بغداد/ تميم الحسن
للمرة الثانية، تؤكد «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، علنًا، على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، في موقف بدا متعارضًا بوضوح مع بيان صدر أخيرًا عمّا يُعرف بـ«تنسيقية المقاومة»، التي أعلنت رفضها التخلي عن ترسانة الفصائل المسلحة.
هذا التباين في الخطاب، وفق مصادر من داخل الإطار التنسيقي، لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما الأحداث المتسارعة في فنزويلا، التي انعكست – بحسب تلك المصادر – حالةً من الإرباك داخل المنظومة السياسية الشيعية.
وتكشف أطراف سياسية عراقية أن بيان «التنسيقية» لم يكن معزولًا عن قنوات تواصل خلفية جرت في الآونة الأخيرة، مشيرةً إلى أن فصيلين كبيرين حاولا إيصال رسائل مباشرة إلى الإدارة الأميركية، من دون أن يتلقيا أي رد من واشنطن. هذا التجاهل، بحسب المصادر نفسها، كان أحد دوافع التصعيد في اللهجة ورفض أي حديث عن نزع السلاح.
في المقابل، تحذر تلك الأطراف من أن المرحلة المقبلة قد تشهد إجراءات أكثر جدية تجاه فصائل وأحزاب عراقية، تتجاوز الضغوط السياسية إلى خطوات عملية، من بينها تقييد أو منع سحب أموال تعود لتلك الجماعات وموجودة خارج البلاد.
التنصل عن «المقاومة»
في الذكرى الـ105 لتأسيس الجيش العراقي، أعادت «عصائب أهل الحق» تثبيت موقفٍ تقول إنه لم يتغيّر منذ سنوات، مؤكدةً أن السلاح يجب أن يبقى حصرًا بيد الدولة، في خطوة بدت وكأنها محاولة لفك الارتباط عن معسكر ما تُسمى بـ«المقاومة العراقية».
وفي بيان بالمناسبة، قالت الحركة إنها «تُجدد موقفها الواضح والمُعلن منذ عام 2017 بحصر السلاح بيد الدولة العراقية»، مؤكدةً أن هذا الموقف يستند إلى الدستور وتوجيهات المرجعية الدينية، وبـ«إرادة عراقية خالصة دون تدخل أجنبي»، ووفق ما تقتضيه «المصالح العليا للدولة».
لكن هذا الإعلان لم يأتِ في فراغ. فقبل أيام، وجدت العصائب نفسها ضمن بيان صادر عن ما يُعرف بـ«الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية»، أكد رفض «الحديث عن سلاح المقاومة» قبل تحقيق «السيادة الكاملة للبلاد»، وهو ما سارعت الحركة إلى نفيه.
وقال القيادي في العصائب ومدير قناة «العهد» التابعة لها، سند الحمداني، في تدوينة على منصة «إكس»، إن الحركة «تنفي صلتها بالبيان الأخير الصادر عن الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية»، في محاولة لرسم مسافة واضحة بينها وبين الموقف الجماعي الذي نُسب إليها.
وكان بيان «التنسيقية»، الصادر يوم الاثنين الماضي، قد حمل توقيع فصائل عدة، بينها: كتائب سيد الشهداء، وكتائب كربلاء، وأنصار الله الأوفياء، وحركة النجباء، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله. وأكد البيان أن «سلاح المقاومة سلاح مقدّس»، واعتبره «الضمانة وصمّام الأمان» في بلد «لا يزال فيه الاحتلال قائمًا»، مشددًا على رفض أي نقاش بشأنه، سواء من أطراف خارجية أو حتى مع الحكومة، قبل «تخليص البلاد من كل أشكال الاحتلال وتهديداته».
في المقابل، اتسع الجدل ليشمل مؤسسات الدولة نفسها. فبعد ساعات من خطاب رئيس مجلس القضاء فائق زيدان، الذي قال فيه إن «لا حاجة بعد اليوم لوجود سلاح خارج الدولة»، دعا الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، أبو حسين الحميداوي، القادة العسكريين والقضاة إلى «اجتناب الانخراط في التجاذبات السياسية».
وشدد الحميداوي في بيان على أن حيادية المؤسستين الأمنية والقضائية تمثل «مظلّة جامعة لأبناء الوطن، وصمّام أمان لوحدته»، محذرًا من «آثار سلبية» قد تترتب على تسييس مواقفهما.
وكان زيدان قد كشف في وقت سابق، نهاية العام الماضي، أن عددًا من الفصائل أعلنت التزامها الصريح بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، تنفيذًا لتوجيهات المرجعية الدينية العليا، مسميًا من بينها: عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب أنصار الله الأوفياء.
صدمة فنزويلا
أعاد مشهد الاعتقال المفاجئ لرئيس فنزويلا وزوجته من داخل منزلهما، في عملية أميركية أثارت صدىً واسعًا، خلط الأوراق في بغداد، ودفع ملف السلاح خارج الدولة إلى واجهة النقاش داخل القوى الشيعية، وفق ما يؤكده سياسيون من داخل الإطار التنسيقي وخارجه.
يقول علي الفتلاوي، عضو «الإطار التنسيقي»، في مقابلة تلفزيونية، إن «ما حدث في فنزويلا كان سببًا أساسيًا وراء تراجع قوى المقاومة في العراق عن فكرة نزع السلاح»، في إشارة إلى الخشية من تكرار سيناريوهات مشابهة.
ويضيف سياسيون عراقيون رفيعون أن استمرار امتلاك السلاح يضع تلك الجماعات أمام مخاطر هجمات أو عقوبات، وهو تحذير ترددت أصداؤه أيضًا في تصريحات صادرة عن السفارة الأميركية ومبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق مارك سافيا.
وفي هذا السياق، يرى عدنان الدنوبس، العضو الآخر في «الإطار التنسيقي»، أن العراق «نجح بصعوبة» في تجنب التعرض لهجمات خلال الحرب على إيران في الصيف الماضي. ويكشف، في حديث تلفزيوني، أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أجرى «زيارات سرية للغاية» إلى ثلاث دول مؤثرة على واشنطن، بهدف منع استهداف الفصائل في ذلك التوقيت.
وعلنًا، شدد السوداني، يوم الأحد الماضي، على أن قرار حصر السلاح «قرار عراقي خالص، بعيد عن أي تدخلات أو إملاءات خارجية»، في محاولة لتثبيت سردية السيادة الوطنية في مواجهة الضغوط المتزايدة.
«هستيريا داخل الجماعات المسلحة»!
لكن هذه الرواية لا تحظى بإجماع. فالنائب السابق مثال الآلوسي يقول إن الواقع خلف الكواليس يختلف كثيرًا عن الخطاب المعلن. ويؤكد في حديث لـ«المدى» أن «ليس كل ما يُعلن هو الحقيقة»، مشيرًا إلى أن بعض الفصائل «تحاول جاهدة التواصل مع الأوساط الأميركية»، عبر رسائل طمأنة تتضمن استعدادًا للتجاوب الكامل، وصولًا إلى تسليم السلاح، وتبني مواقف إيجابية تجاه السياسة والمصالح الأميركية في العراق والمنطقة. ولفت إلى أن طرفين على الأقل يسعيان، «بأي ثمن»، لفتح قنوات مباشرة مع واشنطن.
ويضيف أن تجاهل واشنطن لما قدمه فصيلان كبيران يمتلكان نفوذًا واسعًا داخل الحكومة والبرلمان، وعدم تلقيهما «حتى إشارة للاستماع»، أدخل تلك الأطراف في حالة من الهستيريا السياسية، وهو ما قد يفسر، برأيه، خلفيات بيانات التصعيد الأخيرة، وتراجع بعض القوى عن مواقفها السابقة.
وفي بعدٍ إقليمي أوسع، يتحدث الآلوسي عن ضوء أخضر من دول الجوار لأي ترتيبات تخص العراق وإيران، بما فيها نزع سلاح الفصائل ومنع مشاركتها في الحكومة، ضمن ما يصفه بـ«تحالف أميركي–شرق أوسطي» مستعد لدعم أي خطوة تُتخذ ضد طهران وبغداد.
ولا تتوقف الضغوط عند السياسة. إذ يكشف الآلوسي عن تسريبات مصرفية في الولايات المتحدة وأوروبا بشأن فرض قيود على سحب الأموال العراقية، خصوصًا العائدة لسياسيين وبرلمانيين وشخصيات مرتبطة بالفصائل، مع إخضاعهم لرقابة مشددة، وعدم استبعاد مصادرة أموال بتهم جنائية.
ويختم بالقول: «لا أستغرب، حتى وإن بدا الأمر ضربًا من الخيال، أن نشهد محكمة بدعم دولي، على غرار محاكم نورمبرغ، لمحاسبة الفاسدين».