بغداد/ تميم الحسن
تراجعت بغداد رسمياً عن التعامل مع 30 أيلول بوصفه موعداً نهائياً لنزع سلاح، في حين يرجح ان تتحول الفصائل إلى إدارة الصراعات الداخلية.
وعلى مايبدو نجحت ضغوط طهران، بحسب مصادر مطلعة، في «تمييع» الموعد، فيما لم تتوقف حركة المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد منذ نحو أسبوعين.
وتقول المصادر، القريبة من الحكومة لـ(المدى)، إن طهران كانت أكثر مرونة في التعامل مع ملف «نزع السلاح» حتى بعد عودة رئيس الوزراء علي الزيدي من لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تموز الماضي.
«لكن التغير حدث بعد تعثر المفاوضات بين طهران وواشنطن ما دفع الإيرانيين إلى التشبث مجدداً بسلاح الفصائل». وفق ماتقوله المصادر.
وتزامن ذلك مع فرض واشنطن، الاثنين الماضي، واحدة من أشد حزم العقوبات الاقتصادية على إيران، شملت 60 كياناً وشخصاً وسفينة.
وقال المستشار الأمني لرئيس مجلس الوزراء، قاسم الأعرجي، إن 30 أيلول هو موعد خروج التحالف الدولي ونقطة الشروع بحصر السلاح بيد الدولة، في تغيير واضح عن الصيغة التي جرى تداولها خلال الأسبوعين الماضيين، والتي تحدثت عن موعد نهائي لنزع سلاح الفصائل.
أسبوعان ساخنان
وتؤكد المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، أن زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد لم تنقطع خلال الأسبوعين الأخيرين، في توقيت كانت فيه الحكومة تلمح إلى احتمال «الصدام» مع الجبهة الرافضة لنزع السلاح.
وبالتزامن، ارتفعت تحذيرات الزعامات الشيعية من انزلاق الخلاف إلى صدام شيعي- شيعي، فيما أخذت بغداد تتراجع عن خيار الحسم بالقوة، كما فهم من تلميحاتها السابقة، لمصلحة الحوار.
وتشكلت لجنة من الإطار التنسيقي للتفاوض مع الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها.
وفي المقابل، طرحت طهران، بحسب تسريبات، مخرجاً وسطاً يقوم على نقل السلاح الثقيل إلى إيران، أو إيداعه في مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي.
ويبدو الخيار الثاني الأقرب إلى التطبيق، على أن يجري التنفيذ في موعد لم يحدد بعد.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما نقلته مصادر عن زيارة محمد باقر قاليباف إلى بغداد، إذ طُرحت أفكار تتعلق بإبقاء السلاح لدى الفصائل أو إيداعه لدى الحشد الشعبي بدلاً من تسليمه إلى الحكومة.
وفي غضون أسبوعين، شهدت بغداد زيارتين لافتتين: الأولى لقائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني، والثانية لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، لكن المفاجأة لم تكن في الزيارات وحدها.
ممثل خامنئي في قلب الاجتماع
وللمرة الأولى، كشف الإطار التنسيقي علناً عن حضور ممثل للمرشد الإيراني في أحد اجتماعاته، وظهر في صورة نشرها التحالف الشيعي.
وجاء في بيان للإطار أن «قادة الإطار التنسيقي في بغداد استقبلوا آية الله محسن قمي، الممثل الخاص لقائد الثورة الإسلامية، والوفد رفيع المستوى من مجلس خبراء القيادة».
وأضاف البيان أن اللقاء، الذي عقد في مكتب همام حمودي وبمشاركة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بحث «عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك».
ولفت البيان إلى أن الاجتماع حضره عمار الحكيم، ونوري المالكي، وقيس الخزعلي، وعدنان فيحان، وعامر الفايز، ومحسن المندلاوي، وهادي العامري، إلى جانب عدد من القيادات السياسية العراقية.
ويقول نائب سابق، تحدث لـ(المدى)، إن أكثر من اجتماع للتحالف الشيعي كان يحضره مسؤولون إيرانيون، «لكن لا يظهرون في الصور». لكن هذه المرة، كان المشهد مختلفاً.
أبو آلاء يظهر!
وكان الاجتماع، بحسب توصيف المصادر، من أغرب اجتماعات الإطار التنسيقي، ومن أكثرها إثارة للمفاجآت، حتى اعتبرته المصادر «نصراً لمحور طهران والفصائل».
ظهر أبو آلاء الولائي، زعيم حركة «سيد الشهداء» والمطلوب للولايات المتحدة، علناً للمرة الأولى في اجتماعات من هذا النوع، بعدما كان تجنب تصويره ينظر إليه باعتباره وسيلة لعدم استفزاز واشنطن.
كما يعتقد أن شبل الزيدي، زعيم «كتائب الإمام علي»، حضر الاجتماع، رغم عدم ظهوره في الصور نشرت عن الإجتماع في منزل حمودي، وذلك بعد إعلانه نزع سلاح فصيله وإنضمامه إلى التحالف الشيعي.
وقبل الاجتماع، كانت قيادات من حركة «النجباء»، الرافضة لنزع السلاح، قد أجرت جولة من اللقاءات مع محمد السوداني، وعمار الحكيم، وقيس الخزعلي.
إخوة اليعقوبي!
وفي توقيت شديد الحساسية، نفى جهاز مكافحة الإرهاب، قبل اجتماع الإطار، اعتقال مجموعة تابعة للحشد الشعبي، في ثاني حادث من هذا النوع بعد قضية عباس اليعقوبي.
لاحقاً، أعلن المتحدث باسم الحشد، مهند العقابي، أنه تمت «تسوية الالتباس الحاصل بشأن اعتقال الإخوة في الحشد، وتسليم الموقوفين إلى أبطال أمن الحشد الشعبي، لمتابعة ملفهم مع قضائنا العادل».
وكان الزيدي قد اضطر إلى تسليم عباس اليعقوبي، وهو موظف مزدوج في الحشد و»النجباء»، إلى الهيئة بعد ساعات من اعتقاله في جنوب الناصرية، قبل أن يفرج عنه القضاء وتسقط عنه الاتهامات التي لم تعرف تفاصيلها حتى الآن.
الزيدي أمام اختبار ترامب
ورغم كل ما يدور حول ملف السلاح، يقول مؤسس حزب الأمة، مثال الآلوسي، إن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يغير موقفه من نزع سلاح الفصائل. ويستند الآلوسي في ذلك إلى حديث نقله له مسؤول أميركي رفيع التقى الزيدي خلال مرحلة تشكيل الحكومة الأخيرة.
يقول الآلوسي لـ(المدى) إن المسؤول الأميركي أبلغه بأنه اجتمع مع الزيدي وبحث معه ملفي الفساد و»السلاح المنفلت». وأضاف أن هذا المسؤول «لا يتحدث بلغة الرومانسيات أو اللغة النثرية الشعرية»، وأنه نقل إلى حكومته وإدارته، وإلى الدولة الأميركية، أن لدى الزيدي «إرادات جدبة» للمضي في ملفي مكافحة الفساد ونزع السلاح.
ويضيف الآلوسي: «بمعنى آخر: إذا فشل الزيدي في محاربة الفساد ونزع السلاح هذا يعني أن حكومته ستواجه مشاكل مباشرة مع الإدارة الأمريكية».
ولا يكتفي الآلوسي بنقل ما سمعه من المسؤول الأميركي. فهو يقول إن رسائل أخرى تأتي من داخل الولايات المتحدة، وتحمل تحذيراً من أن التراجع عن وعد حصر السلاح قد يحول الملف العراقي إلى اختبار لصبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب مسؤول أميركي آخر نقله الآلوسي، فإن الرسالة أكثر صراحة: «من الخطأ اختبار صبر ترامب، ولا تجبروه أن يتعامل معكم بصيغة الندية».
وكان محللون أشاروا في وقت سابق لـ(المدى) إلى أن هامش المناورة أمام الحكومة والتحالف الشيعي يضيق، وأن الخيارات الأقل كلفة قد تكون تسوية مع واشنطن، أو الذهاب إلى استقالة الحكومة لكسب مزيد من الوقت.
«أزمة المنظومة الشيعية الحاكمة»
لكن قصة السلاح، في نظر سياسيين آخرين، لا تنتهي عند 30 أيلول.
ويرى أثيل النجيفي، القيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية، أن بقاء الفصائل "أمر داخلي عراقي". ووفق تقديره، فإن واشنطن تنتظر من الحكومة العراقية أن تحسم هذا الملف بنفسها، ثم تقدم النتيجة النهائية إلى الولايات المتحدة، لتقرر الأخيرة، على أساسها، شكل سياستها تجاه العراق.
لكن النجيفي يضع يده على طبقة أعمق من الأزمة. يقول لـ(المدى) إن الصيغة التي ستستقر عليها الفصائل ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي في جوهرها "أزمة المنظومة الشيعية الحاكمة"، وعليها أن تجد مخرجاً لها.
والخطر، في تقديره، لا يكمن فقط في بقاء السلاح، بل في أن يتغير شكله ووظيفته.
يقول النجيفي: "في تقديري الشخصي فإن الخطورة التي أخشاها وأتوقعها في نفس الوقت أن بعض هذه الفصائل ستتحول إلى منظومات (سرية) من الناحية الرسمية و(معروفة) في الداخل العراقي، وتركز على ملفات داخلية، وبالتالي لا تهتم الدول الأخرى بما يحدث داخلياً في العراق طالما أن الضرر لا يصل إلى الدول الأخرى"