تغيير حجم الخط     

“الإطار” يختبئ خلف عباءة الصدر: من يرفض نزع سلاحه يواجه أميركا منفرداً

مشاركة » الأحد يونيو 07, 2026 8:29 am

بغداد/ تميم الحسن

على الأغلب، لن تمضي خطة «نزع السلاح» في العراق حتى نهايتها كما يتصورها بعض المتحمسين. فالمشهد، وفق مصادر سياسية، يتجه إلى صيغة أكثر تعقيداً: فصيلان على الأقل سيظلان خارج سرب التفكيك، وسيتحملان وحدهما كلفة البقاء في مربع ما يعرف بـ”المقاومة”، بما في ذلك احتمالات التعرض لضربات عسكرية مباشرة.
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن ما بين 7 و8 فصائل قد تنخرط في مسار تفكيك السلاح أو إعادة دمجه ضمن مؤسسات الدولة.
وفي تطور لافت، سلّمت “سرايا السلام” – الجناح المسلح للتيار الصدري – أسلحتها خلال الأيام الأخيرة، فيما أعلنت فصائل أخرى قربها من اتخاذ الخطوة ذاتها.
بالتوازي، أعلن رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض بدء عمل لجنة حكومية مختصة بـ«فك الارتباط» بين مقاتلي الحشد والأحزاب، بعد نحو عقد كامل على تأسيس الهيئة.
من جهته، رحب المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا توم براك بهذه التطورات، معتبراً أنها «تسهم في بناء النظام»، كما أشاد بمبادرة رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تعهد منذ تسلمه المنصب الشهر الماضي بحصر السلاح بيد الدولة.
خريطة الفصائل: تشظٍّ داخل «المقاومة»
تقول مصادر سياسية إن عدد الفصائل التي قد تنضم إلى مسار «نزع السلاح» قد يرتفع إلى ما بين 7 و8 من أصل 10 فصائل ضمن ما يُعرف بـ«تنسيقية المقاومة الإسلامية».
هذه التنسيقية، التي ظهرت بعد أيام من اغتيال أبو مهدي المهندس والجنرال الإيراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد عام 2020، ضمت في بداياتها:
كتائب حزب الله
حركة النجباء
عصائب أهل الحق
كتائب سيد الشهداء
سرايا أولياء الدم
كتائب كربلاء
أنصار الله الأوفياء
إلى جانب تشكيلات أخرى متفرقة
وقد شهدت لاحقاً انشقاقات، أبرزها خروج «عصائب أهل» من التنسيقية عام 2023، بحسب قول “كتائب حزب الله”.
الفصائل بين الدمج والتموضع السياسي
المصادر القريبة من المفاوضات تشير إلى أن الفصائل التي قررت الانخراط في مسار «الاحتواء» – باستثناء سرايا السلام – يمكن تقسيمها إلى نماذج متعددة:
أولاً: منظمة بدر
بزعامة هادي العامري، وتمتلك 15 لواء ضمن الحشد الشعبي، تنتشر في صلاح الدين ونينوى وديالى وكركوك. ومن أبرز تشكيلاتها:
اللواء الأول: لواء الإمام محمد الجواد
اللواء الثالث: تشكيل أسد آمرلي
اللواء الرابع: الإمامين العسكريين
اللواء العاشر: لواء بدر
ثانياً: عصائب أهل الحق
نشأت عام 2006 بعد انشقاق قيس الخزعلي عن جيش المهدي، ليؤسس لنفسه كياناً مسلحاً مستقلاً.
تمتلك العصائب ثلاثة ألوية ضمن الحشد الشعبي، تنتشر في جنوب صلاح الدين والأنبار وحزام بغداد:
اللواء 41
اللواء 42: قوات أبو موسى العامري
اللواء 43: سبع الدجيل
وكانت «كتائب حزب الله» قد سخرت علناً عام 2023 من أداء العصائب، في إشارة إلى التنافس الخفي داخل معسكر «المقاومة».
وقال جعفر الحسيني، المتحدث باسم الكتائب، في منشور له هاجم فيه «العصائب» على خلفية عدم مشاركتها في مواجهة الأميركيين آنذاك، إن «هذا الميدان يا حميدان»، وهو تعبير يستخدم للتحدي والتهكم.
ثالثاً: تشكيلات مرتبطة بالإطار التنسيقي
من بينها «كتائب الإمام علي» بزعامة شبل الزيدي، والتي تمتلك حضوراً سياسياً عبر 8 مقاعد برلمانية، إضافة إلى اللواء 40 في الحشد الشعبي.
رابعاً: كتائب سيد الشهداء
بزعامة أبو آلاء الولائي، وهو أحد قيادات الإطار التنسيقي وحليف رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وتمتلك اللواء 14 ضمن الحشد.
خامساً: كتائب ثأر الله
وتشير التقديرات إلى احتمال انضمامها إلى مسار التسليم، إلى جانب «أنصار الله الأوفياء» و«كتائب كربلاء» وربما تشكيلات أخرى، ما يعني بقاء كتائب حزب الله والنجباء خارج هذا المسار.
تهديدات ضمنية ورسائل تحذير
بحسب المصادر، فإن أطرافاً داخل الإطار التنسيقي حذرت الفصيلين الرافضين من تحمل مسؤولية قرار البقاء خارج المسار الجديد، مع الإشارة إلى احتمالات التعرض لعمليات اغتيال أو ضربات أميركية.
في المقابل، أعلنت «النجباء» رفضها الانضمام إلى أي جبهة تسليم، فيما أكدت «كتائب حزب الله» أنها «لن تسلم ولو طلقة واحدة»، معتبرة أن «جبهة المقاومة ما زالت قوية وتضم خمس فصائل».
بل إن الكتائب ذهبت أبعد من ذلك عندما أعلنت، في وقت سابق، استعدادها لشراء أسلحة الفصائل التي تقرر تسليم سلاحها للدولة، في رسالة سياسية لا تخلو من تحدٍّ.
الاحتواء بدل التفكيك: قراءة في الاستراتيجية
الباحث العراقي في الشأن السياسي المقيم في أستراليا أحمد الياسري يقدم قراءة مختلفة للمشهد، تقوم على أن ما يجري ليس «تفكيكاً حقيقياً» بل «إدارة أزمة».
يرى الياسري أن رئيس الوزراء علي الزيدي يحاول احتواء الملف مؤقتاً لتجنب تحوله إلى عامل تهديد للعلاقة بين بغداد وواشنطن.
ويشير الياسري إلى وجود فارق جوهري بين «الاحتواء» و«نزع السلاح».
ويضيف أن الفصائل أصبحت اليوم «مؤثراً استراتيجياً مزدوج الدور: داخلياً وإقليمياً»، ما يجعل التعامل معها معقداً.
ويقترح الياسري تقسيم الفصائل إلى فئتين:
فصائل ذات حضور برلماني واقتصادي، يمكن احتواؤها عبر الامتيازات والمقاعد.
وفصائل بلا غطاء سياسي أو اقتصادي، وهي الأكثر إشكالية والأقرب إلى التصعيد.
ويلفت إلى أن «نزع السلاح الكامل» يبدو صعباً، بينما «إدارة التوازنات» هي الخيار الواقعي المطروح حالياً.
وفي سياق متصل، كان قد أكد فالح الفياض، رئيس الحشد، أن اللجنة الحكومية بدأت عملها لوضع آليات «فك الارتباط التام» بين الحشد الشعبي وأي أطر حزبية أو فصائلية.
وشدد على أن الهدف النهائي هو تحويل الحشد إلى مؤسسة خاضعة لنظام موحد وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، استناداً إلى قانون 2016 والأوامر الديوانية.
كما أكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صدور أمر ديواني لتشكيل لجنة «سيادية» تتولى إنهاء المظاهر المسلحة، محذراً من استمرار «تسييس المؤسسة العسكرية».
لماذا تصمت طهران؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا تبدو طهران منخرطة علناً في هذا الجدل؟
القراءة التي يقدمها أحمد الياسري، وهو يرأس أيضاً المركز العربي – الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، تشير إلى أن النقاش يدور ضمن «الداخل العراقي» وليس ضمن المشروع الإقليمي للفصائل، وهو ما يفسر الصمت الإيراني النسبي.
ويرى الياسري أن الصمت الإيراني حيال النقاش الدائر بشأن الفصائل يعود بالدرجة الأولى إلى أن ما يطرح حالياً يقتصر على إعادة تنظيم دور الفصائل داخل الساحة العراقية، ولا يمس بشكل مباشر أدوارها أو ارتباطاتها الإقليمية.
ويضيف أن “طهران تبدو متقبلة لهذا النوع من النقاش طالما بقي محصوراً في الإطار الداخلي ولم يمتد إلى الملفات الخارجية الأكثر حساسية”.
لكن هذا الصمت لا يعني الحياد الكامل، إذ تشير معلومات غير مؤكدة إلى رسالة منسوبة للمرشد الإيراني عبر إسماعيل قاآني، عبرت عن استياء من بعض الفصائل التي أعلنت تسليم السلاح، معتبرة أن هذا السلاح «سُلّم من قبل إيران ولا يحق التخلي عنه بهذه الطريقة».
وتذهب الرسالة – وفق التسريبات – إلى حد وصف الخطوة بأنها «تملص من العهود».
أما فرص نجاح مشروع الدمج أو الاحتواء، فيربطها الباحث بمسار التطورات الإقليمية، مؤكداً أن مستقبل هذه العملية سيظل رهناً بطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة، فالتوصل إلى تفاهمات بين الطرفين، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع، أو حتى استمرار حالة التوتر القائمة، كلها عوامل ستكون لها انعكاسات مباشرة على مصير الفصائل ومستقبل ترتيبات إعادة دمجها داخل مؤسسات الدولة.
سرايا السلام: خطوة محرجة في سامراء
ويرى الباحث أحمد الياسري أن خطوة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر شكلت إحراجاً واضحاً للفصائل الأخرى، لأنها قدمت دليلاً عملياً على أن عملية الدمج أو إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة ليست مستحيلة متى ما توفر القرار السياسي.
ويقول إن مبادرة الصدر أرسلت “رسالة مباشرة إلى خصومه وحلفائه على حد سواء مفادها أن العقبة ليست في الآليات أو الإجراءات، بل في الإرادة السياسية”. فبمجرد اتخاذ القرار، بادر التيار الصدري إلى طرح نموذج للتعامل مع ملف السلاح، الأمر الذي وضع بقية الفصائل أمام اختبار مشابه.
ويضيف الياسري أن موقف الصدر أسهم عملياً في “عزل الفصائل الرافضة لأي تسوية، كما منح الحكومة دفعة سياسية ومعنوية في واحدة من أكثر الملفات تعقيداً”. وفي الوقت نفسه، وفر للإطار التنسيقي فرصة للاستفادة من المبادرة في مواجهة أزمة باتت تؤرقه، بعدما تحولت بعض الفصائل المسلحة إلى عبء على مشروعه الحكومي بدلاً من أن تكون أحد عناصر دعمه.
ويتابع أن الإطار التنسيقي يجد نفسه اليوم أمام معادلة معقدة؛ فهو الجهة التي تدير الحكومة وتتحمل مسؤولية إدارة الدولة، بينما أصبحت بعض الفصائل التي تدور في فلكه مصدر إحراج وضغط داخلي وخارجي. ولذلك يحاول توظيف مبادرة الصدر كغطاء سياسي يساعده على احتواء هذه الجماعات وإعادة تنظيم علاقتها بالدولة.
وبحسب الياسري، فإن الإطار يسعى أيضاً إلى الاستفادة من الرمزية السياسية والدينية للمبادرة، خصوصاً أنها انطلقت من النجف، بما تمثله من ثقل ديني ومعنوي، الأمر الذي يمنحها قوة إضافية في النقاش الدائر حول مستقبل السلاح خارج الدولة.
ومع ذلك، يعتقد الباحث أن سياسة الاحتواء الحالية، وإن كانت ضرورة سياسية ملحة داخلياً وخارجياً، لا تعني بالضرورة “معالجة جذرية لمشكلة السلاح المنفلت”. فالقضية، برأيه، أعمق من مجرد إجراءات تنظيمية أو تفاهمات مؤقتة، وترتبط بطبيعة النظام السياسي الذي نشأ خلال السنوات الماضية على تعدد مراكز القوة وتداخل الأدوار العسكرية والسياسية والأمنية.
ويخلص إلى أن ما يجري اليوم قد ينجح في احتواء الأزمة أو تأجيل انفجارها، لكنه “لا يقدم بالضرورة حلاً نهائياً لمعضلة السلاح خارج إطار الدولة”.
وفي مشهد حمل دلالات سياسية وأمنية واسعة، سلمت «سرايا السلام»، الجناح المسلح التابع للتيار الصدري، أسلحتها خلال احتفال رسمي أُقيم في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين.
وقال رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن إن «جميع مقاتلي سرايا السلام التابعين للزعيم مقتدى الصدر باتوا الآن تحت إمرة رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة».
وأظهرت مشاهد بثها التلفزيون الرسمي عناصر من «سرايا السلام» وهم ينزلون راية الفصيل من أمام أحد مقرات العمليات، بحضور لجنة عسكرية أوفدها رئيس الوزراء علي الزيدي للإشراف على إجراءات التسليم.
وتنضوي «سرايا السلام» ضمن هيئة الحشد الشعبي عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في عدد من المناطق، أبرزها مدينة سامراء التي تمثل أحد أهم مواقع انتشارها خلال السنوات الماضية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير