بغداد/ تميم الحسن
وصل المبعوث الأميركي توم باراك إلى بغداد حاملاً ما يشبه خريطة طريق للعلاقة المقبلة بين واشنطن والعراق، لكن الخريطة لم تخلُ من التحذيرات. فالرجل لوح، بحسب مصادر سياسية متقاطعة، بـ«خيارات غير محدودة» إذا أخفقت بغداد في تنفيذ التزامات تتعلق بنزع سلاح الفصائل، وقطع مصادر تمويلها، وإعادة هيكلة شبكات النفوذ المالي المرتبطة بها.
وتقول المصادر إن قائمة الشروط الأميركية لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى ملفات مصرفية واقتصادية وشخصيات جدلية، وضعت جميعها ضمن مسار يوصف بأنه مشروع "تفكيك" أو "منع" لمنظومات النفوذ التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
غير أن مهمة باراك لا تبدو مفروشة بالورود. فمحللون يرجحون أن تواجه الخطة الأميركية اعتراضات من بعض الفصائل المسلحة، وربما من طهران أيضاً، انطلاقاً من حسابات إقليمية تتجاوز الساحة العراقية.
زيارة تموز وما قبلها
والتقى باراك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق، رئيس الوزراء علي الزيدي في بغداد أمس.
وكشفت بغداد، في بيان صدر عقب اللقاء، أن البيت الأبيض ينتظر زيارة الزيدي المرتقبة في منتصف تموز المقبل؛ لمناقشة مستقبل العلاقات الثنائية وآفاق الشراكة بين البلدين.
وبحسب مصادر سياسية تحدثت لـ"المدى"، فإن باراك لم يحطّ في بغداد إلا بعد تلقي واشنطن إشارات أولية إيجابية بشأن مطالب سبق أن نُقلت إلى الحكومة العراقية، تتعلق بملفات السلاح والنفوذ والاقتصاد. ووصفت المصادر الزيارة بأنها "مفصلية" في مسار العلاقات العراقية-الأميركية، معتبرة أنها أسست لصفحة جديدة تختلف في طبيعتها وأهدافها عن المرحلة التي أعقبت عام 2003، وتفتح الباب أمام شراكة تقوم على شروط واضحة والتزامات متبادلة، بدلاً من الصيغة التي حكمت العلاقة بين البلدين خلال العقدين الماضيين.
وتتمثل أبرز هذه المطالب، وفق المصادر، في نزع سلاح جميع الفصائل المسلحة "من دون استثناء"، ومنع مشاركتها في الحكومة، إلى جانب استكمال دمج هيئة الحشد الشعبي داخل المؤسسات الأمنية الرسمية، بعد إبعاد القيادات المرتبطة بالفصائل المسلحة. وتؤكد التسريبات أن هذا الملف لا يزال محل نقاش بين الطرفين، ولم يُحسم بصورة نهائية.
المصارف والفساد
ولا تتوقف الشروط الأميركية عند ملف السلاح، بل تشمل إغلاق أكثر من 10 مصارف متهمة بتهريب الدولار والتورط في عمليات غسل أموال، فضلاً عن إعادة هيكلة مؤسسات مالية أخرى.
كما تتضمن بنوداً تتعلق بتوسيع إجراءات ما بات يعرف بـ"صيد حيتان الفساد"، مقابل فتح الباب أمام استثمارات أميركية وخليجية واسعة النطاق في العراق.
وتشير المصادر إلى أن واشنطن تربط بين نجاح هذه الإجراءات وبين تدفق الاستثمارات الكبرى التي تحتاجها بغداد في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والخدمات.
أما في حال تعثر تنفيذ تلك الشروط، فإن باراك، بحسب المصادر ذاتها، أبلغ المسؤولين العراقيين بأن "الخيارات مفتوحة"، وأن الولايات المتحدة ستتصرف بما تراه منسجماً مع مصالحها.
السلاح بيد الدولة
وأكد الزيدي وباراك، خلال اجتماعهما الأخير، أهمية إقامة شراكة أميركية-عراقية قوية ومتبادلة المنفعة.
