تغيير حجم الخط     

170 يوماً من التعثر تنتهي بـ«مرشح بلا أب سياسي» واضح!

القسم الاخباري

مشاركة » الثلاثاء إبريل 28, 2026 10:43 pm

5.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

في لحظة إدراك متأخرة، بدا أن التحالف الشيعي يتراجع خطوة إلى الوراء، متخلياً عمّا كان يعدّه «الخطأ الثاني» بعد تجربة حكومة عادل عبد المهدي قبل سبع سنوات، ليعود إلى منطق «الوكيل الحكومي» في اختيار رئيس الوزراء؛ ذلك النموذج الذي يقدّم اسماً من خارج مراكز الثقل، فيما تُدار السلطة من خلفه «في الظل».
مساء الاثنين، وبعد نحو 170 يوماً من مفاوضات متعثرة، تمكّن «الإطار التنسيقي» من تمرير اسم جديد لرئاسة الحكومة: علي الزيدي، رجل أعمال غير معروف سياسياً على نطاق واسع، وتدور حوله تساؤلات وشبهات، ما جعله يظهر، في توصيف خصومه، كـ«رئيس بلا أب سياسي».
قبل ساعات فقط من هذا التحول، كانت المفاوضات داخل البيت الشيعي قد بلغت ذروتها من الانسداد. لم يعد هناك مجال للتسويات التقليدية، بعد أن استنفدت القوى جميع خياراتها بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، في صراع مفتوح استمر لأكثر من خمسة أشهر.
"مرشح يولد من الفشل"
تكشف مصادر متقاطعة لـ(المدى) أن الساعات الأخيرة حُسمت عبر مسارين متناقضين: اجتماع أول بين قطبي الأزمة انتهى إلى الفشل، أعقبه اجتماع ثانٍ، خرج هذه المرة باسم مفاجئ.
وتشير المعلومات إلى أن فالح الفياض، رئيس الحشد، الذي لعب دور الوسيط، نجح في الاجتماع الثاني – الذي رعاه بنفسه – في إقناع الطرفين بالقبول بخيار «البديل»، بعد أن تعذر تمرير أي منهما.
وكانت محاولات الفياض قد تعثرت في وقت سابق من اليوم ذاته، حين فشل مسعى «الصلح» بين المالكي والسوداني، قبل أن يُعاد فتح باب التفاوض على نحو أكثر براغماتية، انتهى إلى القبول باسم ثالث.
وبالتوازي مع هذه التطورات، كانت إشارات مقلقة تتصاعد داخل «الإطار». فقبل حسم اسم الزيدي، تحدثت معطيات عن تحرك شيعي موازٍ يهدف إلى إعادة تشكيل «الكتلة الأكبر» خارج الإطار الحالي.
هذا المسار، الذي قاده – وفق التقديرات – نحو 120 نائباً، كان يسعى إلى إحداث ما يشبه «الانقلاب السياسي» على الكتلة التي أُعلنت في تشرين الثاني 2025، والتي كانت تضم نحو 180 نائباً. ووفق تلك السيناريوهات، كان من المرجح إعادة طرح السوداني مرشحاً لهذا التشكيل الجديد، في محاولة للالتفاف على الانسداد القائم.
هذا التهديد، كما تقول مصادر سياسية، شكّل ضغطاً إضافياً دفع قوى «الإطار» إلى التسريع في إنتاج حل، ولو كان خارج حسابات الأسماء التقليدية.
وبعد أكثر من خمسة أشهر من التفاوض، وسبع محاولات فاشلة في الأسبوعين الأخيرين وحدهما، وجد «الإطار التنسيقي» نفسه أمام خيار وحيد: ترك المالكي والسوداني وجهاً لوجه، حتى استنفاد كل فرص التفاهم.
لماذا الزيدي؟
في لحظة تكليف علي الزيدي من قبل رئيس الجمهورية، بدا المشهد مختلفاً عمّا اعتاده العراقيون في محطات مماثلة. الرجل، الذي يُقدَّر أنه في أربعينات العمر، يقترب – في حال تمرير حكومته داخل البرلمان – من أن يكون أصغر رئيس وزراء منذ 2003. لكن الأهم من العمر، كان ما غاب عن الصورة أكثر مما حضر فيها.
ففي الصورة التذكارية التي التُقطت مع المكلّف، غابت أسماء وازنة: محمد شياع السوداني، وعمار الحكيم، وهمام حمودي، وفالح الفياض. غياب أثار تساؤلات مبكرة حول طبيعة التوافق الذي أفرز الرجل، وحدود التماسك داخل «الإطار التنسيقي».
