غداد/ تميم الحسن
على ما يبدو، تتجه المفاوضات مع الفصائل – في حال نجحت- إلى تطبيق خطة طهران القائمة على «خزن السلاح» بدلاً من «نزعه»، فيما لم يحسم حتى الآن مكان تخزين هذه الترسانة.
وتقول مصادر مطلعة إن طهران تمكنت بعد زيارات مكثفة إلى بغداد الشهر الماضي، في دفع الأطراف نحو تسوية تبقي السلاح، من دون أن يبقى ظاهراً في المشهد.
ووفق هذه الصيغة، التي لم تعلن رسمياً حتى الآن، لن تقوم الفصائل بتحريك سلاح أو تنفيذ عمل مسلح خارج إطار التسوية بعد 30 أيلول، وهو موعد خروج القوات الامريكية من البلاد.
لكن السؤال الذي يطل من خلف الاتفاق هو الأصعب: إذا بقي السلاح مخزوناً، فما الدور الذي ستلعبه الفصائل بعد ذلك؟
بحسب معلومات من مصادر أمنية، فإن الإجابة قد تكون في إنشاء جماعات صغيرة مجهولة الهوية، تشبه إلى حد ما مجموعة «الخفاف» التي ظهرت خلال احتجاجات تشرين 2019 وما بعدها.
لن تحمل هذه الجماعات، بالضرورة، أسماء الفصائل المعروفة. وستكون مهمتها أن تتحرك في المساحات التي يصعب فيها إثبات من يقف خلفها.
من «الخفاف» إلى جماعات بلا اسم
تقول المعلومات إن هذه التشكيلات يمكن أن تستخدم لإصدار بيانات باسم جماعات يجري اختيار أسمائها لاحقاً، بهدف الضغط لتمرير قوانين أو إلغاء أخرى.
ومن الأمثلة التي تستعيدها المصادر جماعة عرفت باسم «جبهة أبو جداحة»، والتي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بإحراق مقرات حزبية ومؤسسات إعلامية.
لكن الوظيفة المقترحة للجماعات الجديدة ستكون أوسع من إصدار البيانات.
بحسب المصادر الأمنية، يمكن أن تستخدم هذه المجموعات للتأثير في الانتخابات ودعم شخصيات سياسية بعينها، أو لتهديد الحكومة ومسؤولين إذا عارضوا توجهات الفصائل، خصوصاً في القضايا المرتبطة بما يسمى «محور المقاومة».
وقد يصل الأمر إلى تهديد الاستثمارات الأميركية والسعودية في العراق، مع احتمال استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.
كما يمكن توظيفها في تأزيم العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان، من خلال اتهامات بوجود مراكز تابعة للمخابرات الأميركية أو الإسرائيلية.
هذه الجماعات، وفق المعلومات، لن تعمل بالضرورة وفق هيكل تنظيمي تقليدي. بل ستستخدم ما تصفه المصادر بـ»التنظيم الهجين»، الذي يجمع بين الخلايا المغلقة والروابط اللامركزية والقيادات المحدودة، بما يجعل تتبع العلاقات بينها أمراً أكثر صعوبة.
وهذه الفكرة ليست جديدة تماماً، فخلال احتجاجات تشرين وما بعدها، استخدمت فصائل جماعة أطلق عليها اسم «الخفاف»، وكشفت (المدى) حينها عن صلتها بتنفيذ عمليات اغتيال لناشطين.
وسميت المجموعة بهذا الاسم بسبب خفة تنفيذ العمليات وسرعة إخلاء مسرح الحادث، وهو ما كان يجعل معرفة المجموعة التي نفذت العملية أمراً شديد الصعوبة.
طهران تبحث عن صيغة تمنع الصدام
وجاءت هذه التطورات عقب ما وصفته مصادر مطلعة بـ»تدخلات طهران»، عبر زيارات مكثفة لمسؤولين إيرانيين إلى بغداد الشهر الماضي، انتهت إلى انتزاع قرار بـ»بقاء غير محدود» للفصائل، مقابل انسحاب كامل للقوات الأميركية من العراق، واعتماد خيار «خزن السلاح» بدلاً من «نزعه».
وبذلك، بدت التسوية وكأنها محاولة لإبعاد شبح الصدام الداخلي الذي كان يخشى أن ينفجر إذا حاولت الحكومة إجبار الفصائل على تسليم ترسانتها.
وقبل أيام، تعهد هادي العامري، زعيم «منظمة بدر»، في فعالية سياسية في بغداد، بأنه لن يحدث صدام «مطلقاً» في الداخل بسبب السلاح.
لكن الاتفاق لم يحسم بعد السؤال الأهم: من سيملك المخازن؟ وهناك، وفق المصادر، خياران.
الأول أن توضع الأسلحة في مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي، مع تسجيل أرقامها وكمياتها والجهة التي تعود إليها.
والثاني أن تبقى الأسلحة في مخازن الفصائل نفسها، على أن تقدم تعهداً بعدم استخدامها إلا بموافقة الحشد.
أما الخيار الثاني، بحسب المصادر، فقد يفتح الباب أمام عودة جماعات «الخفاف» بصيغتها الجديدة، عندما تستدعي الحاجة.
وتملك الفصائل ترسانة عسكرية متنوعة، تضم صواريخ بالستية، وطائرات مسيّرة انتحارية، إلى جانب مدرعات.
«لا تغيير في دور الفصائل»
لكن إحسان الشمري، أستاذ السياسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، لا يرى أن دور الفصائل سيتغير بعد 30 أيلول، وهو الموعد الذي كان يفترض أن يمثل نهاية وجود القوات الأميركية وخروج الفصائل من المشهد المسلح معاً، قبل أن تتدخل طهران.
ويقول وإن حتى جرى «تنظيم السلاح»، وفق العبارة التي يستخدمها التحالف الشيعي والتي تبدو أكثر تخفيفاً من «نزع السلاح»، فإن المشكلة الأساسية ستبقى قائمة، إذ قد يعود السلاح إلى الشارع عند أول احتكاك أميركي-إيراني.
ويؤكد الشمري إن «السلاح يمكن أن يعود في أي لحظة، أو أن يستخدم في محاولة لفرض إرادة سياسية».
ويضيف أن هذا الأمر ظهر «بين آونة وأخرى» في تحد للدولة ولقراراتها، سواء خلال حكومة محمد السوداني أو حتى خلال حكومة مصطفى الكاظمي السابقة.
وفي الشهر الماضي، هددت «كتائب حزب الله «بمبدأ «العين بالعين» رداً على مطالبة الحكومة بنزع السلاح.
في المقابل، تراجعت الحكومة عن التلويح بالقوة الذي ظهر في بدايات ملف نزع السلاح، واتجهت إلى محاولة إرضاء الفصائل عبر تشريع قانون الحشد، مع التأكيد في الوقت نفسه على مغادرة جميع القوات الأميركية للعراق.
وقبل يومين، أعلنت بغداد أنها رفضت طلباً أميركياً للإبقاء على جزء من القوات بعد 30 أيلول.
لكن الفصائل ما زالت تشكك في اكتمال الانسحاب الأميركي.
ويفترض أن يكون هذا الانسحاب هو الثالث من نوعه منذ 2003، بعد خروج القوات الأميركية عام 2011، ثم إعلان حكومة الكاظمي نهاية 2021 انسحاب القوات القتالية.
عودة شخصيات مثيرة للجدل
بالنسبة إلى الفصائل، لا تكفي الإعلانات فهذه الجماعات، بحسب ما تحدثت به مصادر، تستدل على استمرار الاهتمام الأميركي بالعراق بعودة ستيفن فاغن إلى بغداد بصفته القائم بالأعمال الأميركي، وهو دبلوماسي تصفه تلك الجماعات بأنه متشدد تجاه «محور المقاومة».
وكان فاغن قد عمل في السفارة الأميركية في بغداد أثناء حادثة المطار التي قتل فيها أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق، والجنرال الإيراني قاسم سليماني.
كما عمل لفترة قصيرة في السفارة عام 2025، وفي قنصلية أربيل.
وفي الوقت ذاته، ظهر مارك سافيا بصورة نادرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أشهر من الاختفاء في ظروف غامضة.
وكان يفترض، بحسب الرواية المتداولة بين الفصائل، أن يكون سافيا يعمل على خطة لـ»نهاية الفصائل» في العراق، بوصفه مبعوثاً لواشنطن، قبل توم بارك.
«مكافآت» لمن يسلم سلاحه
ومع ذلك، لم يكن نزع السلاح، في صيغته الأولى، مطروحاً باعتباره خسارة كاملة للفصائل.
فالفصائل التي قررت المضي في خيار النزع كان يفترض أن تحصل على مكافآت سياسية، رغم استمرار الاعتراض الأميركي على بعض هذه الترتيبات.
شبل الزيدي، زعيم «كتائب الإمام علي»، حصل على مقعد في الطاولة الدائرية لـ»الإطار التنسيقي»، وقد يحصل على وزارة بعد إعلان نزع سلاح فصيله.
وبالمثل، قد يحصل قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، على منصب نائب رئيس الوزراء ووزارة العمل، بوصف ذلك مكافأة على الانخراط في عملية «تنظيم السلاح».
لكن السؤال يعود مرة أخرى: هل تعني هذه الترتيبات أن الفصائل تتخلى فعلاً عن دورها المسلح، أم أنها تعيد صياغته؟
ثلاثة طرق بعد 30 أيلول
حسن فدعم، النائب السابق والقيادي السابق في الحشد الشعبي، يرى أن الفصائل نفسها هي التي ستقرر ماذا ستفعل بعد 30 أيلول.
ويقول: «هل تريد الانخراط في الأجهزة الأمنية والاندماج فيها؟ أم التحول إلى مؤسسات سياسية والمشاركة في العملية السياسية؟ أم اختيار مسار آخر؟ الفصائل ستقرر ذلك».
ويؤكد، وهو قيادي في تيار الحكمة، أن هذه القرارات لا تزال قيد الحوار مع الفصائل والأطراف المعنية.
ويقول إن هذه الأطراف «حريصة على العراق وحريصة على مصلحة العراق وأمنه ومصالحه العليا»، وإنها ستصل إلى نتيجة وتقرر ماذا سيكون وضعها بعد 30 أيلول أو بعد خروج القوات الأجنبية من العراق.
ويرى فدعم أن هذه الفصائل «الأكثر مرونة في الحوار والتفاوض»، بسبب ما يصفه بتاريخها في الدفاع عن العراق ومصالحه.
ويضع أمامها مجموعة خيارات: العمل السياسي، والعمل الإنساني، والعمل العسكري ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية، أو العمل الخدمي.
كل هذه الخيارات، بحسبه، مطروحة، ويمكن أن تكون موضع حوار مع الأطراف المختلفة والفصائل المتعددة.
لكن رغم ذلك، فإن ما يوصف بـ»التسوية الإيرانية» بشأن نزع السلاح لم يصبح نهائياً حتى الآن.
الفصائل لا تزال ترفض، بحسب الشمري، حتى استخدام العبارة المخففة «تنظيم السلاح» إلا بشروط صعبة، وربما يكون الأمر، في تقديره، نوعاً من «المناورة».
فحتى في حال تنظيم السلاح، يقول الشمري، فإن الفصائل المسلحة تمتلك أجنحة سياسية كانت جزءاً من تشكيل الحكومات.
ويشير إلى حكومة عادل عبد المهدي بين 2018 و2020، وإلى أن الفصائل كانت القوة والركيزة الأساسية في حكومة السوداني، بينما لا تزال أجنحتها السياسية ممثلة في البرلمان، ولها وجود على المستوى التنفيذي.
لهذا، لا يتوقع الشمري تغييراً كبيراً في مهامها، حتى لو انخرطت بصورة أكبر في مؤسسات الدولة.
ويقول إن الفصائل، حتى قبل 30 أيلول، تضع شروطاً على الحكومة، تماماً كما فعلت في الحكومة السابقة عندما اشترطت خروج القوات الأميركية.
ويرى أن الفصائل تبدو أكثر تركيزاً على شروطها من تركيزها على تقديرات الدولة العراقية ومفهوم المصلحة العليا الذي تتحرك الحكومة على أساسه.
تركيا.. مبرر آخر لبقاء السلاح
هناك أيضاً ملف آخر يمكن أن يوفر للفصائل مبرراً للاستمرار في الاحتفاظ بالسلاح وهي القوات التركية وحزب العمال الكردستاني.
ويقول الشمري إن شرط إخراج القوات التركية سيبقى حاضراً، خصوصاً مع ملف حزب العمال.
ويرى أن تركيا لم تحسم حتى الآن ملف حزب العمال داخلياً، رغم وجود اتفاق بهذا الشأن، لأن الملف يرتبط بتعقيدات وارتباطات متعددة.
ولهذا، يتوقع أن تستمر الفصائل المسلحة في التركيز على الشرط التركي، إلى جانب ما يسميه «التحرر الاقتصادي»، بوصفهما جزءاً من المبررات التي تستخدمها لبقاء السلاح.
وفق هذا التصور، قد تقبل الفصائل بتنظيم السلاح، لكن مقابل الإبقاء عليه وإمكانية استخدامه مجدداً إذا لم تنفذ الحكومة الشروط السابقة.