وبحث الجانبان، وفق البيان الرسمي، الرؤية المشتركة للحكومة العراقية لبناء مستقبل "أكثر إشراقاً وخالٍ من الإرهاب"، وتنفيذ الخطط الرامية إلى النزع الكامل للسلاح، وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة العراقية، وحصر السلاح بيد الدولة وفرض السيادة الكاملة.
كما شددا على ضرورة إبعاد العراق عن الصراعات الإقليمية، ومنع استخدام أراضيه من أي طرف لتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، مؤكدين الحاجة الملحة إلى إنجاز هذه الجهود بصورة كاملة.
الاقتصاد والطاقة
وجدد رئيس الوزراء التزام العراق بتعميق العلاقات التجارية والاستثمارية مع الولايات المتحدة، وهو ما رحب به باراك باعتباره نهجاً مشتركاً بين الطرفين.
وأشاد الجانبان بقرار العراق استكمال منح الرخصة التشغيلية لشركة ستارلينك لتوفير خدمات الإنترنت، وإطلاق المفاوضات مع شركة شيفرون لتطوير حقلي غرب القرنة-2 والناصرية النفطيين.
كما جرى التأكيد على تمكين شركات أميركية من استئناف أعمالها مع توفير الضمانات الأمنية الكاملة، والمضي في مذكرة التفاهم مع شركة لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس بوصفه ممراً استراتيجياً لتصدير النفط.
وأكد الطرفان كذلك توسيع التعاون في ملف الكهرباء، بما في ذلك مشروع شركة لإنشاء محطة عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في خور الزبير.
لماذا يقترب العراق من واشنطن؟
يرى إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، أن التقارب الجديد بين بغداد وواشنطن تقف وراءه جملة عوامل متداخلة.
ويقول إن الحرب الأخيرة وما رافقها من انحسار للدور الإيراني أتاحا للعراق مساحة أوسع للحركة، وأسهما في تهيئة الظروف لعودة الشراكة مع الولايات المتحدة.
ويضيف لـ(المدى) أن وجود رئيس وزراء خارج المنظومة السياسية التقليدية التي تعاملت مع واشنطن في السابق شجع الإدارة الأميركية على الانفتاح بصورة أكبر على بغداد.
ويشير الشمري إلى أن الحكومة الحالية تبدي رغبة واضحة في ترميم العلاقة مع الولايات المتحدة بعد أن وصلت، بحسب وصفه، إلى مستوى قريب من القطيعة خلال حكومة محمد شياع السوداني.
ويتابع أن واشنطن تنظر إلى العراق بوصفه جزءاً من استراتيجيتها الإقليمية الجديدة، إلى جانب سوريا وتركيا، باعتبار هذه الدول تشكل نقاط ارتكاز لمشروع الاستقرار في الشرق الأوسط.
كما يلفت إلى وجود تقارب في الرؤى الاقتصادية بين إدارة ترامب والحكومة العراقية الحالية، فضلاً عن وجود التزام أميركي بدعم حكومة الزيدي وإنجاحها، الأمر الذي يمنح الأخيرة سنداً خارجياً مهماً.
ويؤكد الشمري أن هناك أيضاً توافقاً واضحاً بشأن قضايا حصر السلاح وإنهاء المنظومة الاقتصادية والعسكرية والسياسية المرتبطة بالفصائل المسلحة، وهو ما شكل أحد أبرز دوافع التقارب بين الجانبين.
3 ملفات فتحت دفعة واحدة
وكان باراك قد وصل إلى بغداد الاثنين الماضي، بعد أيام من إطلاق حكومة الزيدي، بدعم أميركي ومساندة من قوى الإطار الشيعي، 3 ملفات مترابطة في وقت واحد: حصر السلاح بيد الدولة، وملاحقة شبكات النفوذ والمال المرتبطة بالفصائل، وإطلاق إصلاحات اقتصادية واسعة.
ويقول خالد وليد، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يتزعمه محمد شياع السوداني، إن البلاد تقف على أعتاب مرحلة من التغييرات الكبيرة والضغوط المتزايدة.
وأضاف لـ"المدى" أن الرسائل الأميركية لن تتوقف، وأن سياسة الضغط ستستمر في العديد من الملفات، ما يتطلب من القوى السياسية قدراً أكبر من التماسك والإدراك لطبيعة المرحلة المقبلة.
الزيدي يبحث عن ظهير سياسي
في موازاة ذلك، يتحرك رئيس الوزراء لتأمين دعم سياسي وبرلماني لمشروعه الإصلاحي، إذ كشف عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، عن مساعٍ لتشكيل ما وصفه بـ"التحالف الطولي" الذي يضم قوى شيعية وسنية وكردية.
ويرى مراقبون أن الزيدي يدرك أن معركة السلاح والمال والنفوذ لا يمكن خوضها بالغطاء الحكومي وحده، وأن نجاحها يتطلب مظلة سياسية أوسع داخل البرلمان.
وبحسب مثال الآلوسي، السياسي والنائب السابق، فإن الولايات المتحدة وضعت ثقلها خلف حكومة الزيدي، ولن تسمح لإيران بإفشالها أو للفصائل المسلحة بفرض إرادتها كما حدث مع حكومات سابقة.
وأكد لـ(المدى) أن واشنطن ومكتب باراك بدآ فعلياً بوضع خطط لدعم الحكومة العراقية والاقتصاد وقطاع الكهرباء، لكنها تنتظر "دليلاً بعد دليل" على ابتعاد بغداد عن النفوذ الإيراني واقترابها من نموذج الدولة المؤسساتية.
ويُفترض أن الزيدي محكومٌ بشرط فرضه "الإطار التنسيقي"، قبل تولي الأخير السلطة، يتمثل بمنعه من تشكيل كتلة نيابية أو تيار سياسي خاص به.
باراك وخبرة الملف العراقي
ويشير إحسان الشمري إلى أن توم باراك ليس بعيداً عن تفاصيل الملف العراقي، بل يمتلك خبرة متراكمة في التعامل معه.
ويقول إن باراك سبق أن لعب دوراً مؤثراً في رسم شكل الحكومة العراقية من خلال دعم علي الزيدي وإبعاد نوري المالكي، كما كان حاضراً في إدارة جوانب من الأزمة الكردية، ما يمنحه فهماً عميقاً لتعقيدات المشهد العراقي.
ويضيف أن ما يجري اليوم يتجاوز حدود النقاش السياسي التقليدي، إذ يعكس قراراً أميركياً واضحاً يحظى بدعم مباشر من الرئيس ترامب ووزارة الخارجية الأميركية.
ويرى الشمري أن وجود تفاهمات إقليمية قد تقود إلى اتفاق سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يخفف العقبات أمام مهمة باراك، لكنه يستبعد في الوقت نفسه أن تستجيب جميع الفصائل بسهولة من دون الحصول على ضمانات سياسية وأمنية.
ويؤكد أن مستقبل العملية يبقى مرهوناً بطبيعة الخريطة التي ستُطرح لتفكيك المنظومة المسلحة، وبالتوقيتات والضمانات المرافقة لها، فضلاً عن احتمال لجوء إيران إلى سياسات قد تعرقل هذه العملية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
الفصائل بين القبول والتحفظ
في المقابل، أعلنت فصائل من بينها "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" استعدادها لنزع السلاح، مؤكدة أن الفكرة مطروحة منذ عام 2017، لكنها أصبحت أكثر واقعية في الظروف الحالية.
وقال النائب كاظم الشمري، عن تحالف خدمات الذي يقوده شبل الزيدي، إن هناك "استجابة صادقة" من فصائل بارزة، بينها سرايا السلام والعصائب وكتائب الإمام علي، للانخراط في العمل السياسي وتسليم السلاح للدولة.
وأضاف في مقابلة تلفزيونية أن الجانب الإيراني لا يعارض هذه الخطوة علناً، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ملف تسليم السلاح معقد، ولا يمكن إنجازه خلال يوم أو يومين.