الوثيقة | مشاهدة الموضوع - الحكومة تصف هجوم السفارة بـ«الإرهابي».. والبرلمان يهتف: «الموت لأميركا»!
تغيير حجم الخط     

الحكومة تصف هجوم السفارة بـ«الإرهابي».. والبرلمان يهتف: «الموت لأميركا»!

مشاركة » الاثنين مارس 09, 2026 5:18 am

4.jpg
 
بغداد / تميم الحسن

في مساء متوتر من ليالي بغداد، دوّت صفارات الإنذار داخل السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، بينما كانت منظومات الدفاع الجوي تحاول اعتراض صواريخ أُطلقت باتجاه المجمع الدبلوماسي الأكثر تحصينًا في العراق.
الهجوم الذي وقع بعد ساعات فقط من تعهد الحكومة العراقية بحماية البعثات الدبلوماسية، فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول قدرة الدولة على ضبط الفصائل المسلحة، واحتمالات انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع مع واشنطن.
وقالت مصادر أمنية إن أربعة صواريخ أُطلقت مساء السبت باتجاه محيط السفارة الأميركية في بغداد، مؤكدة أن منظومة الدفاع الجوي «سي-رام» اعترضت معظمها، فيما سقط صاروخ داخل محيط قاعدة عسكرية تابعة للسفارة.
وسُمع دوي انفجارات متتالية أعقبها تشغيل صافرات الإنذار داخل المجمع الدبلوماسي، بينما سارعت الدفاعات الجوية إلى اعتراض المقذوفات.
ويُعد هذا الهجوم الأول من نوعه على السفارة منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي، وهي المواجهة التي أخذت تتوسع تدريجيًا في المنطقة، بما في ذلك العراق.
هجمات متصاعدة
وبحسب تقديرات أمنية، ارتفع عدد الهجمات التي نفذتها ما تُسمّى بـ«المقاومة العراقية» إلى نحو 70 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت ما وصفته الفصائل بـ«قواعد العدو» في العراق والمنطقة.
وفي الوقت ذاته، بدأت تلك الفصائل منذ اندلاع المواجهات العسكرية بين طهران وواشنطن الأسبوع الماضي باتخاذ إجراءات احترازية، شملت إخلاء العديد من مقراتها وتقليص عدد الموجودين فيها إلى أقل من 10 عناصر في كل موقع، مع تناوبهم على حراسات ليلية ونهارية، وسط حديث متزايد عن وجود «جواسيس» يزوّدون أطرافًا خارجية بمعلومات عن تحركات القيادات.
وتقول مصادر إن هذه الإجراءات جاءت بعد تعرض مواقع للفصائل في القائم وبابل وسهل نينوى لهجمات متفرقة منذ بداية التصعيد.
حكومة بغداد: استهداف السفارات «إرهاب»
وفي أول رد رسمي، أصدر القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني أوامر بملاحقة المسؤولين عن الهجوم.
وقال المتحدث باسم القائد العام صباح النعمان في بيان إن السوداني وجّه القيادات العسكرية والأمنية «بملاحقة مرتكبي العمل الإرهابي بإطلاق المقذوفات باتجاه محيط السفارة الأميركية وتقديمهم إلى العدالة».
وأكد البيان أن استهداف البعثات الدبلوماسية «فعل لا يمكن تبريره تحت أي ظرف»، مشددًا على أنه يمس الأمن الوطني واستقرار البلاد، وأن «خيارات الحرب والأفعال العسكرية تبقى بيد الدولة حصرًا».
وكان مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي قد أكد قبل ساعات فقط من الهجوم التزام الحكومة بحماية السفارات والبعثات الدبلوماسية العاملة في العراق.
كما جاء الهجوم بعد اجتماع لقادة ما يُعرف بـ«الإطار التنسيقي»، ناقش قبل ثلاثة أيام من الحادث مسألة توفير الحماية للمقار الدبلوماسية.
وكانت بغداد قد أعلنت في أيلول 2023 بدء انسحاب القوات الأميركية من القواعد العراقية على مرحلتين، على أن يكتمل الانسحاب نهاية عام 2026.
تحذيرات من رد أميركي أوسع
ويرى سياسيون ومراقبون أن استهداف السفارة قد يفتح الباب أمام رد أميركي يتجاوز الفصائل المسلحة ليطال الدولة العراقية نفسها.
وقال السياسي والنائب السابق مثال الألوسي إن ما جرى «سيبقى في ذاكرة العراقيين والأميركيين سياسيًا ودبلوماسيًا»، مشيرًا إلى أن الإدارات الأميركية السابقة كانت تتعامل مع هذه الهجمات باعتبارها جزءًا من صراع إقليمي معقد.
وأضاف لـ(المدى) أن الإدارات السابقة في واشنطن كانت تميل إلى تصديق رواية أن الحكومة العراقية لا تملك السيطرة الكاملة على الجهات المنفذة للهجمات، لكن هذا التصور قد يتغير في ظل الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترامب.
ويحذر الألوسي من أن تعريف واشنطن للجهات التي تستهدف مصالحها في العراق على أنها مرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني» قد يقود إلى اعتبار تلك الهجمات جزءًا من نشاط إيراني مباشر، ما قد يضع العراق في دائرة الاستهداف.
برلمان «الشعارات»!
وفي خضم الجدل السياسي الذي أعقب الهجوم، وجّه السياسي والنائب السابق مثال الألوسي انتقادات حادة لأداء البرلمان خلال جلسته الأخيرة، معتبرًا أن ما جرى تحت قبة المجلس لم يرقَ إلى مستوى خطورة التطورات الأمنية.
وقال الألوسي إن الجلسة شهدت هتافات من بعض النواب بشعارات من قبيل «الموت لأميركا» وإعلانات دعم لطهران، واصفًا ما حدث بأنه «استعراض برلماني سطحي وساذج». وبرأيه، فإن البرلمان أخفق في التعامل مع خطورة استهداف السفارة الأميركية وما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية واقتصادية على العراق، مفضلًا الانجرار وراء الشعارات والهتافات.
وكان البرلمان قد عقد جلسة سرية مساء السبت لمناقشة التطورات الأمنية، إلا أن الجلسة انتهت بصورة دراماتيكية بعد مشادة كلامية حادة بين النائب مصطفى سند، المعروف بقربه من الفصائل المسلحة، وبهاء الأعرجي رئيس تحالف رئيس الوزراء داخل البرلمان. وتطورت المشادة إلى تبادل اتهامات قبل أن تنتهي بصفعة وجّهها سند إلى الأعرجي، بحسب مصادر برلمانية.
وفي سياق متصل، أشار الألوسي إلى أن بعض الميليشيات العراقية المرتبطة بقوى في «الإطار التنسيقي» – على حد وصفه – لا تحمل هوية وطنية واضحة، بل ترتبط بأهداف وتنظيمات مرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني».
وأضاف أن معلومات متداولة تشير إلى أن بعض من يديرون الهجمات داخل العراق قد يحملون الجنسية العراقية، لكنهم في الأصل ضباط مرتبطون بالحرس الثوري، حصلوا على الجنسية بعد عام 2003.
وانتقد النائب السابق في الوقت نفسه ما وصفه بمحاولات الحكومة تقديم تفسيرات لتجنب التصعيد، معتبرًا أن الفصائل المسلحة «غير منضبطة»، وأن طموحاتها السياسية المرتبطة بالسلطة لا يمكن أن تبرر – بحسب قوله – ضعف الدولة أو صمتها.
وختم الألوسي بالقول إن هذا الضعف يعكس مشكلة أعمق تتعلق بقدرة الحكومة على ممارسة سلطتها، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، وحتى في الظروف الاستثنائية الحساسة التي تمر بها البلاد.
الفصائل وإعادة الانتشار
في الأثناء، كشفت معلومات أمنية أن الفصائل المسلحة بدأت بإخلاء عدد من مقراتها وتحريك عجلاتها العسكرية إلى مواقع غير مكشوفة، تحسبًا لأي ضربات محتملة.
ويعتقد بعض قادة تلك الفصائل أن تسريب معلومات عن تحركاتهم يتم عبر شبكات تجسس داخلية، وهو ما أشار إليه أيضًا أكرم الكعبي زعيم حركة «النجباء».
وتقول بيانات للفصائل إن عملياتها العسكرية تصاعدت في الأيام الأخيرة، إذ أعلنت تنفيذ 24 عملية خلال 24 ساعة، فيما كانت قد أعلنت الأسبوع الماضي تنفيذ نحو 30 هجومًا على مواقع وصفتها بـ«مقرات العدو».
تحذيرات من «شرعنة المواجهة»
من جانبه، حذر الدبلوماسي السابق غازي فيصل من أن العودة إلى استهداف السفارة الأميركية في بغداد، بالتزامن مع رفع شعارات «الموت لأميركا» داخل البرلمان، تمثل – برأيه – تصعيدًا خطيرًا يعكس تبنّي نموذج سياسي وإعلامي مستلهمًا من الخطاب الإيراني المعادي للولايات المتحدة والغرب.
ويقول فيصل لـ(المدى) إن هذه التطورات تضاف إلى سلسلة من الهجمات التي شهدتها مناطق عدة في العراق خلال الفترة الأخيرة، بينها القائم وجرف الصخر والموصل وسهل نينوى، فضلًا عن قصف استهدف إقليم كردستان ومواقع حيوية واستراتيجية أخرى، في وقت تتواصل فيه التهديدات باستمرار ما تسميه الفصائل «المقاومة».
ويشير فيصل إلى أن وصف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للهجوم على السفارة بأنه «عمل إرهابي» يترتب عليه -من الناحية القانونية- التعامل معه وفق القوانين التي تلاحق الجرائم الإرهابية. ويضيف: «عندما يُوصف الفعل بالإرهابي، فمن المفترض أن يُعامل بالمعايير نفسها التي تُطبّق على التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة».
ويرى فيصل أن استمرار هذه الأنشطة المسلحة غير القانونية يهدد الأمن والاستقرار في العراق، وقد يدفع الولايات المتحدة إلى إدراج البلاد ضمن ساحات المواجهة المباشرة، على غرار تعاملها مع إيران التي تصفها واشنطن – وخصوصًا في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب – بأنها دولة راعية للإرهاب.
وبحسب تقديراته، فإن واشنطن قد تواصل استهداف مواقع عسكرية ومنشآت لتصنيع الصواريخ والأسلحة داخل العراق، والتي يُعتقد أن عددها يصل إلى نحو 12 موقعًا، باعتبارها -من وجهة نظرها- تهديدًا لأمنها ولمصالح حلفائها في المنطقة.
ويضيف فيصل، الذي يرأس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، أن استهداف السفارة الأميركية قد يشكّل بداية مرحلة جديدة من «شرعنة المواجهة المسلحة» بين الفصائل المسلحة والولايات المتحدة داخل العراق.
ويشبّه هذه المواجهة بما يسميه «حروب الإسناد» التي شهدتها المنطقة، مثل دعم حزب الله لحركة حماس في قطاع غزة، وهي مواجهات أدت -بحسب قوله- إلى دمار واسع ونزوح المدنيين نتيجة تقديرات سياسية وعسكرية خاطئة.
ويرى فيصل أن تكرار هذه النماذج في العراق يعكس -على حد وصفه- خطرًا يتمثل في تبني استراتيجيات إقليمية قد تقود إلى تفكيك المجتمعات المدنية وإضعاف فرص الاستقرار والتنمية في دول المنطقة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات