بغداد ـ «القدس العربي»: في فضيحة مالية جديدة، تتوالى تداعيات التقارير الرسمية حول ملفات الفساد وهدر المال العام في ثالث أكبر بنك حكومي عراقي، وسط تغيير حكومي لبعض قيادات البنك، بالتزامن مع صدور أحكام قضائية باعتقال وسجن مسؤولين في البنك، في مؤشر واضح على تغلغل الفساد والفوضى المالية في المؤسسات الحكومية.
وأصدر رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في 18 اب/أغسطس الجاري، مجموعة قرارات لتغيير القيادات المالية في المؤسسات المالية العراقية، أبرزها تكليف علي عبد الرضا العلوان مديراً للمصرف العراقي للتجارة، وبلال الحمداني بمنصب المدير التنفيذي لصندوق العراق للتنمية.
وتأتي هذه القرارات وفق مصادر مالية مطلعة في إطار محاولات الحكومة لإصلاح النظام المالي وتجاوز اخفاقاته في الحد من الفساد وهدر المال العام التي سببت كوارث لا تنتهي في اقتصاد البلاد منذ سنوات.
وتزامنت هذه القرارات مع تقارير رقابية ونيابية، أشارت مؤخرا، إلى تورط إدارات البنك المذكور السابقة بمخالفات كبيرة أبرزها منح قروض ضخمة وتسهيلات مالية وموافقات شخصية خارج الضوابط المحددة من اللجان الائتمانية المختصة، ما أدى إلى عجز مالي وخسائر هائلة في المصرف إضافة إلى امتناع مقترضين متنفذين عن تسديد مئات الملايين من الدولارات لصالح المصرف.
قضايا فساد تلاحق البنك
ومنذ سنوات يواجه المصرف العراقي للتجارة (حكومي)، العديد من ملفات فساد تتعلق بمنحه قروضا وتسهيلات مالية بلا ضمانات كافية لشخصيات وجهات متنفذة في الدولة، فضلاً عن قضايا هدر واختلاس للمال العام أدت إلى صدور أحكام قضائية بحق إدارات سابقة وسط مطالبات نيابية مستمرة بالحد من الفساد فيه واسترداد الأموال المهربة عبر المصرف.
وفي تقرير ديوان الرقابة المالية (حكومي)، الذي تم عرضه على مجلس النواب خلال اب/اغسطس الحالي، كشف عن وجود مخالفات مالية كبيرة في المصرف العراقي للتجارة، بمئات مليارات الدنانير والدولارات، ما أعاد المطالبات بفتح ملفات الفساد المالي المستشرية فيه منذ سنوات إلى الواجهة مجددا.
وليس بعيدا عن هذا الحراك، أكدت هيئة النزاهة أن محكمة جنح الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال والجريمة الاقتصادية أصدرت حكما غيابيا يقضي بالحبس الشديد على المدير العام الأسبق للمصرف العراقي للتجارة؛ لارتكابه عمداً ما يخالف واجبات وظيفته.
وأفادت دائرة التحقيقات في الهيئة، في معرض حديثها عن القضية، بأن المدان الهارب الذي كان يشغل منصب المدير العام للمصرف العراقي للتجارة، قام بمنح تسهيلات مصرفية بمبلغ 25 مليون دولار لإحدى الشركات بموافقات شخصية بدون عرض الموضوع على اللجنة الائتمانية المختصة، وبدون تقديم ضمانات كافية.
وأضافت الدائرة أن المحكمة، ونظرا لهروبه من وجه العدالة، حكمت عليه غيابياً بالحبس الشديد لمدة خمس سنوات، استناداً إلى أحكام المادة 331 من قانون العقوبات. وتضمن قرار الحكم إصدار أمر القبض بحق المُدان ومنع سفره، وتأييد الحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة، وإعطاء الحقِّ للجهة المتضررة بمراجعة المحاكم المدنية؛ للمطالبة بالتعويض بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.
ومن أبرز ملفات وقضايا الفساد الأخرى في المصرف العراقي للتجارة، قضية إدانة المديرة العامة الأسبق للمصرف حمدية الجاف، بقضايا فساد إداري ومالي تسببت بضرر كبير للمال العام، وصدرت بحقها عام 2012، أحكام غيابية بالسجن 31 عاما.
ولاحقا أعلنت هيئة النزاهة، القبض على الجاف بعد إدانتها بفساد مالي وإداري. وقالت دائرة الاسترداد في الهيئة في بيان، إن «المدانة الهاربة ألقي القبض عليها في دولة الإمارات العربية المتحدة، وسبق أن نظمت الدائرة ملفات استرداد بحقها».
وأضافت أن «المدانة أحدثت ضررا بالمال العام أثناء تسنمها منصب المدير العام للمصرف العراقي للتجارة (تي بي آي) بلغ مقداره (1.116.024.788) مليار دولار أمريكي و(90.786.020.500) مليار دينار عراقي، وهذه المبالغ تم تحديدها في القرارات الجزائية الصادرة عن المحاكم المختصة بحق المُدانة الهاربة».
انتقادات فساد المصرف
وطالبت لجان النزاهة النيابية والجهات الرقابية مراراً بالكشف عن مسارات الأموال المفقودة في المصرف المذكور.
ومن ذلك ما ذكره النائب مثنى السامرائي أمام البرلمان، مؤخرا، من «ان المشاكل المالية والإجراءات الإدارية في عمل المصرف العراقي التجاري، أكبر بكثير من تلك التي يعاني منها أداء البنك المركزي العراقي، ويجب أن لا ينشغل الرأي العام عن حجم المشاكل في ذلك المصرف ويجب كشفها، وعلى جميع الهيئات المختصة إيقاف عجلة الفساد والهدر في المال العام وعدم تجاهل ذلك».