بعض هؤلاء القادة كانوا، حتى وقت قريب، ضمن معسكر واحد، باستثناء حمودي الذي تنقّل بين ضفتي الصراع، مرة مع السوداني وأخرى مع نوري المالكي.
لخّص النائب أحمد الساعدي، عن تيار الحكمة، المشهد بعبارة لافتة: «لا يملك الرجل أباً سياسياً – حتى الآن – وهو مرشح كل الإطار». توصيف يبدو، في ظاهره توافقياً، لكنه في العمق يشي بأن الزيدي هو «مرشح بلا كلفة» على أي طرف.
وفق هذا المنطق، لا يُحمّل ترشيح الزيدي أي كتلة داخل التحالف خسارة في «بنك المناصب». فبحسب تفاهمات غير مكتوبة، يُخصم منصب رئاسة الوزراء من الحصة الجماعية للتحالف الشيعي، بما يعادل نحو 35 «نقطة» مقعداً، تُعاد صياغتها لاحقاً في توزيع الحقائب الوزارية بين 12 كتلة.
وفي هذا السياق، يبدو فريق السوداني – الذي يضم الفياض وأحمد الأسدي، وزير العمل، الأقرب للحصول على «حصة الأسد» في المرحلة التالية، مستنداً إلى ثقله النيابي الذي يصل إلى نحو 51 مقعداً.
ورغم إعلان السوداني لاحقاً استعداده لتسهيل انتقال السلطة، فإن غيابه عن لحظة التكليف بقي لغزاً مفتوحاً، خصوصاً مع وجود صلة سياسية مباشرة، إذ إن شقيق الزيدي، ضياء، نائب ضمن قائمة السوداني.
في المقابل، لا تزال العلاقة بين الزيدي والمالكي غير محسومة. فبينما ترى بعض الأوساط أنه مقرّب من الأخير، تشير روايات أخرى إلى أنه خيار إرادات عدة، بينها المالكي والسوداني وقيس الخزعلي، زعيم العصائب.
ذاكرة «الفخ»
اختيار الزيدي لم يكن مفاجئاً من حيث الاسم فقط، بل من حيث التوقيت أيضاً. فحتى ساعات قليلة قبل الإعلان، كان المشهد يبدو بعيداً عن أي اتفاق.
تقول معلومات إن الرجل، وهو تاجر معروف، طُرح اسمه قبل نحو شهر في نطاق ضيق داخل المفاوضات. لكن لحظة اعتماده جاءت كـ«قرار إدراك» داخل البيت الشيعي، لتفادي الوقوع مجدداً في ما يُعرف بـ«فخ عادل عبد المهدي».
منذ 2003، تنقّلت القيادة الشيعية بين مستويات متعددة: من الصف الأول مع إبراهيم الجعفري، إلى الصف الثاني مع المالكي، ثم إلى الوزراء مثل حيدر العبادي، وصولاً إلى نماذج أكثر مرونة مثل السوداني.
لكن تجربة عبد المهدي (2018–2019)، التي انتهت بانهيار حكومته تحت ضغط احتجاجات تشرين في العراق، بقيت حاضرة كتحذير دائم من «رئيس من الصف الأول».
بعد تلك التجربة، تراجع «الإطار» عن فكرة «الصف الأول»، وبدأ يميل إلى نموذج «الوكيل الحكومي» – أو ما وُصف لاحقاً بـ«المدير العام» الذي أُطلق على السوداني. غير أن تجربة السوداني نفسها كسرت هذا القالب، حين تحوّل من زعيم كتلة صغيرة إلى لاعب رئيسي يمتلك أكثر من 50 نائباً، وهو ما لا يرغب التحالف في تكراره.
لذلك، تشير تقديرات إلى أن الزيدي قد يُطلب منه تقديم تعهدات صريحة، بعدم تشكيل حزب أو خوض الانتخابات أو دعم أي تحالف سياسي مستقبلاً، لضمان بقائه ضمن حدود «الدور الوظيفي» لا «الدور القيادي».
"مخاطر الانقلاب"
سياسياً، يمنح خيار «مرشح التسوية» أو «الوكيل» ميزة واضحة: إدارة الصراع من الخلف. فإذا فشلت الحكومة، يتحمّل «الوكيل» المسؤولية. وإذا نجحت، تُقطف الثمار من قبل القوى الداعمة.
لكن هذا النموذج لا يخلو من المخاطر. فالتجارب السابقة أظهرت أن «الوكيل» قد يتحول إلى لاعب مستقل، أو حتى يتمرّد، كما حدث – جزئياً – مع السوداني نفسه.
