تغيير حجم الخط     

الاتفاق الأمريكي الإيراني عالق في عنق زجاجة الاشتباك السياسي والتوترات العسكرية

مشاركة » الأحد مايو 31, 2026 5:34 am

4.jpg
 
لندن ـ «القدس العربي»: يبدو أن الرفع المتزامن للحصار الأمريكي عن إيران مع فتح طهران لمضيق هرمز، هو نقطة الاتفاق شبه الوحيدة التي تجمع بين الموقفين الأمريكي والإيراني لإنهاء الحرب القائمة في الشرق الأوسط منذ 28 شباط/فبراير الماضي.
وأدت الاشتباكات المتقطعة الأمريكية الإيرانية عند مضيق هرمز ومنطقة بندر عباس خلال الأسبوع الماضي، إلى إشاعة أجواء احتمال تجدد العمليات العسكرية على نطاق أوسع حيث يسعى الطرفان إلى تثبيت وجود معادلة الاشتباكات المحدودة في ظل التفاوض عبر الوسطاء وخاصة الوسيط الباكستاني.
وما يعزز ذلك هو أن الخلافات ما زالت قائمة ومعقدة ومنها شمول وقف الحرب للبنان، والإفراج الأمريكي عن الودائع الإيرانية المجمدة، وهذا ما حال دون الإعلان عن توصل الطرفين إلى اتفاق بوساطة باكستانية ومساعدة قطرية، على عكس ما كان أشاعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة الماضي عن رفع فوري للحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، ومطالبته لإيران بالفتح الفوري لمضيق هرمز دون شروط أو رسوم على حركة الملاحة فيه.
ترامب هدّد في منشور على منصته تروث سوشال أنه «يتعيّن على إيران أن توافق على أنها لن تمتلك أبدا سلاحا نوويا أو قنبلة نووية. ويجب فتح مضيق هرمز فورا، من دون رسوم، أمام حركة الملاحة غير المقيّدة في الاتجاهين وسيتم التخلص من كل الألغام البحرية».
وتابع أن السفن العالقة في مضيق هرمز بسبب الحصار الأمريكي ستتحرك، مشيرا إلى أن هذا الحصار «سيرفع الآن».
كما أشار إلى أن الولايات المتحدة «ستستخرج المواد المخصبة بتنسيق وتعاون وثيقين مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إضافة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وسيتم تدميرها»، و«لن يتم تبادل أي أموال حتى إشعار آخر».
ولعل النتيجة الوحيدة لذلك التصريح الذي أعلنه ترامب، هو التلاعب بأسعار الطاقة لتخفيف الضغط الاقتصادي الذي يتعرض له الرئيس ترامب بسبب الحرب على إيران، حيث انخفضت العقود الآجلة للنفط بأكثر من اثنين في المئة يوم الجمعة، وبلغت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية 92.05 دولار للبرميل، متراجعة 1.66 دولار، أو 1.8 في المئة. وهبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 1.54 دولار أو 1.7 بالمئة عند التسوية إلى 87.36 دولار للبرميل.
وقال جون كيلدوف، الشريك في شركة أجين كابيتال، «من الواضح أن السوق تعتقد أن وقف إطلاق النار سيكون سهلا للغاية وأن الأمر انتهى تماما».
وعقد ترامب الجمعة اجتماعا استمر ساعتين في غرفة العمليات في البيت الأبيض، لكنه لم يتّخذ أي قرار، وفق ما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز». وصرح مسؤول في البيت الأبيض طالبا عدم ذكر اسمه «انتهى الاجتماع الذي عقد في غرفة العمليات في البيت الأبيض واستمر قرابة ساعتين. لن يقبل الرئيس ترامب بأي اتفاق لا يصب في مصلحة أمريكا ولا يستوفي خطوطه الحمر. لا يمكن لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا».
هذه المواقف واستمرار الحصار البحري، دفعت ‌محسن رضائي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى علي خامنئي إلى اتهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه «يخون الدبلوماسية للمرة الثالثة» بمواصلة الحصار البحري على إيران وتقديم ‌ما وصفها ‌بمطالب مفرطة في المفاوضات.
وقالت وكالة «نور نيوز» الإيرانية إن ترامب لم يشر إلى أهم بنود الاتفاق المرتقب بين الجانبين، ومنها الإفراج الفوري عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى وقف إطلاق نار كامل في لبنان.
وتوضح الوكالة المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي أنه وفقا للاتفاق، يجب دفع هذا المبلغ فوراً (عند توقيع الاتفاق)، ولن تدخل إيران في أي مرحلة تفاوضية أخرى ما لم يتم هذا الدفع.
وتختم أنه: «فقط في حال معالجة هذه القضايا، ستدخل إيران في المرحلة التالية من المفاوضات بشأن رفع جميع العقوبات والملف النووي، بما يتوافق مع خطوطها الحمراء». وفي سياق متصل قالت وكالة «فارس» إن النصّ الذي تمّت صياغته يأتي ضمن إطار «التعهّد مقابل التعهّد»، وأنه يمرّ بالمراحل النهائية للمصادقة في إيران، ولم يُتخذ قرار نهائي بشأنه بعد.
ونقلت الوكالة عن مصادر مطلعة قولها الجمعة إن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي بشأن تفاهم محتمل لإنهاء الحرب هي «خليط من الحقيقة والكذب».
وعن مسألة فتح مضيق هرمز من دون تلقي رسوم، قالت المصادر الإيرانية «لا يتضمن نص الاتفاق أي بند من هذا النوع». وأضافت أن تدمير المواد النووية الإيرانية غير وارد في النص أيضا.
وفي رفض لما تصفه طهران بسياسة الإملاء الأمريكية قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي للتلفزيون الرسمي إن الجمهورية الإسلامية «ودّعت لغة يجب قبل 47 عاما»، وأضاف أنه «في ما يتعلق بالتفاهم، وكما قلت لكم، لا يزال تبادل الرسائل مستمرا، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد».
وشدد بقائي أنه «في هذه المرحلة، نركز على إنهاء الحرب، ولا توجد مفاوضات بشأن المسألة النووية».
وقبيل ذلك، كتب رئيس مجلس الشورى الإيراني قاليباف على إكس «لا نثق بالضمانات أو الأقوال… الأفعال وحدها هي المهمة. لن تُتخذ أي خطوة قبل أن يتحرك الطرف الآخر أولا».
وقال قاليباف الذي ترأس وفد طهران خلال المحادثات مع الولايات المتحدة في باكستان الشهر الماضي، إن إيران اكتسبت نفوذها ليس «من خلال المحادثات، بل من خلال الصواريخ» التي أطلقتها منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من جهته في اتصال مع نظيره العماني بدر البوسعيدي إن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يعتمد على وضع واشنطن حدا لمطالبها «المفرطة».
وسبق ذلك قول الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إن بلاده «مستعدة للتحرك لإيجاد إطار عمل قائم على الاحترام لإنهاء الحرب» خلال مكالمة هاتفية مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وفق وكالة أنباء «إرنا».
وفيما سجّل تحرّك واضح لقطر على خط الوساطة خلال الأيام الأخيرة، قالت وكالة الأنباء الرسمية القطرية في وقت متأخر الخميس إن ترامب اتصل بأمير البلاد لبحث آخر المستجدات في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

واشنطن: تفاؤل يليه تشاؤم

وكان مسؤولون أمريكيون أبدوا تفاؤلا الخميس حيال مسار الدبلوماسية للوصول إلى تفاهم.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس لصحافيين «من الصعب القول بدقة متى أو ما إذا كان الرئيس سيوقّع مذكرة التفاهم». وأضاف «نحن نتبادل الآراء حول بعض النقاط اللغوية. لقد أحرزنا تقدما كبيرا».
وذكر تقرير لموقع «اكسيوس» الأمريكي أن التفاهم سيجعل الملاحة عبر مضيق هرمز غير مقيّدة، من دون رسوم أو مضايقات، على أن تزيل إيران الألغام منه خلال 30 يوما وترفع الولايات المتحدة حصارها البحري.
لكن لغة التهديد ارتفعت مجددا حيث قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث السبت إن الولايات المتحدة مستعدة لاستئناف الهجمات على إيران إذا تعذر ‌التوصل إلى اتفاق.
وقال هيغسيث في سنغافورة «نؤكد قدرتنا على استئناف الهجمات إذا لزم الأمر. نحن أكثر من قادرين على ذلك». وأضاف «مخزوناتنا أكثر من كافية لذلك، سواء هناك أو في أنحاء العالم، لذا نحن في وضع جيد جدا».
وأضاف في كلمة خلال اجتماعات حوار شانجري-لا، المنتدى الآسيوي الرائد لقادة الدفاع وكبار المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين، أن الولايات المتحدة لم تدر ظهرها لمنطقة آسيا والمحيط الهادي على الرغم من انخراطها في صراع مع إيران.
وأضاف «يمكننا القيام بأمرين في وقت واحد. نعزز قاعدتنا الصناعية الدفاعية بشكل كبير بحيث ننتج مثليّ أو ثلاثة أمثال أو أربعة أمثال الذخيرة في القريب العاجل لضمان تمويل جميع خططنا (العملياتية) بشكل مناسب في ‌أنحاء العالم».
وقال الوزير الأمريكي إن الرئيس دونالد ترامب «صبور» ويريد إبرام «صفقة كبيرة» تضمن ‌عدم حصول إيران على سلاح نووي.
وردا على سؤال حول مبيعات الأسلحة إلى تايوان، قلل هيغسيث من المخاوف حيال تأثر صفقة بمليارات الدولارات مع سحب الولايات المتحدة من مخزوناتها من الأسلحة في خضم الحرب في الشرق الأوسط. وقال «مطمئنون تماما بشأن مخزوناتنا وكيفية إدارتها».
وتنتظر تايوان، التي تقول الصين إنها جزء من أراضيها، موافقة واشنطن على صفقة أسلحة ذكرت رويترز أن قيمتها قد تصل إلى 14 مليار دولار.
وأثارت تصريحات ترامب حالة من الضبابية في تايبه بعدما قال عقب لقائه بالرئيس الصيني شي جين بينغ هذا الشهر إنه لم يحسم قراره بعد بشأن الصفقة.
وأكد هيغسيث أن القرار النهائي بشأن أي مبيعات أسلحة يعود إلى ترامب، مشيرا إلى عدم وجود تغيير في نهج واشنطن طويل الأمد رغم التقارب الحديث مع بكين.
ووسط تهديده لإيران، وجه وزير الحرب الأمريكي سهاما نحو الصين حليف طهران، فحث الحلفاء الآسيويين على زيادة الإنفاق العسكري لمواجهة قوة الصين المتزايدة ومنع هيمنتها على المنطقة، مشيرا إلى ما أسماه بـ«قلق مشروع» إزاء التعزيزات العسكرية السريعة لبكين. وقال هيغسيث إن وجود حلفاء أقوى وأكثر اعتمادا على النفس هو أمر ضروري لردع أي عدوان والحفاظ على توازن القوى.
وأضاف «هناك قلق مشروع من التعزيزات العسكرية الضخمة للصين وتوسع أنشطتها العسكرية في المنطقة وخارجها».
وتابع «سيطرة أي قوة في منطقة المحيط الهادي من شأنها أن تخل بالتوازن الإقليمي للقوى. لا يمكن لأي دولة، بما في ذلك الصين، أن تفرض هيمنتها وتهدد أمن وازدهار أمتنا وحلفائنا».
وذكر أن الولايات المتحدة تتوقع من حلفائها وشركائها الآسيويين زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بعد تعهدها باستثمار 1.5 تريليون دولار في جيشها.
وأكد هيغسيث أن الحلفاء يريدون الاستقرار، وليس التصعيد. بعد ذلك حاول تخفيف اللهجة بشأن العلاقات مع بكين، قائلا إنها «أفضل مما كانت عليه منذ سنوات عديدة»، مشيرا إلى زيادة الاتصالات بين جيشي البلدين مما يساعد في معالجة التوتر.
وقال «نجتمع بشكل أكثر تواترا مع نظرائنا الصينيين من خلال الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بين الجيشين».
واتهمت الصين، التي يتغيب وزير دفاعها عن الحوار للعام الثاني على التوالي، هيغسيث العام الماضي بالإدلاء بتصريحات «مسيئة».
وأكد هيغسيث مطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القديم بزيادة إنفاق الحلفاء على الدفاع. وقال ترامب بوضوح إن الشركاء الأوروبيين وأعضاء حلف شمال الأطلسي يجب أن يقللوا من اعتمادهم على واشنطن.
وقال «انتهى عصر تمويل الولايات المتحدة لدفاع الدول الغنية… نحن بحاجة إلى شركاء وليس بلدان نتولى حمايتها… لن يكون لدينا تحالف قوي ما لم يشارك الجميع في الأمر. لا مكان للاستغلال».
وأشاد هيغسيث بمساهمات حلفاء من بينهم كوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا وسنغافورة وماليزيا وتايلاند، وقال إن اليابان تتخذ خطوات ملموسة لتعزيز دفاعاتها.

إيران والممرات البديلة

وفي ظل الحصار البحري الأمريكي لم يعد بإمكان إيران اعتبار الوصول إلى مياه الخليج أمرا مضمونا على الدوام، وقد تتجه بشكل متزايد إلى تعزيز تجارتها من خلال الطرق البرية الممتدة عبر دو الجوار ومنها تركيا والعراق وباكستان وأفغانستان وغيرها.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، وأسفر التصعيد الأخير إلى اضطراب حاد في حركة الملاحة التجارية عبر الممر الحيوي. وعلقت شركات الشحن عمليات العبور، أو أرجأتها، فيما رفعت شركات التأمين البحري قيمة أقساط مخاطر الحرب، وانتشرت عمليات التأخير والاضطرابات عبر شبكات الخدمات اللوجستية في الخليج.
وتقول الكاتبة والباحثة المتخصصة في الشؤون الإيرانية والأفغانية وقضايا الشرق الأوسط منذ أكثر من 25 عاما، فاطمة أمان، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال انتريست» الأمريكية، إنه رغم استئناف بعض الحركة التجارية المحدودة، واقتراب أمريكا وإيران من اتفاق يعيد فتح المضيق، كشفت الأزمة عن مشكلة استراتيجية أوسع، تتمثل في أن الوصول البحري في الخليج لم يعد أمرا موثوقا بشكل كامل في فترات التصعيد. وقد بدأ هذا الغموض بالفعل في دفع مزيد من الاهتمام بممرات التجارة البرية التي تربط إيران بأفغانستان وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة.
وأضافت أمان، التي عملت أيضا مستشارة لمسؤولين أمريكيين ومنظمات غير حكومية، أن الاضطراب لا يقتصر على المواجهة البحرية، إذ رفعت شركات التأمين البحري بشكل حاد أقساط مخاطر الحرب، أو سحبت التغطية التأمينية بالكامل من أجزاء من الخليج، بينما أعادت شركات شحن كبرى توجيه سفنها لتدور حول أفريقيا، أو علقت عمليات العبور تماما.
وصارت أفغانستان بالفعل جزءا من عملية إعادة التكيف، حيث دفعت عمليات الإغلاق المتكررة لحدود البلاد مع باكستان خلال السنوات الأخيرة التجار الأفغان إلى تنويع طرق الوصول عبر إيران وآسيا الوسطى، خاصة من خلال ميناء تشابهار بشرق إيران، والمعابر الغربية لأفغانستان. وتوسعت حركة العبور الأفغانية عبر تشابهار بشكل ملحوظ، مع ترويج كابول للميناء باعتباره ممرا بديلا أقل عرضة للنزاعات السياسية الثنائية.
كما توسعت علاقات إيران مع أفغانستان، في مجالات التجارة وإدارة الحدود والربط الإقليمي، رغم تواصل الخلافات المتعلقة بالمياه واللاجئين والمخاوف الأمنية. ولطالما كشفت الاشتباكات الحدودية والنزاعات حول نهر هلمند هشاشة هذه العلاقة، رغم استمرار التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
وتؤكد أمان أن هذه العلاقة تظل محدودة وشديدة الارتباط بالظروف المتغيرة، «فالتعاون يمنح إيران إمكانية الوصول إلى الممرات البرية، لكنه لا يوفر لها موثوقية سياسية أو سيطرة استراتيجية. ومع تصاعد الغموض بشأن الوصول البحري، من المرجح أن تركز إيران بصورة أكبر على شبكات التجارة البرية التي تربطها بأفغانستان وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة.»