فيما دعت النائب الأول لرئيس لجنة النزاهة النيابية عالية نصيف، رئيس مجلس الوزراء والادعاء العام ومدير المصرف العراقي للتجارة إلى «وضع حد للأشخاص الذين يستنزفون أموال الشعب العراقي من خلال نهب أموال المصرف».
وقالت في بيان، إن «المصرف العراقي للتجارة خسر 215 مليون دولار نتيجة إصدار احكام قضائية لصالح المدعو (أ.ع) والمدعو (س.ن.أ) ما يثير الشك بوجود تعاون بينهما وبين بعض المتنفذين داخل المصرف».
وشددت نصيف على ضرورة «تظافر الجهود بين الحكومة والقضاء ومدير المصرف لاسترجاع الأموال مِن هذين الشخصين والتعاون مع إدارة المصرف في حملة استعادة كافة الأموال التي تسربت خلال السنوات السابقة».
أما ابتهال الغزي مديرة المركز العراقي للتنمية القانونية، فقد أشارت في لقاء تلفزيوني، إلى وجود معلومات مؤكدة عن وجود شبهات فساد واسعة في المصرف العراقي للتجارة، منها منح القروض من دون توفر الشروط اللازمة وعدم استرداد القروض ومنح مبالغ مالية، إلى بعض الشخصيات والجهات.
وذكرت الغزي أن المصرف منح قروضا لا تتناسب مع قيمة المشاريع المخصصة لها، ومنح قروضا مبالغا فيها لإنشاء مشاريع ومجمعات سكنية، منوهة إلى ما اسمته «فضيحة فساد في قرض مول بغداد والتكلفة الحقيقية للإنشاء»، مؤكدة ان أغلب الشركات المستثمرة التي حصلت على قروض ضخمة، هي وهمية ومشبوهة وأن بعض القوى السياسية استغلت مشاريع الاستثمار من أجل الحصول على موارد مالية غير شرعية، حسب قولها. وشددت الغزي «نحن مركز قانوني لمحاربة الفساد يستند إلى أدلة مادية ونقوم بإيصال معلوماتنا إلى النزاهة لاتخاذ الإجراءات اللازمة ونحن نتحمل المسؤولية عنها، حيث تم تدقيق المعلومات من النزاهة وتبين صحة أغلبها».
ويذكر ان رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، سبق ان ترأس اجتماعاً لمناقشة وتقييم عمل المصرف العراقي للتجارة، وذلك بحضور وزيرة المالية السابقة، ومحافظ البنك المركزي العراقي، والمدير العام للمصرف، وعدد من المستشارين.
وأشار رئيس الوزراء إلى «حرص الحكومة على تطوير عمل المصرف ومعالجة المشاكل والعقبات التي يواجهها».
وأضاف البيان، أن «الاجتماع شهد التأكيد على اعتماد خريطة طريق تمكّن المصرف من تسهيل تحصيل الديون المتعثرة التي بذمة المقترضين، وفق أسس مرنة وعادلة».
وكانت قناة الشرقية الفضائية العراقية، أشارت إلى جوانب من فشل أداء المصرف العراقي للتجارة، ضمن تقرير خاص عن المصرف في كانون الأول/ديسمبر 2022، ذكرت فيه وجود مبالغ طائلة تهدر في المصرف جراء عدم تسديد القروض الممنوحة من المصرف.
وفي تبرير لما تم نشره في قناة الشرقية، ذكر المصرف في بيان «أن مبلغ اجمالي القروض المتلكئة في المصرف غير دقيق لكون هناك تسويات مالية تم إبرامها مع زبائن المصرف».
وأكد المصرف «انه لا توجد قروض لمشاريع وهمية حسب ما تم ذكره، لكن يوجد عدد من القروض السابقة لزبائن مجهولين محل الإقامة منحت في عهد الإدارات السابقة للمصرف حيث تعذر تبليغهم على عناوينهم المثبتة لدى مصرفنا».
وادعى المصرف العراقي للتجارة، انه اتخذ في العامين الأخيرة إجراءات لملاحقة الديون المشكوك في تحصيلها ومواجهة القروض المتلكئة عن السداد وذلك لتعزيز الموقف المالي ولتعزيز رصانة المصرف بسبب التأخر في تسديد تلك القروض.
وأضاف أن العمل مستمر على قدم وساق لمتابعة زبائن المصرف المتلكئين لاسترداد كافة مبالغ تلك القروض المتلكئة وفوائدها.
والجدير بالذكر، أن العشرات من المصارف العراقية وضعتها الإدارة المالية الأمريكية، في السنوات الأخيرة، ضمن قائمة العقوبات لوجود الفساد فيها وقيامها بغسيل الأموال أو تهريب الأموال إلى خارج العراق وخاصة إلى إيران والإمارات وتركيا والأردن وغيرها. فيما أبدت مصادر مطلعة مخاوفها من أن عملية تغيير إدارة المصرف العراقي للتجارة قد تؤدي إلى ضياع آلاف القروض المشكوك بها التي ابرمتها الإدارات السابقة خارج الضوابط القانونية.
ويرى المطلعون ان أزمة فساد المصرف العراقي للتجارة، هي نموذج للفساد المالي الذي أصبح كالسرطان المنتشر في جسد الاقتصاد العراقي، وهي تعد مؤشرا واضحا على انفلات معظم المصارف الحكومية والأهلية خارج سيطرة البنك المركزي العراقي، وذلك لكون أغلبها خاضعة لنفوذ الأحزاب المتنفذة ومافيات الفساد، ما جعل أغلب المصارف العراقية خارج تقييمات الشفافية المالية الدولية، وسط عجز حكومة بغداد عن إيجاد الحلول لهذه الكارثة التي تستنزف ثروات البلد.