بعد أسبوعين من اندلاع المظاهرات في إيران، ونحو شهر قبل أن تحيي الجمهورية الإسلامية الذكرى السنوية الـ 47 للثورة الإسلامية، يمكن التقدير بحذر بأن موجة الاحتجاج الحالية تضع التحدي الأكبر أمام استقرار النظام الإيراني منذ 1979. في احتفالات إحياء ذكرى الثورة التي جرت في شباط 2012 استخدمت صورة كبيرة لزعيم الثورة، آية الله الخميني، ألصقت على لوحة كرتون. نشر الثور من الاحتفالات في وسائل الإعلام أثار ردود فعل هازئة من جانب مواطنين إيرانيين في الشبكات الاجتماعية. فالكثيرون منهم ادعوا بأن استخدام الكرتون يعبر جيداً عن الوضع البشع للثورة الإسلامية: النظام بات عليلاً، وكل ما تبقى من الثورة هو كرتون مشقق وهش. بعد 14 سنة من ذلك، ستحيي إيران يوم الثورة على خلفية صورة شبان إيرانيين يحرقون صورة زعيم إيران، علي خامنئي.
لا يعني هذا أن التغيير السياسي المنشود في إيران فوري؛ فحتى بعد أيام من المظاهرة الواسعة والعنيفة، لا يزال صعباً الحديث عن “حركة احتجاج” بمعنى تحالف منظم يغطي مختلف الفئات. في هذه المرحلة، لا دلالات على انضمام فئات اقتصادية ذات مغزى كالعمال في صناعة النفط الذين بوسعهم المضي بانهيار النظام من خلال إضرابات واسعة لصناعات حرجة. إضافة إلى ذلك، تفتقر الاحتجاجات لقيادة واضحة، وإن كان يحتمل في هذه المرحلة أن يشكل الأمر ميزة، إذ يصعب على النظام قمع الاحتجاج من خلال تحييد زعمائه. ومع أن قيود التنظيم والقيادة لا تمنع بالضرورة انتشار المظاهرات الاحتجاجية، فربما تصعّب خلق بديل سلطوي في مراحل أكثر تقدماً.
بعد أيام من المظاهرة الواسعة والعنيفة، لا يزال صعباً الحديث عن “حركة احتجاج” بمعنى تحالف منظم يغطي مختلف الفئات.
فضلاً عن هذا، لا يمكن الإشارة في هذه المرحلة إلى تحقق شرط حرج آخر لانهيار النظام: ظهور شروخ وصدوع في النخبة السياسية، وأساساً في أجهزة القمع والإنفاذ وعلى رأسها الحرس الثوري، وذراع الباسيج وقوات الأمن الداخلي. النخبة السياسية تواصل إبداء وحدة الصف والتصميم تجاه الخارج على الأقل، ولا دليل على ظواهر فرار أو تآكل وظيفي أو انعدام استعداد من جانب قوات الأمن لتنفيذ التعليمات السلطوية لقمع الاحتجاجات. وبالتالي، يبدو أنه ليس بوسع النظام في هذه المرحلة أن يمنع استمرار الاحتجاج، لكن ليس واضحاً أيضاً إذا كان بوسع المتظاهرين تقويض أساساته.
في هذا الواقع، يبدو أن إيران تنزلق نحو وضع ثوري متواصل قد يستمر زمناً طويلاً، وقد يتطور إلى بضعة اتجاهات مركزية. أولاً، القمع الناجع والمتواصل من جانب السلطات ينجح في احتواء أحداث الاحتجاج وإن كان بشكل مؤقت. من ناحية النظام، هذا هو الخيار المفضل في هذه المرحلة. مع ذلك، فإن تفضيل النظام الاستناد إلى وسائل القمع يزيد الإحباط والغضب في الجمهور، وكذا خطر تحقق تهديدات ترامب بالتدخل في ما يجري في إيران. وعلى أي حال، حتى لو نجح النظام في قمع موجة الاحتجاج الحالية ربما نتوقع استمرار مظاهر العصيان المدني، وفي نهاية الأمر اندلاع موجة احتجاج أخرى، في ضوء غياب القدرة من جانب السلطات على توفير جواب حقيقي لمطالب المواطنين.
ثانياً، اتساع متواصل لنطاق الاحتجاجات وتطرفها، بالتوازي مع فقدان السيطرة من جانب أجهزة القمع لدرجة تشكيل تهديد ذي مغزى على استقرار النظام بل وانهياره. مثل هذا التغيير الثوري سيلبي تطلع بعض المواطنين اليائسين لكنه يبعث أيضاً على مخاوف في أوساط أجزاء أخرى في الجمهور الإيراني من الانزلاق إلى فوضى سياسية. هذه المخاوف تتعلق بإمكانية استغلال جهات راديكالية من الداخل أو من الخارج انعدام الاستقرار لفرض نظام سياسي على إيران لا ينسجم بالضرورة مع إرادة الجمهور، بل يؤدي إلى انقسام الدولة وتقويض وحدتها الإقليمية.
ثالثاً، اعتراف من جانب القيادة الإيرانية – أو أجزاء منها على الأقل – بفقدان القدرة على احتواء الحدث. مثل هذا الاعتراف سيؤدي إلى سيناريوهين مختلفين جوهرياً: الأول انعطافة 180 درجة في السياسة، مثل الموافقة على الاستجابة لمطالب الإدارة الأمريكية في مسألة النووي بهدف الوصول إلى اتفاق يسمح برفع العقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي. في هذه المرحلة يبدو أنه سيناريو بمعقولية متدنية للغاية؛ فالزعيم الإيراني يواصل التمترس في مواقفه والتشديد على أن إيران لن تنسحب “حتى ولا سنتمتر واحد” عن مبادئها. وثمة سيناريو آخر، هو سيطرة جهات من النخبة الأمنية – السياسية على الحكم. في هذا السيناريو المتطرف، تبدو جهات في الحرس الثوري، الذي هو ليس جسماً من لون واحد، كفيلة بالتضحية بالزعيم سواء بموافقة أم قسراً، وإقامة حكم عسكري مؤقت أو دائم بهدف إنقاذ النظام ومصالح الحرس التنظيمية. حتى وإن لم تمنح هذه الإمكانية الهدوء ولا تبشر بالانتقال إلى حكم ديمقراطي ومؤيد للغرب، فهي كفيلة بأن تمهد التربة لنقل الحكم من “الشيوخ” إلى “العسكريين” والانتقال إلى نموذج سلطوي مختلف.
يديعوت أحرونوت 11/1/2026