لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” افتتاحية قالت فيها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول، بعد شهر من شنه الحرب على إيران، تقديم مبرر لها وتسويقها للشعب الأمريكي، ومفاد الرسالة من خطابه يوم الأربعاء أنه يريد إعادة إيران إلى العصر الحجري إذا لم توافق على مطالبه. وقالت إنه حاول، في وقت الذروة، إقناع الأمريكيين بأن إيران تمثل خطراً دولياً، لكنه لم يقدم صورة عن النصر الذي يريد تحقيقه عليها، وكيف يمكن إنجازه قبل أن تجد الولايات المتحدة نفسها في مستنقع جديد بالشرق الأوسط.
وأعلن ترامب قائلاً: “خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة، سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون. وفي الوقت نفسه، تستمر المفاوضات”. وعلقت الصحيفة بأن الجمع بين العنف المفرط والاستعداد الدائم للتفاوض هو أسلوب ترامب المعهود، لكن الأسواق لم يعجبها ذلك. فقد ارتفعت أسعار النفط وانخفضت أسعار الأسهم صباح الخميس، ثم تعافت الأسهم لاحقاً خلال اليوم.
ووافقت الصحيفة على وصف ترامب إيران بـ “السرطان”، مضيفة أن حوالي 80% من الأمريكيين لديهم رأي سلبي في الحكومة الإيرانية، وهي نسبة ثابتة بشكل واضح، مع أن أغلبية الأمريكيين تعارض الحرب الحالية. ويعود ذلك إلى سجل أمريكا السيئ في الشرق الأوسط عموماً، وإلى غياب خطة واضحة لإنهاء هذا الصراع تحديداً.
وأوضح ترامب أنه، مثل الرؤساء السابقين، يرفض امتلاك إيران أسلحة نووية. وأضاف أن إدارته لا تسعى إلى “تغيير النظام”، بل إلى إنهاء “قدرة النظام على تهديد أمريكا أو بسط نفوذه خارج حدوده”.
وتعلق الصحيفة بأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي أدى إلى مقتل كبار قادة إيران، وتدمير أسطولها البحري، وإلحاق أضرار جسيمة ببنيتها التحتية العسكرية، وهي إنجازات خطيرة لم تحظ بالتغطية الكافية، على حد تعبير الصحيفة.
حاول ترامب إقناع الأمريكيين بأن إيران تمثل خطراً دولياً، لكنه لم يقدم صورة عن النصر الذي يريد تحقيقه عليها، وكيف يمكن إنجازه
لكن الحرس الثوري الإسلامي لا يزال يسيطر على الوضع، ولا يزال قادراً على إطلاق بعض الصواريخ والطائرات المسيرة، ومع إغلاق مضيق هرمز فعلياً، فهل ستواصل الولايات المتحدة القتال حتى يصبح تدفق النفط والغاز والأسمدة آمناً عبر هذا الممر المائي الحيوي؟
يقول ترامب إن على حلفاء أمريكا “التحلي ببعض الشجاعة المتأخرة” واستعادة مواردهم من المضيق: “استولوا عليه، احموه واستخدموه لأنفسكم”. ومن جهة أخرى، يقول إنه “عندما ينتهي هذا الصراع، سيفتح المضيق تلقائياً” لأن ذلك يصب في مصلحة إيران. لكن السؤال هو: متى سينتهي الصراع، وما حجم الضرر الذي سيحدث قبل انتهائه؟
وأول ما يثير القلق هو الخسائر التي ستلحق بأهم حلفاء أمريكا جراء هذا الصراع. صحيح أن دول الخليج التي كانت مترددة تجاه إيران قد انقلبت عليها بشكل أكثر شمولاً. ومع ذلك، فإن أهم شركاء أمريكا في أوروبا وآسيا يعانون من ارتفاع أسعار الطاقة ونقص حاد فيها.
وقالت إن خطاب ترامب بشأن مضيق هرمز أثار استياءً بشكل خاص، ليس فقط لدى الحكومات الأوروبية ذات الميول اليسارية، بل في أوساط اليمين أيضاً. فقد انقلبت جورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية وإحدى أقرب حلفاء ترامب في أوروبا، على الرئيس بسبب الحرب.
أما القضية الثانية فهي الصين، ويتمثل أكبر هاجس أمني قومي أمريكي في ردع أي محاولة صينية للاستيلاء على تايوان بالقوة، وهناك العديد من المتغيرات المؤثرة.
وتقول إن ترامب أظهر استعداداً لاستخدام القوة بفعالية، ولا شك أن شي جين بينغ قد لاحظ مدى سرعة تمكن الجيش الأمريكي من تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية. ومع ذلك، لا بد أن الصينيين يراقبون أيضاً تناقص مخزون الذخيرة الأمريكية، بما في ذلك الإنفاق المعلن عنه لما لا يقل عن 850 صاروخ توماهوك، وهو سلاح رئيسي في مسرح عمليات المحيط الهادئ. وعليه، فصراع طويل يستنزف الموارد الأمريكية سيشجع الصينيين على الاعتقاد بقدرتهم على كسب حرب استنزاف.
وترى الصحيفة أن وقف الحرب سريعاً لا يعني بالضرورة أن تقبل الولايات المتحدة صفقة ظالمة من بقايا النظام. وأفضل سبيل للخروج الآن هو إعلان النصر والانسحاب من حملة عسكرية طويلة، وبإمكان الولايات المتحدة ممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي على النظام المنهك، مع الاحتفاظ بحقها في توجيه ضربة أخرى. وأي عرقلة مستمرة للمضيق ستجعل إيران مسؤولة عنها. إن الالتزام المفتوح بقصف إيران لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد أضرار الحرب دون فائدة تذكر.
وقالت إن ترامب أشار إلى حروب أخرى طويلة خاضتها أمريكا في تاريخها، وهو محق في أن الـ 32 يوماً التي خاضت فيها أمريكا حرباً ضد إيران لا تقارن بأكثر من ثماني سنوات في العراق أو 19 عاماً في فيتنام. مع ذلك، لا يقدم القادة على شن الحروب متوقعين أن تطول وتتجاوز تكلفتها ما يحتمله الرأي العام. وسيتطلب الأمر انضباطاً لإنهاء الحرب سريعاً، وانضباطاً أكبر لتوجيه ضربة أخرى في المرة القادمة، وعندما تستدعي الحاجة إلى احتواء إيران.