تغيير حجم الخط     

احتواء الفصائل يفتح باب واشنطن.. ورهان على أموال الخليج

مشاركة » الأحد يونيو 07, 2026 10:31 pm

2.jpg
 
بغداد / تميم الحسن


تتعامل قوى شيعية مع انخراط جزء من الفصائل المسلحة في مسار نزع السلاح بوصفه "رسالة اطمئنان" كافية لواشنطن، تسمح بإعادة تحريك ملفات حكومية ظلت مجمدة خلال الأسابيع الماضية، فيما تراهن بغداد على أن يقود هذا التحول إلى فتح أبواب الاستثمار والدعم المالي الأميركي والخليجي في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة.
وتشير تقديرات سياسية إلى احتمال عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب منتصف الأسبوع الجاري لتمرير جزء مهم من الوزارات المتبقية في الكابينة الحكومية، بعد أشهر من التعثر الذي ربطته أوساط سياسية بما وصفته بـ«الفيتو الأميركي» على مشاركة جهات مرتبطة بفصائل مسلحة في الحكومة الجديدة.
في الوقت نفسه، تتحدث تسريبات عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن خلال شهر تموز المقبل، ستكون الأولى منذ توليه منصبه الشهر الماضي، استجابة لدعوة أميركية سابقة.
ثلاث فصائل على طريق الدمج
وحتى الآن، أعلنت ثلاث جهات مسلحة فقط موافقتها على خطة الدمج وإعادة التنظيم، وسط آمال حكومية بأن تتوسع الدائرة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة لتشمل فصائل أخرى ما زالت مترددة في حسم موقفها.
وترافق هذه الجهود تحذيرات من مسؤولين عراقيين بشأن احتمال فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات بحق الجهات التي ترفض الانخراط في الخطة الجديدة، في وقت ما تزال فيه واشنطن ترفض وصول شخصيات محسوبة على الفصائل المسلحة إلى المناصب الوزارية.
وترى بغداد أن التقدم في ملف السلاح قد ينعكس إيجاباً على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج، خصوصاً في ظل الأزمة المالية التي دفعت الحكومة إلى اللجوء إلى طباعة تريليونات الدنانير لسد العجز.
وبحسب معلومات حصلت عليها «المدى»، فإن قرار رئيس الوزراء اصطحاب رجال أعمال في زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة يعكس رهانات حكومية على جذب استثمارات جديدة وتأمين دعم اقتصادي بعد تهدئة ملف الفصائل المسلحة.
وقال الزيدي، خلال لقائه، السبت الماضي في بغداد، عدداً من رجال الأعمال والمصرفيين، إن الحكومة تستعد لزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أنها ستضم رجال أعمال بهدف توسيع فرص الاستثمار والشراكات الاقتصادية بين البلدين.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أجرى في 30 نيسان الماضي اتصالاً هاتفياً مع الزيدي، هنأه خلاله بتوليه منصبه، ووجّه إليه دعوة رسمية لزيارة واشنطن.
أزمة مالية وضغوط اقتصادية
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً مالية متزايدة.
وكان وزير الخارجية فؤاد حسين قد كشف أن العراق اضطر إلى طباعة 25 تريليون دينار لمواجهة الأزمة المالية الحالية.
وقال حسين إن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيضع العراق أمام صعوبات كبيرة في تأمين رواتب الموظفين خلال الأشهر المقبلة، موضحاً أن الكتلة النقدية ارتفعت من 100 إلى 125 تريليون دينار نتيجة اللجوء إلى طباعة الأموال.
وحذر الوزير، في مقابلة تلفزيونية، من أن هذه السياسة ترفع معدلات التضخم وتفاقم التحديات الاقتصادية، مشدداً على أن العراق بحاجة إلى الانفتاح على الدول الخليجية والغربية للحصول على المساعدات والدعم الاقتصادي.
ما بعد السلاح.. ملاحقة التمويل
وفي السياق نفسه، قال المستشار الحكومي السابق عبد الأمير تعيبان إن المرحلة التالية بعد حسم ملف السلاح قد تشهد برنامجاً يستهدف الشركات واللجان الاقتصادية المرتبطة بالجهات التي تموّل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والحوثيين.
وأضاف أن الإطار التنسيقي يواجه مسؤولية تاريخية وأخلاقية إذا استمرت كتائب حزب الله وحركة النجباء في رفض تسليم السلاح والانخراط في المسار الجديد.
وتأمل بغداد أن يساهم مشروع دمج الفصائل في إعادة الدفء إلى العلاقات العراقية – الأميركية، بعد سنوات من التوتر بسبب نشاط الجماعات المسلحة التي استهدفت المصالح الأميركية داخل العراق.
وقد أعلنت «سرايا السلام» التابعة للتيار الصدري تخليها عن السلاح، فيما تقترب كل من "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" من اتخاذ خطوات مماثلة، بحسب بيانات رسمية.
وتتوقع الأوساط السياسية أن يتسع نطاق المنخرطين في الخطة ليشمل ما بين 7 و8 فصائل من أصل عشرة كانت تتحرك خلال السنوات الماضية تحت عنوان «المقاومة الإسلامية العراقية».
واشنطن: لا مكان للفصائل في الحكومة
لكن هذا المسار لا يلغي المخاوف من استمرار الضغوط الأميركية.
فقد حذر فؤاد حسين، في المقابلة الأخيرة، من أن واشنطن قد تتخذ مواقف أكثر تشدداً إذا لم يتم حسم ملف الفصائل بالكامل.
وسبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على شخصيات وقيادات مرتبطة بفصائل مسلحة، من بينها حركة عصائب أهل الحق، كما نفذت عمليات استهداف ضد قادة ميدانيين في مناطق مختلفة من العراق.
في المقابل، يؤكد قيس المحمداوي، رئيس لجنة فك الارتباط وحصر السلاح بيد الدولة، أن المشروع يقتصر على الفصائل المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، نافياً وجود أي توجه لدمج جماعات مسلحة من خارج الهيئة.
وبحسب مصادر سياسية، فإن أطرافاً داخل الإطار التنسيقي أبلغت الفصائل الرافضة بأنها قد تتحمل منفردة تبعات البقاء خارج المسار الجديد، بما في ذلك احتمالات التعرض لعقوبات أو استهدافات أميركية.
وكانت "حركة النجباء" قد أعلنت رفضها الانضمام إلى مشروع التسليم، فيما أكدت كتائب حزب الله أنها «لن تسلم ولو طلقة واحدة»، معتبرة أن جبهة المقاومة ما تزال قائمة وقادرة على الاستمرار.
وذهبت الكتائب أبعد من ذلك عندما أعلنت استعدادها لشراء أسلحة الفصائل التي تقرر تسليم سلاحها للدولة، في خطوة فُسرت على أنها رسالة تحدٍ للمسار الجاري.
«كسب وقت» أم تسوية حقيقية؟
ويرى نائب سابق ومحللون أن آليات تسليم السلاح ما تزال غامضة، وأن ما يجري قد يكون محاولة لكسب الوقت أمام الولايات المتحدة أكثر من كونه مشروعاً حقيقياً للحل.
وقال النائب السابق سجاد سالم في تصريحات صحفية، إن آليات تسليم السلاح "ما تزال غامضة"، سواء من حيث حجم الأسلحة المستهدفة أو مصير القوى المسلحة بعد الدمج.
واعتبر، في تصريحات صحفية، أن ما يجري يبدو أقرب إلى كسب الوقت أمام الضغوط الأميركية.
وحذر سالم من أن بعض الفصائل تواجه تهديداً لمصالحها الاقتصادية واستثماراتها الخارجية التي قد تتعرض للملاحقة أو المصادرة.
وكان الباحث في الشأن السياسي أحمد الياسري قال لـ(المدى) إن ما يجري لا يرقى إلى «تفكيك حقيقي» للفصائل بل إلى «إدارة أزمة» عبر احتواء مؤقت يقوده رئيس الوزراء علي الزيدي لتفادي انعكاساته على العلاقة بين بغداد وواشنطن.
وأشار إلى أن الفصائل باتت فاعلاً مزدوج التأثير داخلياً وإقليمياً، ما يجعل التعامل معها معقداً، مقترحاً تقسيمها إلى فصائل يمكن احتواؤها عبر الامتيازات وأخرى بلا غطاء سياسي وهي الأكثر قابلية للتصعيد.
واعتبر أن «نزع السلاح الكامل» غير واقعي حالياً، مقابل ترجيح خيار «إدارة التوازنات»، فيما تتحرك الحكومة والحشد لإعادة ضبط الارتباط بين المؤسسة العسكرية والأطر الحزبية عبر لجان رسمية وقرارات ديوانية، بهدف إنهاء التسييس وضبط السلاح ضمن الدولة.
وأكد أن الإطار التنسيقي يحاول توظيف مبادرات سياسية، بينها مبادرة الصدر ذات الرمزية الدينية في النجف، كغطاء لتسهيل احتواء الفصائل. وخلص إلى أن هذه السياسة قد تؤجل الأزمة أو تحتويها، دون أن تقدم حلاً نهائياً لمشكلة السلاح خارج إطار الدولة.
الكابينة المؤجلة
وكانت واشنطن قد ركزت خلال الأشهر الماضية على ملف الفصائل المتهمة باستهداف مصالحها وقواعدها العسكرية داخل العراق، الأمر الذي انعكس على مسار تشكيل الحكومة.
ويقول خالد وليد، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية، إن تأجيل بعض الوزارات لا يرتبط فقط بحصة كتلة «صادقون» التابعة للعصائب، بل يعود أيضاً إلى تعقيدات سياسية وتنافسات داخلية بين القوى المختلفة.
وأضاف لـ(المدى) أن تيار الحكمة أرجأ المطالبة باستحقاقه في وزارة الشباب والرياضة "تضامناً مع قوى أخرى لم تحصل على حقائب وزارية"، متوقعاً عقد جلسة استثنائية خلال الأيام المقبلة قد تمرر أكثر من نصف الوزارات المؤجلة، مع إمكانية ترحيل عدد محدود منها إلى مرحلة لاحقة.
وأشار إلى أن التراجع النسبي في حدة الخطاب السياسي داخل الإطار التنسيقي والجدل المرتبط بملف السلاح ساهم في تهيئة الأجواء لاستكمال المفاوضات الحكومية.
وكان البرلمان قد مرر الشهر الماضي 14 وزارة وأجّل 9 أخرى، دون أن تنجح أي جهة ذات ارتباط بفصائل مسلحة في الحصول على حقيبة وزارية، كما أخفق ائتلاف نوري المالكي في تمرير مرشحيه ضمن التشكيلة الحكومية.
وفي وقت سابق أعلن رئيس "تيار الحكمة" عمار الحكيم أن القوى السياسية تجري مشاورات مكثفة لحسم المقاعد المتبقية عبر جلسة طارئة لمجلس النواب قبل انتهاء العطلة التشريعية.
في المقابل، كشف القيادي في ائتلاف السوداني عدنان الدنبوس عن وصول تبليغ رسمي من واشنطن يفيد بعدم رغبة الإدارة الأميركية في مشاركة أي وزير محسوب على الفصائل المسلحة أو الحشد أو «المقاومة» في حكومة علي الزيدي، حتى في حال حل تلك الفصائل أو إعلان تخليها عن السلاح.
لكن النائب عن الاتحاد الوطني الكردستاني هريم كمال آغا رجّح أن يتم استكمال الكابينة الحكومية بعد انتهاء العطلة التشريعية مطلع تموز المقبل.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات