تغيير حجم الخط :     

في غرفة ترامب.. كلام للزيدي وحده و"الإطار" يريد أن يسمع!

مشاركة » الأحد سبتمبر 27, 2026 1:37 pm

7.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


في صباح عودته إلى بغداد، لم يحمل علي الزيدي معه فقط حصيلة أسبوع أمضاه في نيويورك بين اجتماعات الأمم المتحدة واللقاءات السياسية. كان يحمل أيضاً سؤالاً ظل يدور في مكاتب القوى الشيعية منذ أن جلس منفرداً تقريباً أمام دونالد ترامب.
ما قيل في تلك الغرفة لم يسمعه مسؤول عراقي آخر من الوفد.
كان إلى جانب الرئيس الأميركي وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بينما جلس رئيس الوزراء في لقاء أثار انتباه حلفائه قبل خصومه.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الأسئلة في أروقة "الإطار التنسيقي": ماذا سمع الزيدي؟ وماذا وعد؟ وما الذي حصل عليه مقابل الاستمرار في خطة التعامل مع سلاح الفصائل؟
لم تكن الإجابات متاحة داخل بغداد، لكن تصريحات روبيو بعد ذلك اللقاء فتحت نافذة صغيرة على ما جرى.
تحدث وزير الخارجية الأميركي عن احتمال "بلقنة العراق" إذا فشلت عملية تفكيك الفصائل المسلحة، وهي عبارة بدت في بغداد أثقل من مجرد تحذير دبلوماسي.
وفي الوقت نفسه، قال روبيو إن ترامب وواشنطن لم يناقشا مع الزيدي المهلة الجديدة التي وضعتها بغداد لدمج سلاح الفصائل، والتي جرى الحديث عن تمديدها 9 أشهر.
الغرفة المغلقة
داخل "الإطار التنسيقي" كان لقاء ترامب والزيدي هو الموضوع الأبرز.
وبحسب معلومات حصلت عليها (المدى)، فإن التحالف الشيعي قد يخصص جلسة لإطلاع قياداته على تفاصيل الزيارة وما دار خلالها.
ويقول عضو في الإطار إن القوى الشيعية تريد معرفة ما جرى في اللقاء، خصوصاً أن أي عضو آخر من الوفد العراقي لم يكن حاضراً فيه.
وتقول بعض القراءات داخل هذه الأوساط إن الزيدي ربما كان حريصاً على إبقاء تفاصيل الحديث مع الإدارة الأميركية بعيداً عن بقية الوفد، خشية تسرب ما دار في الغرفة إلى القوى والفصائل التي تعارض خطته بشأن السلاح.
لكن هناك قراءة أخرى للقاء، فالمسألة، كما يراها الباحث والأكاديمي عقيل عباس في حديث لـ(المدى)، لم تكن نجاحاً كاملاً ولا فشلاً كاملاً.
الزيدي، بحسب عباس، حقق شيئاً لنفسه كرئيس للحكومة: "ضمان استمرار الدعم الأميركي، ودفع ملف تفكيك الفصائل إلى 6 أو 9 أشهر مقبلة، بما يمنحه وقتاً إضافياً لترتيب الوضع الداخلي".
لكن هذا الوقت ليس مفتوحاً بلا شروط، فالولايات المتحدة، وفق قراءة عباس، تريد من رئيس الحكومة أن يثبت أن لديه القدرة والاستعداد لاتخاذ خطوات جدية في ملف الفصائل.
"اختباره الحقيقي هو هنا"، يقول عباس، مشيراً إلى أن المطلوب ليس بالضرورة حل مشكلة الفصائل بالكامل، وإنما تحقيق "تقدم جدي حقيقي" فيها.
لا شلل للرواتب.. لكن العقوبات تبقى
أحد المكاسب الأخرى التي يرى عباس أن الزيدي حصل عليها يتعلق بالضغط المالي الأميركي.
فخلال الأشهر المقبلة، لا يتوقع عباس أن تستخدم واشنطن أدوات مالية تؤدي إلى شل قدرة الحكومة على دفع الرواتب، لكنه يرى أن ذلك لا يعني غياب العقوبات.
يمكن للولايات المتحدة، بحسب هذه القراءة، استهداف شخصيات وجهات ومؤسسات مرتبطة بإيران وقريبة من الفصائل، بما يؤدي إلى إضعاف خصوم الزيدي وترك مساحة أكبر أمام الحكومة للتحرك.
وهنا يصبح الدعم الأميركي مشروطاً بالنتائج، فالولايات المتحدة، وفق عباس، تبحث عن حليف في العراق، والزيدي يشغل هذه المساحة حالياً، لكنه يحتاج إلى إثبات أنه قادر على استخدام الدعم الأميركي في ملف السلاح.
أما الملفات الاقتصادية والاتفاقيات الأخرى التي رافقت الزيارة، فيرى عباس أنها لم تكن جوهر اللقاء.
القصة الأساسية، في تقديره، كانت الفصائل المسلحة، وعلاقة العراق بإيران، وما إذا كانت الحكومة قادرة على إعادة صياغة هذه العلاقة على أساس "التوازن والمصالح المتبادلة"، بدلاً من الهيمنة الإيرانية على العراق.
روبيو وعبارة "بلقنة العراق"
في بغداد، لم تمر عبارة روبيو عن "بلقنة العراق" مروراً عادياً.
فهي جاءت في وقت يحاول فيه الزيدي تسويق خطة للتعامل مع سلاح الفصائل، وفي وقت ما تزال فيه القوى الشيعية منقسمة حول حدود ما يمكن أن تقدمه الحكومة للولايات المتحدة.
وفي المقابل، فإن تصريحات روبيو حول عدم مناقشة المهلة الجديدة مع الزيدي زادت الغموض بدلاً من أن تنهيه.
