منذ توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية الانتقالية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، دخل ملف الجزيرة السورية مرحلة جديدة اتسمت بالغموض في الشكل والحسم التدريجي في المضمون. من بين بنود الاتفاق المتعددة، برز دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة كبند يعكس جوهر التسوية السياسية. وشكّل هذا البند إعلاناً غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من السيطرة خارج إطار السيادة السورية، وبداية مسار تفكيك مشروع الإدارة الذاتية الذي نشأ في ظروف استثنائية واستمر بدعم الحليف الدولي الأبرز المتحكم بالتوازنات الإقليمية والدولية. وأسّس الاتفاق بذلك نقطة تحوّل فارقة، أدركت معها «قسد» أن المرحلة المقبلة تعني الذوبان التدريجي في بنية الدولة، لا استمرار صيغة الاستقلالية أو الحكم الموازي.
جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تزامنت مع تحولات واضحة في المقاربة الدولية للملف السوري، ولا سيما في الموقف الأمريكي. فقد أكّد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، مراراً منذ توقيع الاتفاق أن واشنطن تدعم دمج قوات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، باعتباره مدخلاً لمنع التصعيد واستعادة الاستقرار، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا تدعم أي كيان منفصل، بل ترى في الدمج خطوة نحو سوريا موحّدة تحافظ على مؤسساتها وتحدّ من الانقسام الداخلي. في هذا السياق، لم يكن بند الدمج تعبيراً عن شراكة سياسية متكافئة بقدر ما كان انعكاساً لواقع سياسي جديد لم يعد يسمح باستمرار كيان عسكري–إداري موازٍ للدولة. فالمسار المطروح يقوم عملياً على إنهاء صيغة الحكم الموازي عبر إدماج عناصر «قسد» ضمن الجيش والمؤسسات الرسمية، بما يضع حداً للترتيبات التي ترسخت خلال سنوات الحرب.
غير أن التطبيق العملي سرعان ما كشف عن صعوبات بنيوية، لا تعود إلى غموض النصوص بقدر ما ترتبط بإدراك مسبق لدى الأطراف المعنية لحجم التنازلات السياسية والأمنية التي يفرضها الاتفاق. ومع اقتراب انتهاء المهلة الزمنية المحددة للتنفيذ، بدأت هذه التناقضات تطفو بوضوح، لا سيما في الساحة الحلبية.
فقد شهدت مدينة حلب جولات تصعيد ومواجهات انطلقت من حيي الأشرفية والشيخ مقصود الخاضعين لسيطرة «قسد»، في مؤشر على تعثّر التنفيذ وتحول بعض الجبهات إلى أدوات ضغط سياسية. ورغم توقيع اتفاق لاحق خاص بالحيين في 1 نيسان/ابريل الماضي، بوصفه مكمّلاً لاتفاق آذار ويهدف إلى ضبط الوضع الأمني وتهيئة الانسحاب، فإن عدم الالتزام العملي به أبقى الحيين بؤرتي توتر مفتوحتين، واستخدمتهما «قسد» كورقة تفاوضية أخيرة في مواجهة استحقاقات الدمج والانسحاب.
شرعية قسد المتآكلة في الرقة ودير الزور
لم تكن الأزمة في الجزيرة السورية، ولا في الرقة تحديداً، أزمة مكونات أو صراع هوياتي كما حاولت بعض الأطراف تصويرها، بل كانت أزمة حكم سلطوي. فقد أدارت «قسد» المنطقة بعقلية أمنية اعتمدت على السيطرة العسكرية أكثر من الشرعية المجتمعية، مستندة إلى دعم خارجي وفّر لها مظلة حماية لم تدرك أنها مؤقتة.
في الرقة، المدينة التي خرجت مدمّرة من حرب تنظيم «داعش»، لم تتحول السيطرة العسكرية إلى مشروع إعادة إعمار حقيقي، واستمرّت المدينة رهينة ضعف الخدمات وتراجع الاقتصاد المحلي، وغابت المؤسسات الفاعلة، بينما ظلّت ملفات الفساد والاحتكار والاعتقالات والتجنيد الإجباري شبحاً يخيّم على الحياة اليومية. امتداد هذا الفراغ الاجتماعي جعل الرقة أرضاً خصبة لتفشي المخدرات بين الشباب في سن المراهقة، كأنه انعكاس مباشر لتراكم سنوات من العنف والغياب الإداري، حيث أصبح جيل كامل يكبر وسط حالة من الفراغ والضياع النفسي.
ما يلفت الانتباه هو التناقض الحاد بين الإمكانات الكبيرة للمدينة وما تحتويه تحت الأرض وفوقها، وبين الواقع اليومي لسكانها؛ المدينة تحمل مقومات زراعية وصناعية وبنية تحتية يمكن أن تجعلها مركزاً اقتصادياً حيوياً بمفردها، لكنها بقيت شبه متوقفة عن الزمن، وكأنها محكومة بدائرة متكررة من الانكسار والحصار الاجتماعي والسياسي. طوال سنوات سيطرة «داعش» ثم «قسد»، استمر العنف بأشكاله المختلفة، ولم تتوقف سياسات الإقصاء والتحكّم بالقرار المحلي عن تآكل الشرعية، لتبقى الرقة صورة حية لمأساة مستمرة. بهذا المعنى، الرقة ليست مجرد مدينة مدمّرة، بل مرآة لتجربة الجزيرة السورية، حيث تتقاطع أبعاد السيطرة العسكرية، الفشل السياسي، والانكسار الاجتماعي لتنتج واقعاً حضارياً متأخراً، يكاد يقفز عن الزمن. وكانت هذه الصورة الواقعية لما تبقى من «قسد» عاملاً حاسماً في سياق ما بعد توقيع اتفاق 18 كانون الثاني/يناير 2026، إذ بدا واضحاً أن عامل الزمن كان يعمل ضدها؛ فمحاولات المماطلة وإعادة تفسير البنود لم تغيّر من حقيقة أن المشروع الذي قامت عليه الإدارة الذاتية فقد مبررات استمراره. الدولة السورية تعاملت مع الاتفاق بوصفه مرحلة انتقالية محددة السقف، وليست مدخلاً لإعادة تدوير صيغة حكم ذاتي موسّع. في المقابل، بدأت تظهر تصدعات داخل بنية «قسد»، بين من يدرك حتمية الاندماج، ومن يسعى للحفاظ على مكتسبات سياسية وأمنية لم يعد لها غطاء دولي فعلي. ومع تراجع الدعم الخارجي، تحولت «قسد» من لاعب إقليمي مؤثر إلى قوة عابرة للحدود محاصرة سياسياً ومجتمعياً.
الانهيار الميداني
لا يمكن تفسير ما جرى في الرقة ودير الزور بوصفه تطوراً ميدانياً عسكرياً مفاجئاً، بمعزل عن الحيين الحلبيين، الأشرفية والشيخ مقصود، اللذين شكّلا لأشهر طويلة ورقة ضغط رئيسية بيد قوات سوريا الديمقراطية للتأثير على مسار مفاوضات اتفاق 10 آذار أو تعطيلها. غير أنّ هذه الورقة فقدت فعاليتها بعد خروقاتها لاتفاق 1 نيسان/ابريل 2025، التي أدت إلى تصعيد الأحداث، ما استدعى تدخّل وساطة دولية لتنظيم انسحاب مقاتليها من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية نحو مناطق سيطرتها في الجزيرة السورية، عقب مواجهات محدودة مع القوات الحكومية.
ورغم الانسحاب بوساطة دولية، تكشف تطورات دير حافر ومسكنة شرقي حلب هشاشة قدرة «قسد» على السيطرة الميدانية واستدامة نفوذها في مناطق حساسة.
فالاشتباكات المتجددة واستهداف المباني الحكومية، بما فيها القصر البلدي الذي احتضن مؤتمراً صحافياً لمسؤولين كبار، لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل مؤشراً على فقدان أوراق الضغط التقليدية واستثمارها بشكل خاطئ. الحشود العسكرية التي ضمّت عناصر من فلول النظام السابق، والقصف المدفعي المصاحب، عكست محاولة «قسد» الحفاظ على توازنها الميداني، لكنها بدلاً من ذلك أسهمت في تفاقم ضعفها، وكشفت هشاشة بنيتها العسكرية والسياسية، فضلاً عن فقدان السيطرة على الحاضنة الشعبية. اللجوء إلى قصف مدينة حلب بالطائرات المسيّرة من دير حافر ومسكنة يُظهر أيضاً تحولاً تكتيكياً دفاعياً يعكس أزمة الثقة بالنفس الاستراتيجية لديها، ما يجعل من تصعيدها الأخير مؤشراً على الانحدار التدريجي لقدرتها على إدارة الصراع.
مع تصاعد الموقف، بدأ الجيش السوري بحشد قواته باتجاه ريف حلب الشرقي، في خطوة أبرزت جدية الدولة في استعادة السيطرة وفرض الأمن. بالتوازي، صدر المرسوم الرئاسي رقم 13 في 16 كانون الثاني/يناير 2026، الذي أعاد رسم الخريطة السياسية بين الإدارة الذاتية السابقة وأطرافها الاجتماعية، وفصلها عن المكوّن الكردي، مؤكداً حق المواطنة الكاملة للسوريين الأكراد ضمن إطار الدولة. ولم يقتصر أثر المرسوم على إضعاف مشروع الحكم المحلي وأوراق ضغط «قسد» المتبقية، بل شكّل قاعدة سياسية جديدة عززت موقف الحكومة، موفرةً أرضية لتعزيز الضغط العسكري على الرقة، أكثر مناطق سيطرة «قسد» تحصيناً واستراتيجية، ضمن مسار متكامل يجمع بين الحسم السياسي والتقدم الميداني.