ورغم حسم الاسم داخل «الإطار»، لا يزال الطريق إلى رئاسة الحكومة غير مضمون. فهناك سوابق قريبة، مثل محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، اللذين كُلّفا بعد احتجاجات تشرين، لكنهما فشلا في نيل ثقة البرلمان.
لذلك، لا يُستبعد أن يكون ما جرى مجرد خطوة لكسب الوقت في ظل «الخرق الدستوري»، بانتظار تسوية أعمق لم تتبلور بعد.
بهذا المعنى، لا يجيب اسم الزيدي وحده عن سؤال «من يحكم؟»، بل يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً: من يدير الحكم فعلياً، ومن يتحمّل كلفته عندما تنتهي اللعبة؟
من هو الزيدي؟
في خضم الجدل السياسي الذي سبق تكليف علي الزيدي، بدا اسمه بالنسبة لعدد من اللاعبين الرئيسيين في المشهد وكأنه خرج فجأة إلى الواجهة من خارج الدائرة التقليدية للسلطة.
ففي تصريح متلفز قبل ساعات من التكليف، قال قصي محبوبة، المقرب من السوداني، تعليقاً على تداول اسم الزيدي في غرف الأخبار، إنه «لا يعرفه ولا يعرف رؤيته السياسية والاقتصادية».
ورغم ذلك، تكشف معلومات سياسية أن اسم الزيدي لم يكن طارئاً بالكامل. فقد طُرح خلال الاجتماع الثاني برعاية فالح الفياض، إلى جانب اسمين آخرين هما: أسعد العيداني وصالح الحسناوي.
وبحسب معطيات سياسية، فإن مسار الترشيحات داخل الإطار خلال 170 يوماً بعد الانتخابات مرّ بمراحل تصفية متتالية، إذ قُدّم ما لا يقل عن 45 اسماً، ثم جرى تقليص القائمة إلى 15، قبل أن تستقر في نهاية المطاف على 9 أسماء فقط، انتهت خارجها بتسوية اسم الزيدي.
رجل أعمال في قلب السياسة
وتشير بيانات متداولة نُسبت إلى وزارة التجارة إلى أن علي فالح كاظم الزيدي، وهو الاسم الكامل لرئيس الحكومة المكلّف، يمتلك شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، إذ يُنسب إليه تأسيس نحو 15 شركة مسجلة، برؤوس أموال كبيرة عند التأسيس قُدرت بنحو 300 مليار دينار عراقي.
وتتنوع هذه الشركات بين قطاعات متعددة تشمل: المقاولات والإنشاءات، الاستثمار العقاري والسياحي، النفط والغاز والطاقة، الصناعات الغذائية والزجاجية، الزراعة والثروة الحيوانية، إضافة إلى التعليم العالي والخدمات الطبية والمالية.
ومن أبرز هذه الأنشطة شركة «الأويس»، المرتبطة بعقود غذاء الجيش العراقي واستيراد مفردات البطاقة التموينية، فضلاً عن جامعة أهلية في بغداد تحمل اسم «جامعة الشعب»، بحسب ما يُتداول في تقارير غير رسمية.
في المقابل، أعادت منصات إعلامية وصفحات تواصل اجتماعي تداول مقاطع وتصريحات لنواب سابقين، إلى جانب تقارير تتهم شركات مرتبطة بالزيدي – من بينها «الأويس» ومصرف يُنسب إلى العائلة – بقضايا فساد، من دون صدور أحكام قضائية حاسمة في هذا السياق.
وعلى صعيد العلاقة مع الفصائل والضغوط الدولية، لا توجد معلومات واضحة أو مؤكدة عن موقع الزيدي داخل تشابكات هذا الملف، خصوصاً في ظل تصاعد العقوبات والملاحقات المرتبطة ببعض القيادات المسلحة داخل العراق، ومنهم شخصيات ضمن معسكرات متقابلة في «الإطار».
لكن القيادي في تيار الحكمة أحمد الساعدي أشار إلى وجود «مؤشرات دولية وإقليمية إيجابية» حول تكليفه، واصفاً إياه بأنه «ابن مدينة الصدر» و«جنوبي الهوى» في إشارة إلى أصوله التي تعود إلى محافظة ذي قار، في محاولة لوضعه ضمن سياق اجتماعي-سياسي أكثر من كونه مجرد اسم تقني للتسوية.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار

cron