تغيير حجم الخط     

صحيفة المانية: بغداد فــي مرمــى النيران مجدداً حرب إقليمية تكشف عن تصدعات عميقة لا تستطيع الدولة احتواءها

مشاركة » الأربعاء مارس 25, 2026 12:33 pm

4.jpg
 
ترجمة: حامد أحمد

تناول تقرير لصحيفة (IPS) الألمانية للسياسة الدولية الاضطرابات المتجددة التي تواجه العراق الآن وسط الحرب الإقليمية الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في وقت يحاول فيه البلد، الذي حقق استقرارًا وأمنًا نسبيًا، البقاء خارج نطاق النيران، ولكن دون جدوى، وسط أزمة كشفت عجز الحكومة عن مواجهة ديناميكيات داخلية متفجرة لا تستطيع احتواءها.

وأشار التقرير إلى أنه في حرب “الاثني عشر يومًا” السابقة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، لم يتأثر العراق كثيرًا. وقبل ذلك بعامين، كانت بغداد قد نجحت حتى في التوسط لتخفيف التوترات بين إيران والسعودية. كما تمكنت حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من الحفاظ على توازن بين المصالح الإيرانية والأمريكية داخل العراق، مع قدر من النجاح. وأظهرت استطلاعات الرأي ارتفاعًا في مستوى الرضا الشعبي عن الحكومة وبرنامجها “العراق أولًا”. وفي الوقت نفسه، دفعت الحكومة العراقية قدمًا بمشاريع بنية تحتية طموحة، ما دفع مجلة الإيكونومست البريطانية إلى وصف بغداد بأنها “مدينة الازدهار المفاجئة في العالم”، حيث بدأ العراق بعد الانتهاء من أزمة داعش، يسير أخيرًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
لكن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كشفت الآن عن التوترات الداخلية العميقة في العراق. فالعديد من المشكلات الهيكلية التي غذّت الصراع طويلًا في ظل النظام القائم على الانقسامات الطائفية والإثنية لا تزال قائمة، رغم فترة الاستقرار الأخيرة. وقد أعاقت هذه التوترات بالفعل تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات العام الماضي.

عجز عن السيطرة
ويشير التقرير إلى أن الموقف الرسمي للقيادة العراقية هو أن البلاد لن تُجرّ إلى الحرب، وأن أي انتهاك للسيادة العراقية أو هجمات تُشن من أراضيها ضد جيرانها أمر غير مقبول. ويُلاحظ اتساق هذا الخطاب بشكل لافت عبر مختلف الأطراف السياسية – من رئيس الوزراء، إلى رئيس البرلمان، وإلى حكومة إقليم كردستان، ومجلس القضاء الأعلى.
وقد أدان الجميع الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ونعوا وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهنأوا بتعيين خلفه. ومع ذلك، فإن الدعوات إلى العمل العسكري تكاد تكون غائبة. بل صدرت دعوات لضبط النفس والدبلوماسية من المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، الذي يُعد ثقلًا معتدلًا ذا توجه وطني.
ورغم هذا الخطاب المدروس بعناية، فإن الحكومة العراقية تبدو عمليًا عاجزة عن وقف العنف داخل حدودها. وهناك ثلاثة تطورات توضح ذلك بجلاء:

فصائل مسلحة تشارك في الحرب
وتشير الصحيفة الألمانية في تقريرها إلى أن فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران تعمل تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق” انخرطت في الصراع إلى جانب طهران، وقد استخدمت الطائرات المسيّرة والصواريخ لاستهداف مواقع عسكرية ومدنية أمريكية ودولية، مثل القواعد والمطارات والسفارات والفنادق، إضافة إلى البنية التحتية النفطية والموانئ.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون واضحًا ما إذا كانت إيران أو الفصائل العراقية هي المسؤولة عن هذه الهجمات. وردًا على ذلك، تنفذ الولايات المتحدة و/أو إسرائيل ضربات تستهدف مقاتلي هذه الجماعات ومراكزها اللوجستية، مع التركيز على قياداتها التشغيلية.

كردستان تتحول إلى ساحة حرب بالوكالة
أصبح إقليم كردستان العراق ساحة متزايدة لحروب الوكالة. إذ تستهدف الفصائل العراقية و/أو إيران أصولًا عسكرية ومدنية غربية هناك، إضافة إلى البنية التحتية النفطية وجماعات المعارضة الكردية الإيرانية – وأحيانًا تصيب منشآت كردية عراقية أيضًا.
وأفادت تقارير في أوائل مارس/آذار بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تجهزان هذه الجماعات لشن هجوم بري محتمل، بل إن بعضها قد عبر الحدود بالفعل. وقد نفت حكومة أربيل ذلك بشدة. ومع ذلك، تظل بغداد قلقة من الضغط الأمريكي بهذا الاتجاه.
وفي الوقت نفسه، دعا رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني الحكومة الاتحادية إلى كبح هجمات الميليشيات، ملوّحًا بإمكانية نشر قوات البيشمركة.

أزمة نفط وكهرباء
ا تملك الحكومة العراقية سيطرة على الانهيار شبه الكامل في صادرات النفط، نتيجة إغلاق طرق الشحن عبر مضيق هرمز. كما توقفت مؤقتًا إمدادات الأنابيب إلى تركيا من شمال العراق، جزئيًا بسبب أضرار البنية التحتية الناجمة عن الحرب، وكذلك بسبب تجدد الخلافات بين بغداد وأربيل حول الإيرادات الجمركية. ومع اعتماد العراق على النفط في أكثر من 90% من إيراداته، تلوح في الأفق أزمة موازنة مالية. كما أن هناك خطر انقطاع الكهرباء، نظرًا لاعتماد العراق الكبير على الغاز الإيراني لتوليد الطاقة، والذي تم تعليقه حاليًا. وقد شهدت البلاد بالفعل انقطاعًا واسعًا للكهرباء في أوائل مارس/آذار، يُرجح ارتباطه بالحرب.

شعار العراق أولًا تحت الاختبار
من جانب آخر، يشير التقرير إلى أن الحكومة العراقية تواجه معضلة صعبة في عدم اتخاذها موقفًا ضد الفصائل الخارجة عن سيطرتها، فمن المرجح أن تصعّد الولايات المتحدة من ضرباتها ضدها. أما إذا ما اتخذت الحكومة إجراءات حاسمة ضدها، فإن هذا الموقف يهدد باندلاع عنف داخلي، وفي الوقت نفسه قد تتعمق التوترات الطائفية مجددًا.
تعقّد هذه الضغوط جهود تشكيل حكومة جديدة في العراق. إذ لا تزال الأطراف الكردية منقسمة حول مرشحها للرئاسة، بينما ينقسم “الإطار التنسيقي” الشيعي حول دعم عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، المقرّب من إيران. حتى قبل الحرب، كانت إدارة ترامب تعارض بشدة عودة المالكي، وهددت بتجميد احتياطيات العراق المالية لدى الاحتياطي الفيدرالي إذا لم يتم نزع سلاح الحشد الشعبي.
وبهذا أصبح من الواضح أن الحكومة العراقية تقع تحت رحمة قوى جيوسياسية أكبر منها. وعلى الرغم من طموحات “العراق أولًا”، فإنها عاجزة إلى حد كبير عن مواجهة الديناميكيات الداخلية المتفجرة. وحتى إذا تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قريبًا، فإن القوى التي تشكلت داخل العراق لن يكون من السهل احتواؤها.
عن صحيفة IPS الألمانية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير