تغيير حجم الخط     

لوبي" بأموال كبيرة في أميركا.. محاولة شيعية لاحتواء غضب ترامب

مشاركة » السبت سبتمبر 05, 2026 11:26 pm

3.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


في الغرف المغلقة التي اجتمعت فيها القوى الشيعية خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: متى تسلم الفصائل سلاحها؟ السؤال تغير، وأصبح: ماذا لو لم تسلمه أصلاً؟
حتى وقت قريب، كانت بغداد تتحدث عن نزع السلاح باعتباره واحداً من الملفات التي لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
وفي مطلع آب الماضي، وافقت القوى السياسية، بحسب ما دار في اجتماع لـ"ائتلاف إدارة الدولة"، على اعتبار الجماعات التي ترفض نزع السلاح "إرهابية".
لكن شيئاً ما تبدل خلال الأسابيع التالية.
أعضاء في اللجنة الثلاثية التي يفترض أن تتولى التفاهم مع الفصائل باتوا يتحدثون بلغة مختلفة. وفي الأسبوع الأخير، أكد اثنان من أعضاء اللجنة أن تفكيك السلاح ليس مطروحاً عملياً.
كان نوري المالكي، أحد أعضاء اللجنة، أكثر وضوحاً. قال إن نزع السلاح يمكن أن يؤثر في "نفسية الفصائل".
أما هادي العامري، زعيم منظمة بدر، فرفض هو الآخر نزع السلاح، مع نفيه في الوقت نفسه احتمال حدوث "صدام مسلح". أما محمد السوداني، العضو الثالث في اللجنة، فلم يعلن موقفاً واضحاً من التطورات الأخيرة.
وبينما كانت الحكومة تتراجع خطوات عن لغة المواجهة، كانت "حركة النجباء" تنهي جولات من الاتصالات مع القوى الشيعية بالتأكيد على عدم المساس بـ"قدسية" سلاح المقاومة، بحسب بيان للفصيل.
وكان زعيم الحركة، أكرم الكعبي، قد ذهب أبعد من ذلك في بيان سابق، حين هدد بأن أي جندي أميركي يبقى في العراق بعد 30 أيلول سيعود "جثة".
وهكذا، خلال أسابيع قليلة، انتقل الملف من محاولة البحث عن صيغة لنزع السلاح إلى البحث عن صيغة تسمح ببقائه.
التسوية الإيرانية
لم تكن طهران بعيدة عن هذا التحول، فخلال الشهر الماضي، لم تتوقف زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد، وفي خضم تلك الاتصالات ظهرت صيغة مختلفة عما كانت تطرحه الحكومة العراقية: تخزين السلاح بدلاً من نزعه.
كانت الفصائل قد قدمت في وقت سابق شروطاً بدت، بالنسبة إلى بعض المحللين، أقرب إلى الاشتراطات التعجيزية. تحدثت عن "تنظيم السلاح"، لكنها لم تعلن بوضوح أنها ستنخرط في الترتيب الجديد.
ثم جاءت التسوية الإيرانية لتمنح هذا الموقف مخرجاً آخر.
وفي بغداد، تغيرت اللهجة أيضاً، فبعد أن كانت الحكومة تلوح باستخدام "قانون الإرهاب" ضد من يرفض تفكيك السلاح، بدأت تتحدث عن أدوات أخرى، بينها إقرار "قانون الحشد" كحافز للفصائل بدلاً من دفعها إلى مواجهة مباشرة.
ويعتقد محللون أن بغداد كانت، في جزء من هذه المناورة، تحاول حماية الفصائل من غضب واشنطن.
لكن المشكلة أن حماية الفصائل من واشنطن قد لا تعني أن واشنطن ستقبل بحمايتها.
أربع سنوات أخرى
عضو في الإطار التنسيقي، تحدث إلى (المدى) طالباً عدم نشر اسمه، يقول إن الفصائل المسلحة، وبضغط إيراني، لم تعد تشعر بأنها مهددة كما كانت قبل شهر.
ويؤكد عضو التحالف الشيعي أن الفصائل "لن تسلم السلاح، على الأقل خلال دورة الأربع سنوات للحكومة الحالية".
"لكن بقاء السلاح له ثمن"، ويضيف عضو التحالف الشيعي أن الجميع يعرف أن استمرار الفصائل المسلحة يعني "عداء واضحاً لواشنطن"، وأن العراق قد يتعرض لعقوبات شبيهة بتلك التي تعرضت لها إيران.
ثم يطرح السؤال الذي يبدو أنه يطارد بعض السياسيين الشيعة: "لا نعرف على ماذا يعولون؟".
السؤال ليس عن قدرة الفصائل على الاحتفاظ بسلاحها فحسب، وإنما عن الخطة التي يفترض أن تحميها من رد الفعل الأميركي.
اللوبي..
هنا تظهر خطة أخرى، ويقول مصدر سياسي مطلع، تحدث إلى (المدى) بمعلومات خاصة، إن أطرافاً شيعية بدأت محاولة وصفها بأنها "ذكية" لتجنب غضب واشنطن، رغم أنه لا يعتقد أنها ستنجح.
الخطة لا تقوم على إقناع الفصائل بالتخلي عن سلاحها، بل على إقناع واشنطن بالتعايش مع بقائه.
يقول المصدر إن أطرافاً شيعية تحاول، بأموال كبيرة لا يُعرف مصدرها، تشكيل "لوبي" في الولايات المتحدة للتخفيف من مخاوف بقاء السلاح.
وبحسب المصدر، فإن الخطة، التي يعتقد أنها مدفوعة من طهران، تستهدف الحكومة الأميركية، وليس الحزب الجمهوري وحده، كما تحاول الوصول إلى الجيش الأميركي.
وخلال الفترة الماضية، طرقت المجموعة أبواب عدد من السياسيين والمسؤولين الأميركيين السابقين ممن يمتلكون علاقات داخل الولايات المتحدة، في محاولة لإنجاح المهمة.
ولا يعرف المصدر ما إذا كان رئيس الحكومة أو فريقه، إن كان لديه فريق يتابع هذه التحركات، على علم بها.
لكن هناك مشكلة أخرى. يقول المصدر إن رسائل وصلت إلى مسؤولين أميركيين تحذر من أن ما يجري قد يكون "خطة إيرانية".
ولهذا، يرجح أن تكون فرص نجاح هذه المحاولة محدودة.
فاللوبي، بحسب المصدر، يمكنه أن يشرح الموقف، لكنه لا يستطيع بسهولة تغيير نظرة واشنطن إلى جماعات ترى فيها امتداداً لنفوذ طهران.
واشنطن لا ترى السلاح كما تراه بغداد
بالنسبة إلى مثال الألوسي، النائب السابق، فإن المسألة في واشنطن تجاوزت ملف السلاح.
يقول لـ(المدى) إن الجمهوريين والإدارة الأميركية الحالية يرون أن "الميليشيات، الفصائل، الحشد الشعبي، الإطار التنسيقي قاموا بسرقة الديمقراطية العراقية، قاموا بسرقة التجربة الأميركية الديمقراطية في العراق والإطاحة بها والهيمنة عليها".
ويضيف الألوسي أن عدم الالتزام بنزع السلاح قد يجعل النظام العراقي نفسه هدفاً لإدارة أميركية غاضبة من إيران ومحورها.
المفارقة، بحسب قراءته، أن الفصائل قد تكون أمام خيارين كلاهما مكلف.
إذا نزعت سلاحها، فقد تخسر جزءاً من نفوذها.
وإذا احتفظت به، فقد تصبح هدفاً للضغط الأميركي الذي يمكن أن يهدد النفوذ نفسه.
يقول الألوسي إن هناك "شبه اتفاق"، أو اتفاقاً غير معلن، على توجيه ضربة قاسية إلى الميليشيات سياسياً ومالياً وأمنياً وعسكرياً، بما في ذلك القصف الجوي، إذا استهدفت الأردن أو إسرائيل أو السعودية أو سوريا أو أي دولة أخرى.
الجماعات التي اختفت
لكن غازي فيصل، الدبلوماسي السابق، يذهب إلى أبعد من ذلك.
في قراءته، لا يتعلق الأمر فقط بما يمكن أن تفعله واشنطن بالفصائل، وإنما بمصير جماعات ارتبطت، على مدى سنوات، بالمشروع الإيراني في المنطقة.
يقول لـ(المدى) إن الفصائل المسلحة المتحالفة استراتيجياً مع إيران، أصبحت، وفق الولايات المتحدة وحلفائها، ضمن المواجهة الموسعة.
يقول إن المجتمع الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يربطون بين المواجهة مع إيران وبين الجماعات التي تمثل امتداداً لاستراتيجيتها الإقليمية.
وفي العراق، يرى فيصل مفارقة أخرى.
فالدولة العراقية، في نظره، ليست هي إيران، ولا تمثل بالضرورة مشروع "ولاية الفقيه". كما أن مرجعية النجف، بحسب وصفه، ليست مرجعية للحرب وإنما للسلام، على خلاف ما يراه في مرجعية قم.
لكن المشكلة، كما يقول، أن الأحزاب الإسلامية والفصائل انتهكت الدستور العراقي ومفاهيم الدولة المدنية والديمقراطية.
ويضيف أن بعض هذه الفصائل "تحترم دستور ولاية الفقيه الإيرانية" أكثر من احترامها للدستور العراقي.
وبالنسبة إلى فيصل، ما يحدث في العراق ليس أزمة داخلية منفصلة، وإنما جزء من مواجهة أكبر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى.
حين تفقد إيران السيطرة
وهو يعتقد أن إيران تلقت ضربات كبيرة في غزة ولبنان واليمن، وأنها تواجه صعوبات متزايدة في الحفاظ على نفوذها داخل العراق.
وبالتالي، فإن بقاء الفصائل، في رأيه، مرتبط بمصير النفوذ الإيراني نفسه.
يضرب فيصل أمثلة بجماعات أخرى كانت ذات يوم قوة عابرة للحدود، ثم تراجعت أو اختفت.
يقول إن "القاعدة" لم تعد القوة التي كانت عليها، وإن "داعش" هُزم ولم يعد يمتلك الفاعلية الدولية التي امتلكها في السابق.
ومن هنا تأتي خلاصته الأكثر تشاؤماً بالنسبة إلى الفصائل:
إذا هُزمت إيران بصورة نهائية، فلن يكون هناك، في اعتقاده، وجود للفصائل المسلحة المتحالفة معها.
العناوين الاكثر قراءة








 

العودة إلى محليات