لندن ـ «القدس العربي»: سيكتب التاريخ أن أول حرب إسرائيلية ـ إيرانية مباشرة، كانت تلك التي شهدها العام 2025 على مدى 12 يوماً اعتباراً من 13 حزيران/يونيو، عندما شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات غير مسبوقة على العاصمة الإيرانية طهران والكثير من المراكز الحيوية، واغتالت في ضربات مباغتة عدداً كبيراً من أبرز القادة العسكريين والعلماء النوويين في إيران.
وتزامنت الضربات العسكرية مع عمليات أمنية لمجموعات كبيرة من الجواسيس الذين أعلن الموساد الإسرائيلي أنه زرعهم قبل ذلك في خلايا نائمة ما لبثت أن تحركت لتساهم في توجيه الضربات، والقيام بهجمات عبر طائرات مسيّرة لأهداف متعددة في طهران وغير محافظة إيرانية.
لكن إيران استطاعت استيعاب الصدمة الأولى، وتوجيه ضربات صاروخية بلغت عمق تل أبيب ومراكزها الحيوية ومنها مركز وايزمن للأبحاث، وقواعد للموساد وأخرى للجيش الإسرائيلي وفقا لما أظهرته الصور التي تسربت رغم حظر النشر الإعلامي الذي فرضته السلطات الإسرائيلية.
وبدأت العمليات عندما شنت إسرائيل ضربات جوية وصاروخية دقيقة داخل الأراضي الإيرانية، استهدفت مواقع وصفتها بأنها «مرتبطة مباشرة بالبرنامج النووي والبنية الصاروخية».
السلطات الإيرانية وصفت تلك الهجمات بأنها «عدوان مباشر»، وأعلنت حالة الاستنفار في مختلف أنحاء البلاد، وأُغلقت الأجواء والمطارات.
أبرز الضربات الإسرائيلية التي تبعتها ضربات أمريكية، تركزت على منشآت نووية حساسة تتم فيها عمليات الدورة النووية الكاملة وخاصة عمليات تخصيب اليورانيوم، من أبرزها منشأة نطنز النووية الاستراتيجية في محافظة أصفهان، حيث أُعلن عن أضرار في أجزاء من البنية التحتية السطحية.
كما تعرضت للقصف منشأة فوردو النووية، المقامة تحت الجبال قرب مدينة قم، والتي تعرضت لضربات وُصفت بأنها محدودة التأثير. وأيضا موقع أصفهان النووي الذي يضم منشآت تحويل اليورانيوم. ومفاعل آراك للماء الثقيل، الذي أُشير إلى تعرض محيطه لهجوم بدون تسجيل تسرب إشعاعي.
وتضاربت الأنباء عن تأثير تلك الضربات، حيث أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق الضربات لأهدافها في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، بينما شددت السلطات الإيرانية على أن «القدرات الأساسية لم تُشل»، وأكدت عدم وقوع تلوث نووي، ثم دخلت في سياسة باتت تعرف بسياسة الغموض النووي بحيث لا تقدم معلومات واضحة عن حجم الأضرار التي لحقت منشآتها، ولا مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب الذي ما زال يدور حوله سجال كبير بين إيران وخصومها، وذك بالتزامن مع إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تتابع التطورات «بقلق بالغ».
الرد الإيراني: صواريخ داخل إسرائيل
بعد ساعات من بداية الضربات الإسرائيلية للعاصمة طهران، أعلنت إيران تنفيذ رد عسكري مباشر، شمل إطلاق صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف داخل إسرائيل. وشملت الضربات، وفق بيانات رسمية وإعلام عبري: داخل ومحيط تل أبيب، حيث دوت صفارات الإنذار على نطاق واسع، ثم ميناء حيفا ومنشآت لوجستية قريبة منه، وقواعد عسكرية في الجنوب والوسط.
إسرائيل التي فرضت رقابة إعلامية مشددة، أعلنت اعتراض جزء كبير من الصواريخ، لكنها أقرت بوقوع أضرار مادية وسقوط قتلى وجرحى، في سابقة وصفت بأنها الأوسع منذ عقود من حيث استهداف العمق الإسرائيلي.
بعد اتساع رقعة المواجهة، وإعلان الولايات المتحدة دعمها العسكري المباشر لإسرائيل، عبر توفير أنظمة دفاع ومشاركة استخبارية، ثم شن ضربات جوية مباشرة، أعلنت طهران استهداف قاعدة العديد الجوية الأمريكية الاستراتيجية في قطر، لكن تم الكشف لاحقاً من الجانب الأمريكي أنه تبلّغ عبر وسطاء بموعد القصف الإيراني حتى لا تقع إصابات في الأرواح، فتم إخلاء القاعدة من الجنود الأمريكيين ولم يسقط قتلى أو جرحى، كما رفعت القوات الأمريكية مستوى التأهب في قواعدها المتواجدة في كل المنطقة.
كذلك أعلنت الدوحة أن الصواريخ الإيرانية لم تسفر عن إصابات بشرية، مؤكدة احتفاظها بحق الرد على الخرق الإيراني للسيادة القطرية.
وقف إطلاق النار
بعد 12 يوماً من الحرب، تم الإعلان عن وقف لإطلاق النار، لتنتهي بذلك المواجهة العسكرية المباشرة.
وقف لإطلاق النار أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن الوضع بقي في حالة هدنة هشّة، أو ما يمكن وصفه بوقف مؤقت للنار
مع استمرار التصريحات المتبادلة ورفع الجاهزية العسكرية من الجانبين، واعتبار كل منها أن الحرب توقف لكنها لم تنته. ويبدو أن حالة الـ«لا حرب ولا سلم» ترسخت وفق معادلة جديدة يمكن اختصارها بمعادلة التوازن الردعي، بين استباحة إسرائيل للأجواء الإيرانية عبر الطائرات، واستباحة إيران للأجواء الإسرائيلية عبر الصواريخ الباليستية والفرط صوتية وأسراب المسيّرات والتي لم تستطع منظومات الدفاع الإسرائيلي والأمريكية والحليفة، استيعاب هجماتها أو وضع حد لها.
انقشاع غبار الغارات العسكرية، تبِعه تصاعد التوتر بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، على خلفية مطالبة الوكالة بتفسيرات حول الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية، وإمكانية الوصول إلى بعض المواقع، لكن إيران ألقت باللوم على الوكالة واعتبرت أن تقريرها الذي أصدرته قبيل بدء الحرب وقالت فيه إن إيران غير متعاونة مع الوكالة، كان بمثابة الورقة التي انتظرتها إسرائيل لشن حربها على إيران.
وهكذا أعلنت طهران تقليص مستوى التعاون مع الوكالة، واعتبرت بعض مطالبها بأنها مسيسة وغير مهنية، ما أعاد ملفها النووي إلى صدارة الاهتمام الدولي.
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، ففي خريف 2025، أعلن مجلس الأمن الدولي إعادة فرض العقوبات الأممية عبر ما يُعرف بـ«آلية الزناد»، بعد إخفاق المساعي الدبلوماسية في احتواء التصعيد النووي، وتم الرجوع إلى مجلس الأمن وتفعيل العقوبات بدعم أمريكي لطلب مشترك تقدمت به الترويكا الأوروبية المؤلفة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وشملت العقوبات قيوداً على تصدير النفط وحظراً على التعاملات المصرفية الدولية وتشديد القيود على استيراد التكنولوجيا.
وفي أولى نتائج تلك التطورات، شهدت الأسواق ارتفاعاً حاداً في الأسعار، شم :المواد الغذائية الأساسية والوقود والنقل والأدوية والخدمات الطبية، كما واصلت العملة الوطنية تراجعها، وأقرت الحكومة بوجود «ضغوط اقتصادية استثنائية»، فأعلنت عن حزم دعم محدودة للفئات الأكثر تضرراً.
وهكذا انتهى عام 2025 وهو مثقل بآثار الحرب، والعقوبات، والتوتر النووي، والضغوط المعيشية الناتجة عن مفاعيل العقوبات الأمريكية والدولية، ورغم ذلك يردد القادة في طهران أن تلك الحرب أدت إلى ظهور وحدة وطنية داخلية تمثلت في التحام الإيرانيين حول المصلحة العليا لبلدهم تحت مظلة الدفاع عن وطنهم.