وأشارت تقارير إقليمية بالفعل إلى أن استمرار اضطراب الشحن في الخليج يعزز الأهمية الاستراتيجية للممرات البديلة، خاصة للتجارة الإقليمية والالتفاف على العقوبات.
كما خففت باكستان خلال السنوات الأخيرة بعض القيود على العبور بهدف تسهيل تدفق التجارة نحو إيران وآسيا الوسطى، في انعكاس لجهد إقليمي أوسع يهدف إلى تنويع المسارات وسط حالة الغموض، حيث «تزداد أهمية الممرات البرية رغم بطئها وتعقيداتها السياسية وقابليتها الأكبر للتعطل عندما تصبح الطرق البحرية غير مستقرة.»
ولكن هذا التحول لن يحدث في بيئة محايدة، «فأمريكا تستهدف بالفعل الشبكات التي تدعم التجارة الإيرانية. وتركز العقوبات بشكل متزايد على الوسطاء وشركات الشحن والقنوات المالية والأطراف الأجنبية المرتبطة بتدفقات النفط الإيراني. وتشمل الإجراءات الأخيرة فرض عقوبات على كيانات أجنبية مرتبطة بصادرات النفط الإيرانية».
وتقول الباحثة أمان في تقريرها إن العقوبات على الصادرات الإيرانية دفعت باتجاه الاعتماد على شبكات غير مباشرة وشركات واجهة ووسطاء، «فالعقوبات لا توقف التجارة، بل تعيد تشكيلها من خلال زيادة التكاليف والتعقيد والاعتماد على قنوات أقل ظهورا».
وفي أفغانستان، تعتمد التجارة في كثير من الأحيان على المعاملات النقدية والوسطاء غير الرسميين والشبكات الحدودية المتشعبة، ما يؤدي إلى تفاوت مستويات تطبيق العقوبات.
ويقدم النفط الإيراني مثالا واضحا على ذلك، إذ يواصل التدفق على الأسواق العالمية عبر قنوات بديلة، رغم العقوبات. وينطبق المنطق نفسه على الطرق البرية. وسوف يزداد الضغط، ولكن من المرجح أن تتكيف تدفقات التجارة من خلال شبكات وسيطة وترتيبات شحن غير مباشرة وقنوات تمويل غير رسمية.
كما يزيد العامل الأمني من هشاشة الوضع، فالممرات الاقتصادية تحتاج إلى الاستقرار، وبالطبع تتوقع إيران تشديد الرقابة الحدودية حال أصبحت تعتمد على الطرق الأفغانية، «لكن أفغانستان لطالما شكلت ساحة تتداخل فيها التنافسات الإقليمية بصورة غير مباشرة».
ولا تزال إجراءات ضبط الحدود وسيطرة الدولة غير متكافئة في أجزاء من أفغانستان، ما يخلق نقاط ضعف مستمرة لأي ممر يعتمد على استقرار طويل الأمد، وهو ما يطرح تحديا مختلفا أمام إيران، فالطرق البرية تقلل الاعتماد على الاختناقات البحرية، لكنها تزيد الاعتماد على الظروف السياسية.
ولكن هذا لا يعني أن الممرات البرية قادرة على استبدال البنية التحتية البحرية في الخليج، فهي لا تستطيع ببساطة مجاراة القدرة الاستيعابية للنقل البحري.
وفي ختام التقرير، تؤكد الباحثة أمان أن الأزمة أظهرت بالفعل أنه حتى الاضطرابات الجزئية في الملاحة البحرية تدفع الفاعلين الإقليميين نحو بدائل مجزأة ومعقدة سياسيا، «وقد لا تتحول أفغانستان إلى ممر تجاري مستقر، لكنها قد تصبح أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية مع سعي الدول إلى إيجاد بدائل احتياطية في بيئة إقليمية يتصاعد فيها الغموض.»
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير