بغداد ـ «القدس العربي»: لا يزال «الإطار التنسيقي» الشيعي متمسكاً بتكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة، رغم رفض الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المُعلن لذلك، مبررا قراره بـ«رفض المساس بكرامة العراقيين» ومعتبراً أن القبول بـ«فيتو» ترامب يفتح الباب أمام تدخلات أوسع في الشأن الداخلي.
«تحدٍ للكرامة الوطنية»
رئيس «المجلس الأعلى الإسلامي العراقي» أحد أقطاب «الإطار التنسيقي» همام حمودي، قال في ملتقى حواري إن «دولة بتاريخ وعمق العراق الحضاري، وبتجربته الديمقراطية الفريدة في المنطقة، وبحجم تضحيات أبنائه، لن تقبل الاستخفاف بقرارها» لافتاً إلى أن الموقف الأمريكي الأخير من عودة المالكي للسلطة «تحدٍ للكرامة الوطنية».
وزاد: «رغم رؤية البعض بضرورة تقديم التنازلات بدعوى الحرص على الوضع الأمني والاقتصادي، لكن رؤيتنا أن هذا تحد للكرامة الوطنية العراقية، ليس لطائفة أو مكون بل لكل العراقيين» مشيرا إلى أن «فتح الباب للتدخل الخارجي تحت أي مبرر يعني فتح الطريق للتدخل مستقبلاً بكل شؤوننا، ونحن حريصون على استقلالية قرارنا، وكرامتنا أولاً».
وبين أن «الإطار يسعى لاستثمار الوقت لتحويل التهديد إلى فرصة، على مسار التفاوض مع الولايات المتحدة دولة لدولة، والتعامل وفق الاتفاقية الإطارية، وبمبدأ الاحترام المتبادل، وتفهم نقاط الاختلاف» معتبرا أن «أمام العراق تحديات كبيرة، لذلك حرصنا على التوجه نحو حكومة وطنية قوية متعاونة جامعة للقوى الوطنية، مدركة لمتطلبات المرحلة المقبلة».
ويجري تداول إمكانية سحب المالكي ترشيحه لتشكيل الحكومة الجديدة، كأحد الحلول المطروحة للخروج من الأزمة السياسية، بيد أن ائتلاف «دولة القانون» أكد أن رئيسه نوري المالكي لا ينوي الانسحاب من الترشيح، مشدداً على تمسك «الإطار» بمرشحه ونفي الأنباء المتداولة بشأن ذلك.
وذكر الائتلاف في بيان مقتصب، أورده «حزب الدعوة الإسلامية» أن المالكي «لا ينوي الانسحاب والإطار متمسك بمرشحه وكل ما يشاع عارٍ عن الصحة وبعيد عن الواقع».
وأول أمس، عدّ هشام الركابي مدير المكتب الاعلامي للائتلاف أن ترشيح المالكي «حق دستوري مشروع».
أحد قيادييه: الرضوخ لترامب يفتح الباب أمام تدخلات أوسع
وكتب في «تدوينة» له يقول إن «ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء حق دستوري مشروع، لا يمكن مصادرته بالضغوط أو حملات التشويه».
وأضاف أن «القبول أو الرفض يجب أن يكون عبر السياقات السياسية والدستورية المعروفة، لا بمنطق الفيتو أو الاستهداف الشخصي» مشيراً إلى أن «احترام الديمقراطية يبدأ باحترام حق الترشيح مهما كانت المواقف».
يحدث ذلك في وقتٍ رأى فيه معهد «تشاتهام هاوس» البريطاني أن إعادة طرح اسم نوري المالكي مرشحاً لرئاسة الحكومة تمثل دليلاً واضحاً على استمرار العراق كساحة تنافس مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، في حين تواجه بغداد ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة تتطلب الإسراع بتشكيل حكومة مستقرة.
وذكر في تقرير له أن «التحذير العلني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء كشف حجم النفوذ الخارجي في المشهد العراقي، رغم التأكيدات الرسمية المتكررة بأن هذا النفوذ تراجع عقب إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وبعثة الأمم المتحدة» مؤكداً أن «العراق ما زال ميداناً مفتوحاً للتجاذبات الإقليمية والدولية».
وأشار التقرير إلى أن «اشتداد المنافسة الأمريكية ـ الإيرانية يؤدي سريعاً إلى إبراز هشاشة الوضع السياسي في العراق» موضحاً أن «طهران، رغم الضغوط الداخلية والإقليمية التي تواجهها، تحركت بسرعة لتعزيز دعمها لمرشحها المفضل في بغداد، في إشارة إلى المالكي، الذي ما زال يُعد أحد أبرز اللاعبين السياسيين في البلاد رغم غيابه عن أي منصب رسمي منذ عام 2014».
وأضاف أن «المالكي حافظ، منذ خروجه من السلطة، على علاقات وثيقة مع إيران، ما يعزز من حضور نفوذها داخل العراق، الذي يمثل بالنسبة لطهران أهمية استراتيجية كبرى، سواء بوصفه عمقاً أمنياً أو شرياناً اقتصادياً في ظل العقوبات المفروضة عليها وتراجع نفوذها في ساحات إقليمية أخرى منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023».
وبيّن التقرير أن «إيران لا تستطيع تحمّل حالة عدم الاستقرار أو الفراغ السياسي المطوّل في بغداد، ما يفسر دعمها لشخصية تعتبرها قادرة على فرض النظام وضمان مصالحها في مرحلة حساسة، في المقابل، أوضح أن واشنطن كانت قد أبعدت العراق نسبياً عن سلم أولوياتها، لكنها عادت للاهتمام بالملف العراقي فور بروز المالكي كمرشح أول لرئاسة الحكومة خلال مفاوضات تشكيلها».
ولفت إلى أن «تصريحات ومواقف الولايات المتحدة كشفت بدورها استمرار تأثيرها في الداخل العراقي» مشيراً إلى أن «تفاعل منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي لرئيس أمريكي مع المشهد السياسي العراقي يعكس، بنظر كثير من العراقيين، محدودية السيادة الوطنية رغم الخطاب الرسمي المعاكس».
تجنب الشلل
ورجّح المعهد البريطاني أن «يواجه ترشيح المالكي ضغوطاً داخلية وخارجية قد تحول دون استمراره» مؤكداً في الوقت ذاته أن «الحفاظ على الاستقرار الهش في العراق يتطلب الإسراع في تشكيل الحكومة وتجنب تكرار حالة الشلل السياسي التي أعقبت الانتخابات السابقة».
وختم التقرير بالتنبيه إلى أن «تصاعد المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية ستكون له تداعيات مباشرة على العراق» محذراً من أن «أي تهديد وجودي تتعرض له إيران سينعكس على الداخل العراقي، في وقت لا يمتلك فيه النظام السياسي القدرة الكافية على إدارة تداعيات صراع إقليمي واسع».