هذا التوازن غير المسبوق بين الضغطين السياسي والعسكري مهّد الطريق لتحرّك شعبي واسع على الأرض، إذ شكّل دافعاً لتقدم الجيش السوري بشكل أسرع نحو الضفة الغربية لنهر الفرات، وتحويل المنطقة الممتدة من الريف الغربي للرقة وحتى الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور إلى منطقة عسكرية، ما مثّل عاملاً استراتيجياً للضغط على «قسد». بدا تحرّك السكان في ريف دير الزور الشرقي طبيعياً ومتوقعاً، في ظل بركان محتدم من الاحتقان المحلي تراكم خلال ثماني سنوات من سيطرة «قسد»، حيث اختزنت طبقات المجتمع صراعات كامنة مع العشائر المحلية، تجلت أبرز انفجاراتها في المواجهات العنيفة التي اندلعت في 27 آب/أغسطس 2023 عقب اعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل، حين شنّ تحالف من القبائل هجمات مسلحة على عشرات المواقع احتجاجاً على ما اعتبروه إقصاءً ممنهجاً وتحكّماً بالقرار المحلي.
لم تكن تلك الأحداث عابرة، بل كشفت هشاشة السيطرة الميدانية وعمّقت الشرخ مع الحاضنة الاجتماعية، ما جعل الحراك الشعبي الحالي في قرى وبلدات الرقة ودير الزور امتداداً منطقياً لاحتقان قديم، تمدّد تدريجياً حتى بلغ مركز مدينة الرقة.
مع هذه الهزيمة الميدانية والانكسار السياسي، بدأت «قسد» تفقد السيطرة تدريجياً، حيث تجلّى ذلك في انسحابها من مقراتها في الرقة وإخراج عوائل عناصرها، وهو ما شكّل اعترافاً عملياً بفقدان القدرة على الصمود وانهيار صورة القوة التي حكمت بها المنطقة لسنوات.
ورغم وجود بعض مظاهر المقاومة المتفرقة، تمثلت في تحصينات محدودة وتدمير الجسرين الرئيسيين اللذين يربطان ضفتي نهر الفرات بهدف عرقلة تقدّم القوات الحكومية، كشف الانهيار السريع لمنظومة القرار هشاشة السيطرة السابقة، وبعد ذلك، جرى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و«قسد» في 18 كانون الثاني/يناير 2026، بالتزامن مع انتفاضة الشعب في الرقة ودير الزور، والذي نصّ على وقف شامل وفوري لإطلاق النار، انسحاب التشكيلات إلى شرق نهر الفرات، وتسليم المحافظتين إدارياً وعسكرياً بالكامل، بما يشمل المؤسسات والمنشآت المدنية، مع تثبيت الموظفين ضمن وزارات الدولة، وضمان عدم التعرّض للمقاتلين والإدارة المدنية، والسماح بترشيح قيادات محلية لتولي مناصب عليا بما يضمن التمثيل المحلي.
حتى بعد الاتفاق، حاولت «قسد» إعادة استخدام المماطلة في التنفيذ، لكنها واجهت ضغطاً سياسياً وميدانياً غير مسبوق، إلى جانب رفض شعبي متزايد لسياسات الإدارة الذاتية، ما قلّص هامش المناورة إلى أدنى مستوياته.
تحولات المشهد
دخل المشهد في الجزيرة السورية طوراً جديداً اتّسم بالتصعيد السياسي والميداني، تجلّى بوضوح في انسحاب «قسد» من مراكز الثقل السكاني العربية. لم يكن هذا الانسحاب خطوة ميدانية معزولة، بل مثّل تحوّلاً استراتيجياً في سلوك «قسد»، تمثّل في التخلي عن منطق السيطرة المفتوحة مقابل البحث عن أدوات ضغط بديلة بعد تآكل قدرتها العسكرية بدءاً من الأشرفية والشيخ مقصود حتى الرقة ودير الزور. وفي هذا السياق، حمل الانسحاب بعداً رمزياً مدروساً، حاولت من خلاله إعادة تأطير الصراع سياسياً، عبر تقديم ما جرى وكأنه استهداف للقومية الكردية، لا كقوة عسكرية معزولة ومهزومة، مستغلة في الوقت نفسه آخر ورقة ضغط متاحة لديها بعد انهيارها ككتلة عسكرية فاعلة.
غير أن هذا التحول تزامن مع انحسار نفوذها الجغرافي وتراجع غطائها الدولي، ما أفقد هذه المقاربة قدرتها على إنتاج مكاسب سياسية أو فرض شروط تفاوضية جديدة. وعلى هذا الأساس، دخل المشهد ما بعد الرقة ودير الزور مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية. فبينما تسعى الحكومة إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المستعادة، مستفيدة من التحول الأمريكي الذي منحها موقع الشريك الرئيسي في مكافحة الإرهاب، تبدو المرحلة الراهنة محكومة بإدارة توتر محسوب، لا بحسم فوري. مرحلة انتقالية يقف فيها السكان بين أمل الاستقرار ومخاوف التصعيد، فيما يتقدّم مسار إنهاء الأدوار الوظيفية القديمة ببطء، لكن بثبات، نحو إعادة رسم معادلة السيطرة والشرعية في الجزيرة السورية، ما يشير إلى أن ما جرى لا يمثل نهاية الصراع، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى مختلفة في أدواتها وتوازناتها.