إذا كانت واشنطن لم توافق على الموعد الجديد، فما الذي جرى الاتفاق عليه؟
وإذا كان الزيدي قد حصل على دعم للاستمرار، فما حدود هذا الدعم؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة أكثر من أي بيان صدر في نيويورك.
ويقرأ الباحث في الشأن العراقي - الأميركي كاتو سعدالله زيارة الزيدي من زاوية مختلفة.
فالزيارة، في رأيه وفق ما قاله لـ(المدى)، لا يمكن اختزالها بلقاء ترامب وحده. اجتماعات الأمم المتحدة تتيح لرئيس الحكومة لقاء قادة دول المنطقة والعالم، لكن اللقاءين مع روبيو وترامب يظلان الأكثر أهمية بالنسبة للملف العراقي.
ويقول سعدالله إن الزيدي لديه بالتأكيد دعم من إدارة ترامب، لكنه لا يعرف ما إذا كان اللقاء تضمن نقاشاً تفصيلياً لخطة نزع سلاح الفصائل.
الأرجح، بحسبه، أن الزيدي شرح لروبيو وترامب خطته والصعوبات التي تواجه تنفيذ التعهدات التي سبق أن حدد لها مواعيد.
المشكلة ليست عراقية فقط
لكن هناك عاملاً أوسع من ملف الفصائل كان حاضراً في حسابات واشنطن، وهي إيران نفسها.
فالولايات المتحدة، بحسب قراءة كاتو سعدالله، تدرك أن الأزمة لا تخص العراق وحده. الحرب مع إيران جعلت المنطقة بأكملها تعيش حالة من عدم الاستقرار، وأن أي محاولة لإعادة ترتيب الوضع العراقي ستبقى ناقصة ما لم تجد الأزمة الإيرانية طريقاً إلى الحل.
وهذا يضع الزيدي، وفق سعدالله، داخل معادلة أكبر من حدود بغداد. فمستقبل الفصائل المسلحة، وعلاقة العراق بإيران، وحتى قدرة الحكومة على ضبط السلاح، كلها تتأثر بما ستؤول إليه المواجهة بين واشنطن وطهران.
وكان ترامب قد وضع المعادلة بصورة مباشرة: إما التوصل إلى حل يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو العودة إلى "المربع الأول"، أي الحرب.
ويقول الباحث: بالنسبة إلى الزيدي، يعني ذلك أن الدعم الأميركي الذي عاد به من نيويورك لا يرتبط فقط بما سيفعله داخل العراق، وإنما أيضاً بقدرته على التحرك وسط أزمة إقليمية لم تحسم بعد.
أزمة الطائرات الإيرانية
في بغداد، ظهر اختبار آخر للزيدي فور عودته. فمع استمرار حظر الطيران على إيران، أعلنت الحكومة أنها تجري مباحثات مباشرة مع الجانب الأميركي للحصول على استثناءات تسمح لبعض الطائرات الإيرانية باستخدام المطارات العراقية.
وقال مكتب رئيس الحكومة إن الحوار يهدف إلى استثناء بعض المطارات العراقية من الإجراءات الأميركية، بما يسمح باستئناف الرحلات "لدواعٍ إنسانية"، تشمل العلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين.
لكن القرار جاء في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للقوى الشيعية.
فقد أثار الحظر غضباً سياسياً، ودفع مهدي تقي، رئيس كتلة بدر التابعة لهادي العامري والتي تدير وزارة النقل، إلى الاستقالة.
كما هددت "النجباء" و"كتائب حزب الله"، وفصائل أخرى، بالاعتصام في المطارات و"كسر الحصار"، بينما رفضت غالبية الزعامات الشيعية الحظر.
ولم يكن هذا أول اختبار بين الزيدي والفصائل والقوى القريبة من إيران.
فخلال زيارته إلى نيويورك، كان رئيس الحكومة قد أثار غضب بعض تلك القوى عندما أقر بأن إيران تمنع العراق من تصدير النفط عبر مضيق هرمز، في وقت كانت تلك الجماعات تروج لوجود استثناء عراقي من القيود المرتبطة بالمضيق.
الوقت الذي حصل عليه الزيدي
والآن عاد الزيدي من نيويورك إلى بغداد، وفي يده ملف أكبر، وهو السلاح.
وإذا كانت زيارة نيويورك قد منحت الزيدي شيئاً واضحاً، فهو الوقت، وفق ما يقوله المحللون.
وبحسب سعدالله، فإن عودة الزيدي من واشنطن ونيويورك تمنحه فرصة جديدة لاستثمار الدعم الذي حصل عليه من إدارة ترامب، خصوصاً أن هذا الدعم تكرر للمرة الثانية.
لكن قيمة الدعم، في رأيه، ستتوقف على ما سيفعله رئيس الحكومة به داخل بغداد. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة الزيدي على تحويل الغطاء الأميركي إلى خطوات عملية في الملفات التي تعهد بمعالجتها، وفي مقدمتها سلاح الفصائل وعلاقة العراق بإيران.
فالدعم، بحد ذاته، لا يحسم المعركة. ما سيحدد مسارها هو كيفية استخدام الزيدي لهذه المساحة التي وفرتها له واشنطن، وما إذا كان قادراً على التحرك قبل أن تنتهي المهلة الجديدة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات