تغيير حجم الخط     

استهداف "قادة الحشد" يتصاعد بعد انسحاب مستشارين أميركيين من بغداد

مشاركة » الأربعاء مارس 25, 2026 12:31 pm

3.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

في لحظة سياسية مشحونة، عاد الصراع داخل "البيت الشيعي" إلى نقطة الصفر، كأن الأشهر الماضية لم تكن سوى دوران في حلقة مغلقة. فـ"الإطار التنسيقي" يحاول مرة أخرى سحب البساط من تحت نوري المالكي، المرشح الوحيد حتى الآن لرئاسة الحكومة، فيما تتصاعد في الكواليس محاولات إعادة طرح محمد شياع السوداني كبديل.
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، تبدو المواقف داخل التحالف الشيعي متضاربة ومنقسمة، في مشهد يعكس عمق الأزمة أكثر مما يوحي بقرب حلها. وبينما تتعثر السياسة، يتصاعد الميدان، حيث شهدت البلاد موجة عنف جديدة بعد استهداف قوات من "الحشد الشعبي" و"البيشمركة"، ما أسفر عن سقوط نحو 60 بين قتيل وجريح، في تصعيد يضغط بقوة على طاولة القرار السياسي.
في هذه الأجواء، تحاول بغداد تقديم موعد إنهاء وجود القوات الأميركية، كجزء من محاولة لاحتواء الفصائل المسلحة التي انخرطت في المواجهة إلى جانب إيران. لكن هذه الخطوة، بدلاً من أن تهدئ المشهد، تبدو وكأنها تضيف طبقة جديدة من التعقيد.
صراع "الإطار"
داخل "الإطار التنسيقي"، تتكثف الاجتماعات. حسن فدعم، القيادي في "تيار الحكمة" بزعامة عمار الحكيم، كشف لـ(المدى) عن اجتماع جديد مساء اليوم (أمس) خُصص لمناقشة أزمة تشكيل الحكومة، إلى جانب التطورات الأمنية المتسارعة، وحسم ملفي رئاسة الجمهورية والحكومة.
لكن بعد 125 يوماً على الانتخابات، لم يعد السؤال: من سيكون رئيس الحكومة؟ بل: هل يستطيع "الإطار" اتخاذ قرار أصلاً؟
المشهد يبدو كصراع مفتوح بين المالكي والسوداني. الأخير كان قد فاجأ حلفاءه قبل شهرين عندما تنازل عن ترشيحه لصالح المالكي، لكن ذلك لم يُنهِ الأزمة، بل أدخل الجميع في ما يشبه "ورطة جماعية"، بحسب قيادي في منظمة بدر بزعامة هادي العامري، الذي يؤكد أن محاولات البحث عن مخرج لم تتوقف منذ ذلك الحين.
خلال الأشهر الماضية، طرق التحالف الشيعي أبواب الداخل والخارج، لكنه فشل في تمرير أي مرشح داخل البرلمان. اليوم، ينقسم "الإطار" بين جناحين: أحدهما يدعم السوداني ويؤكد امتلاكه "الثلثين"، مع انحياز 9 قادة له، والآخر يتمسك بالمالكي بوصفه المرشح الوحيد، ويصف كل ما يجري بأنه "لف ودوران".
المالكي، من جهته، يرفض الانسحاب ما لم يعلن "الإطار" نفسه سحب ترشيحه، فيما ينتظر خصومه أن يبادر هو أولاً. وبين هذا وذاك، تتجسد الأزمة في معادلة عبثية وصفها قياديون شيعة بعبارة: "الدجاجة أولاً أم البيضة؟".
ورغم أن معسكر السوداني حسم موقفه منذ أسابيع، بل وأبلغ واشنطن بذلك، فإن القرار لم يُعلن رسمياً. أسباب هذا التردد تبقى غامضة، لكن مصادر ترجح أن سحب ترشيح المالكي قد يؤدي إلى تفكك التحالف أو إشعال مواجهة داخلية.
وفي خلفية هذا الصراع، يبرز عامل خارجي لا يقل تأثيراً. فبعض التقديرات ترى أن الحديث عن استبدال المالكي قد يكون رسالة سياسية موجهة إلى واشنطن، في محاولة لإظهار مسافة عن الصراع الإقليمي المتصاعد.
المشهد يزداد تعقيداً مع دخول القوى الكردية على الخط. فبينما يطالب "الإطار" رئيس الجمهورية بتكليف مرشح، يرد الأكراد بأن الكرة في ملعب القوى الشيعية، وعليها أولاً الاتفاق على اسم موحد.
ملاحقة قيادات الحشد
ميدانياً، لا يقل الوضع توتراً. محمد شياع السوداني دعا إلى اجتماع طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني، بعد قصف استهدف مقراً للحشد الشعبي في الأنبار، أسفر عن مقتل 15 منتسباً وإصابة آخرين. بيان الحكومة وصف الهجوم بأنه "جريمة غاشمة" ضمن نهج عدواني يستهدف تقويض أمن العراق.
ورجّح قيادي في "منظمة بدر" تصاعد الأوضاع الأمنية في العراق خلال الفترة المقبلة، مشيراً في حديث لـ(المدى) إلى اتساع نطاق العمليات التي تستهدف ملاحقة قادة الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، في ظل التطورات الميدانية الأخيرة.
هيئة الحشد أعلنت بدورها مقتل 14 مقاتلاً، بينهم قائد عمليات الأنبار، فيما كشف هادي العامري عن سقوط 160 بين قتيل وجريح في صفوف الحشد خلال أسبوع واحد.
في المقابل، أعلنت وزارة البيشمركة أن إيران استهدفت قواتها بـ6 صواريخ بالستية، ما أدى إلى مقتل 6 عناصر وإصابة 30 آخرين. ولم تتوقف الضربات عند هذا الحد، إذ طالت غارات مواقع في الموصل، بينها مقر إقامة فالح الفياض.
ورغم حديث سابق عن هدنة بين الفصائل والقوات الأميركية، فإن الوقائع تشير إلى عكس ذلك. الأخطر، أن الفصائل نقلت المواجهة إلى مستوى جديد، مستهدفة جهاز المخابرات في قلب بغداد، وموجهة اتهامات بوجود عناصر أميركية داخله.
ومنذ مطلع آذار، نفذت هذه الجماعات نحو 400 هجوم داخل العراق وخارجه، بعد إعلان انخراطها في الصراع دعماً لإيران، ما يجعل البلاد جزءاً من ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.
تقديم انسحاب القوات الأميركية
في خضم ذلك، أعلن السوداني نيته تقديم موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة واشنطن، معتبراً أن غياب القوات الأجنبية سيسهل تفكيك الفصائل المسلحة.
وكشف في مقابلة مع صحيفة إيطالية عن إحباط عدد كبير من الهجمات ضد القوات الأميركية، متهماً في الوقت ذاته واشنطن وطهران بانتهاك الأجواء العراقية.
وفي غضون ذلك، أعلن عن انسحاب القوات الأميركية من قاعدة فكتوريا قرب مطار بغداد، بحسب أحد الفصائل المسلحة في العراق.
وأكد أبو مهدي الجعفري، الناطق العسكري باسم "سرايا أولياء الدم"، في بيان أن عملية الانسحاب جرت عبر طائرات الشحن والعجلات البرية باتجاه الأردن، في مؤشر على تسارع وتيرة إخلاء المواقع الأميركية داخل العراق.
لكن هذا الانسحاب لم يكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة من الترقب المشحون. الجعفري شدد على أن ما يُعرف بـ"المقاومة" ستبقي يدها على الزناد، وستراقب عن كثب أي محاولة لإعادة نشر أو إدخال قوات إلى القاعدة، محذراً من أن أي تحرك من هذا النوع سيُقابَل باستئناف مباشر للهجمات.
وفي إشارة إلى ترتيبات ما بعد الانسحاب، أوضح أن قاعدة فكتوريا سُلّمت إلى جهاز مكافحة الإرهاب، مع تأكيد واضح على عدم السماح بدخول أي قوات عراقية أخرى إلى داخلها.
هذا التطور يأتي في سياق أوسع من التصعيد والتهدئة المتداخلين، حيث تتقاطع الانسحابات العسكرية مع تهديدات الفصائل، في مشهد يعكس استمرار التوتر رغم محاولات خفضه.
وبين انسحاب يُعلن، وتهديد بالعودة إلى السلاح، حيث باتت تتقاطع ثلاثة مسارات في العراق اليوم بالتعامل مع ملف الجماعات المسلحة: تفاوض حكومي ضعيف، وتصعيد ميداني متسارع، وخيارات أكثر صرامة تلوّح بها بعض دوائر القرار.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات