جميع الأنظار تتجه نحو إيران وليس فنزويلا.
ذلك انّ ما حدث في كراكاس من إنزال امريكي واعتقال الرئيس مادورو وجلبه الى محكمة في نيويورك هو حدث منته وسيدخل في التفاصيل الروتينية شهورا وربما سنوات، ولا توجد أدلة فعلية على قيام الطاقم الذي خلفه بتحدي الولايات المتحدة.
اندلاع تظاهرات ايران في وقت متزامن تقريبا مع احداث فنزويلا، يرجح انّ الهدف الثاني هو إيران، لكن التعامل هنا يختلف، ففي إيران تحصد الولايات المتحدة ما زرعته من عقوبات قاسية في خلال أكثر من عقد من الزمان أودى بالعملة الإيرانية وجعل الحياة المعيشية في تدهور مريع، وهذا سبب مباشر لتسخين الشارع ثم اشعاله.
يجري تصوير الشعب الإيراني بأنه غير معني بما يجري حوله وانّ همّه لقمة العيش المتضررة والتي يتوافق معه فيها مسؤولون كبار لامتصاص غضبه، ونتج عن ذلك وعد بمنح المواطنين سبعة دولار شهريا لتدارك الانهيار.
الواقع يقول انّ ايران منذ أربعين سنة مشتبكة في الميدان الحربي وليست واقفة على خط الاستعداد والجاهزية فقط، انها منغمسه في حروب المنطقة الى درجة الانخراط في حرب مباشرة مع إسرائيل مدة 12 يوماً. والاسئلة تدور حول رضا الإيرانيين كشعب عن الدخول في حرب داخل سوريا منذ العام 2011 حتى سقوط نظام يشار الأسد في نهاية 2024 وما مثله ذلك من استنزاف مالي ونخبوي، وكذلك الحرب في جنوب لبنان ومبرراتها بالنسبة للإيرانيين كأمة ووطن ووجود وليس كقيادة نظام، فضلاً عن حرب اليمن وأهميتها لمستقبل ايران، ناهيك عن السؤال المؤجل والمستحق عن الانغماس في الشأن العراقي عبر الوكالات.
هناك أسئلة مؤجلة الإجابات، ولا يمكن أن تظل معلقة للابد، وانّ الدول المعنية بوضع النظام في ايران بعد توغله في الملف النووي والبرنامج الصاروخي الباليستي، تقرأ الخارطة الإيرانية السياسية والأمنية والشعبية قراءة مستفيضة كل ساعة وليس كل يوم، تتجاوز الركود الذي يعيشه الوضع السياسي في إيران من جمود وعدم مغادرة المقولات الشعارية الجاهزة التي انيطت للوكالات لتنفيذها دائماً، بالرغم من تغير المعادلات والمعطيات على الأرض.
ثمّة تزاوج بين عمامات دينية وشعارات سياسية منتجة في حقبة الثمانينات من القرن الماضي وذلك بصحبة قبضات أمنية هي كل القوة الفعلية لمسك زمام الداخل الإيراني، وقد نجحت في ذلك عقوداً، أما القوة العسكرية ذات الصواريخ التي قد تصل الى أي هدف امريكي في المنطقة فهي قوة قد تتحول في لمح البصر الى افتراضية اذا كانت إيران فعلاً هدفاً نهائياً على منضدة الرمل في البنتاغون وأمام قرار ترامب القاطع.
ذلك انها لن تكون حرب تلقّي الصفعات والصفعات المقابلة لها، وانما هي حرب تغيير النظام بطريقة تثوير الشارع والسيطرة الالكترونية قبل أن يكون هناك أي سلاح فعال متاحاً للاطلاق ، بحسب خبير استراتيجي غربي تحدث في محاضرة عن الجيل الخامس من الحروب وطليعتها ما حدث في القصر الجمهوري بفنزويلا، وهناك أساليب مصاحبة ومحاكية لذلك في حروب أمريكية مقبلة.
fatihabdulsalam@hotmail.com