الناصرة -“رأي اليوم”- من زهير أندراوس:
كشفت أحدث صور الأقمار الصناعيّة والتحليلات التي نشرها معهد العلوم والأمن الدوليّ عن نشاطٍ متزايدٍ لإعادة بناء وتأهيل عددٍ من المواقع الإيرانيّة المرتبطة بالبرنامج النوويّ والعسكريّ، بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بها جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية. إلّا أنّ هذه المعطيات لا تقدم، حتى الآن، دليلًا حاسمًا على عودة منشآت تخصيب اليورانيوم الرئيسيّة إلى العمل.
وتكتسب الصور أهميةً خاصّةً لأنّها تقدم مؤشرات على أنّ إيران شرعت في إصلاح وإعادة تأهيل بعض المواقع التي تعرضت للقصف، الأمر الذي يعكس قدرة طهران على استعادة جزءٍ من بنيتها التحتيّة، رغم حجم الأضرار التي لحقت بها.
وبحسب تحليلات (معهد العلوم والأمن الدوليّ)، ظهرت خلال الأشهر الأخيرة أعمال بناءٍ وتحريك للتربة ودخول معداتٍ وآلياتٍ إلى عددٍ من المواقع. ومن أبرزها منشأة تالغن 2، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعيّة نشاطًا مكثفًا لإعادة البناء، بما في ذلك أعمالٍ هندسيّةٍ وإنشائيّةٍ واسعةٍ.
كما رصد المعهد في تقريرٍ حديثٍ نشاطًا في موقع منزدايي المرتبط، وفق تقييماته، بأبحاث وتطوير ذات صلةٍ بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ. وأظهرت الصور عودة حركة المركبات وأعمالًا مرتبطةً بإعادة تأهيل الموقع بعد تعرضه للقصف.
وتشير هذه التطورات إلى أنّ الضربات العسكرية، رغم قدرتها على إلحاق أضرارٍ كبيرةٍ بالبنية التحتية الإيرانيّة، لم تجعل إعادة البناء أمرًا مستحيلًا. كما تؤكّد أنّ امتلاك إيران للخبرات البشريّة والتقنيّة والمعرفة النوويّة لا يمكن القضاء عليه بمجرد تدمير منشآتٍ ماديّةٍ محددةٍ. لكن في المقابل، لا تسمح هذه الصور بالقول إنّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ عاد إلى وضعه السابق، أوْ أنّ عمليات تخصيب اليورانيوم استؤنفت على نطاقٍ واسعٍ.
ومن الجدير ذكره، أنّه في تقارير سابقةٍ، أكّد (معهد العلوم والأمن الدوليّ) أنّ منشآت التخصيب الرئيسيّة، ولا سيما نطنز وفوردو، تعرضت لأضرارٍ جسيمةٍ، وأنّه لم يجد دليلًا حاسمًا على استئناف تخصيب اليورانيوم فيها. كما أشار إلى أنّ أجزاء مهمة من البنية التحتية لأجهزة الطرد المركزيّ تعرضت للتدمير أوْ خرجت عن الخدمة.
وتكشف هذه المعطيات عن صورةً أكثر تعقيدًا من الروايتيْن المتعارضتيْن اللتيْن سادتا الخطاب السياسيّ والإعلاميّ بعد الضربات. فمن جهةٍ، يصعب القول إنّ العمليات العسكريّة لم تحقق نتائج ملموسة، في ظلّ حجم الدمار الذي أصاب عددًا من المنشآت النووية. ومن جهةٍ أخرى، يصعب أيضًا اعتبار الضربات قادرةً على تدمير البرنامج النوويّ الإيرانيّ بصورةٍ نهائيّةٍ، طالما أنّ إيران تحتفظ بالمعرفة والخبرات والقدرة على إعادة بناء أجزاءٍ من بنيتها التحتية.
وتبرز هنا مسألة التحصينات والمنشآت الموجودة تحت الأرض. فقد أثبتت التطورات اللاحقة أنّ بعض المواقع الإيرانيّة صُممت أصلًا لتحمل الضربات الجوية، بينما أدى استهداف المنشآت السطحية إلى تعطيل أجزاء مهمة من البرنامج دون أن يعني ذلك بالضرورة القضاء على جميع مكوناته.
وعليه، فإنّ الحديث عن (التدمير الكامل) للبرنامج النوويّ الإيراني يبدو أكثر من اللازم إذا ما قورن بالمعطيات المتاحة، كما أنّ الحديث عن أنّ الضربات كانت مجرد (استعراض إعلاميّ) لا تدعمه الأدلة المتوفرة بالقدر نفسه.
ولذا يُمكِن القول إنّ العمليات العسكريّة حققت أضرارًا كبيرةً وتأخيرًا ملموسًا في أجزاءٍ من البرنامج النوويّ الإيرانيّ، لكنها لم تضمن إزالة القدرة الإيرانيّة على إعادة البناء مستقبلًا.
وتحمل عملية إعادة البناء بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إصلاح المباني والمنشآت. فإيران تبدو معنيةً بإعادة تشكيل بنيتها التحتيّة بحيث تصبح أكثر قدرةً على الصمود أمام هجماتٍ مستقبليّةٍ، وهو ما قد يدفعها إلى زيادة التحصين، وتوزيع بعض الأنشطة، وإخفاء أجزاءٍ من البنية التحتية بصورة أكثر تعقيدًا.
وفي المقابل، ستواجه الولايات المتحدة وإسرائيل معضلة استراتيجية: فكلّما تعرضت المنشآت الإيرانية للقصف وأعيد بناؤها، يصبح من الصعب تحقيق هدف (المنع الدائم) من خلال القوة الجويّة وحدها.
وبذلك، فإنّ صور الأقمار الصناعيّة الجديدة لا تثبت انتصار طرفٍ بصورةٍ مطلقةٍ، وإنّما تكشف عن مرحلةٍ جديدةٍ من الصراع: الضربات العسكريّة عطلّت ودمرت أجزاءً مهمةً من البرنامج الإيرانيّ، فيما بدأت طهران العمل على استعادة ما يمكن استعادته وإعادة بناء بعض المواقع المتضررة.
وهذا يعني أنّ المعركة حول البرنامج النوويّ الإيرانيّ لم تُحسم عسكريًا بصورةٍ نهائيّةٍ، وأنّ السؤال الأساسيّ لم يعد فقط: ما الذي دمرته الضربات؟، بل أيضًا: ما الذي تستطيع إيران إعادة بنائه، وكم من الوقت تحتاج إليه، وهل تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل منعها من ذلك من دون الدخول في دورةٍ جديدةٍ من التصعيد العسكريّ؟
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة رهينة بالمعلومات الاستخباراتيّة المستقبليّة، وعمليات التفتيش الدوليّة، والصور الفضائيّة الجديدة، وليس بمجرد التصريحات السياسية الصادرة عن أيٍّ من طرفيْ الصراع.