: عقوبات واسعة وحرب الـ12 يوماً”، مضيفاً أن كثيراً من مشكلات العام الماضي جاءت نتيجة تلك الضغوط. كما وعد وزير الاقتصاد بقروض مصرفية منخفضة الفائدة للأسر الأفقر.
لكن مع تراجع أسعار النفط وانحسار الإيرادات وانكماش الاقتصاد، لا تمتلك الحكومة القدرة على الإنفاق الكبير الذي لجأت إليه في أزمات سابقة. وفي لرستان، تبدو الإجراءات “قليلة ومتأخرة”. فالمحافظة تسجل من أعلى معدلات البطالة في البلاد، وفقاً لأحد نوابها، رضا سپهفند، الذي قال لوسائل إعلام محلية الشهر الماضي: “البطالة المرتفعة مع التضخم المرتفع قادت إلى مستوى بؤس مرتفع في المحافظة”.
أما ليلى، فتقول إن الدعم يبدو مؤلماً في محدوديته. ستستحق أسرتها 30 مليون ريال شهرياً من القسائم الغذائية، “لا تكاد تكفي لشراء الأرز”، كما تقول. وتضيف: “هذا لا شيء. ماذا عن بقية احتياجاتنا؟ ماذا عن دواء أمي؟”. وتختم: “قلت لأمي يمكنها أن تبكي ليلاً ونهاراً. نحن لم نعد فقراء فقط… نحن أصبحنا تحت مستوى الفقر الذي عشنا تحته دائماً”.