تواجه حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي اختبارها السياسي الأول وسط مشهد معقد يتداخل فيه التوافق المنقوص مع تصاعد الخلافات بين القوى السياسية، بعد إخفاق البرلمان في حسم تسع حقائب وزارية سيادية وخدمية خلال جلسة منح الثقة الأخيرة، ما فتح الباب أمام موجة اعتراضات وطعون سياسية تهدد بإرباك الحكومة في مراحلها الأولى.
ورغم نجاح الحكومة في نيل ثقة البرلمان لـ14 وزارة من أصل 23، إلا أن بقاء وزارات حساسة، بينها الداخلية والدفاع والتعليم العالي والتخطيط، خارج التوافق السياسي كشف حجم الانقسامات داخل القوى الحاكمة، وأعاد الحديث عن هشاشة التفاهمات التي سبقت جلسة التصويت.
وقال عضو ائتلاف دولة القانون صلاح بوشي، إن “جميع الخيارات القانونية والدستورية بشأن الطعن في جلسة منح الثقة للحكومة الجديدة ما تزال قائمة ومشروعة”، مشيراً إلى أن أي خطوة بهذا الاتجاه ستخضع لتقييم مهني يتعلق بمدى انسجام الإجراءات مع الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب.
وأضاف بوشي أن موقف ائتلافه “لا يأتي بدافع انفعالي، بل رفضاً لمحاولات تهميش الاستحقاقات الانتخابية واستهداف مرشحي دولة القانون”، مؤكداً أن “ملف الحقائب الوزارية يجب أن يُدار وفق معايير الكفاءة لا وفق المصالح الضيقة”.
وأشار إلى أن الائتلاف ما يزال يدرس جميع الخيارات المتعلقة بإعادة ترشيح الأسماء أو تقديم بدائل جديدة، مع التأكيد على ضرورة تمرير شخصيات “قادرة على إدارة مؤسسات الدولة”.
وتصاعدت الاعتراضات السياسية بعد عدم تمرير مرشحي ائتلاف دولة القانون لحقيبتي الداخلية والتعليم العالي، وسط انتقادات حادة لإدارة جلسة التصويت، خاصة ما يتعلق بآلية احتساب الأصوات وطريقة إدارة الجلسة من قبل رئاسة البرلمان.
وفي السياق ذاته، أكد عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني وفا محمد كريم، أن الحزب يتجه أيضاً للطعن بجلسة البرلمان الخاصة بمنح الثقة، مشيراً إلى تسجيل “عدة ملاحظات” على مجريات الجلسة، أبرزها تأخير عرض الوزارات السيادية للتصويت.
وأوضح كريم أن الحزب الديمقراطي “محبط من عدم تمرير حصة الإعمار والإسكان”، معتبراً أن رئاسة البرلمان لم تمنح وقتاً كافياً لعدّ الأصوات، الأمر الذي أثار اعتراضات سياسية واسعة داخل الجلسة.
وأضاف أن الحزب سيعمل على استبدال مرشحه لحقيبة الإعمار والإسكان، مع السعي لإجراء تفاهمات جديدة مع الكتل السياسية لضمان تمرير المرشح الجديد ضمن جولة التصويت المقبلة.
وفي قراءة للمشهد السياسي، وصف المحلل السياسي علي حبيب، حصول حكومة الزيدي على الثقة الجزئية بأنه “نموذج كلاسيكي للتوافق المنقوص في النظام السياسي العراقي بعد 2003”.
وأكد حبيب أن الحكومة تبدو “قابلة للاستمرار على المدى القصير إذا ما حصلت على دعم سياسي مستمر”، إلا أنه حذر من أن بقاء الوزارات المحورية معلقة قد يتحول إلى “أداة ضغط داخل البرلمان أو حتى داخل مجلس الوزراء”.
وأضاف أن قدرة الزيدي على احتواء الخلافات ستكون العامل الحاسم في مستقبل حكومته، خصوصاً مع غياب قاعدة حزبية صلبة تدعم رئيس الوزراء، فضلاً عن وجود ضغوط إقليمية ودولية متضاربة تحيط بالمشهد العراقي.
وأشار إلى أن الدعم الكردي المعلن للحكومة يمثل “رصيداً سياسياً مهماً”، لكنه يبقى مشروطاً بحسم ملفات النفط ورواتب الإقليم، محذراً من أن “المعارضة البناءة” قد تتحول لاحقاً إلى حالة من المشاركة المشروطة التي تعيد إنتاج الانقسامات السابقة.
ويرى مراقبون أن تأجيل حسم الوزارات السيادية لا يعكس فقط أزمة أسماء، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بإدارة التوازنات داخل الإطار التنسيقي، وطبيعة العلاقة بين القوى الشيعية والكردية والسنية في المرحلة المقبلة.
وفي موازاة الجدل السياسي، عاد اسم رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الواجهة من زاوية اقتصادية وتجارية، بعد تداول معلومات تتعلق بإدارته السابقة لعدد من الشركات والمؤسسات الاستثمارية قبل دخوله المعترك السياسي.
وتشير بيانات متداولة إلى امتلاك الزيدي شركات تعمل في مجالات المقاولات والنفط والصناعات الغذائية والاستثمار والتعليم، من بينها شركة “الأويس” التي نفذت عقوداً لتجهيز مفردات البطاقة التموينية وإطعام الجيش العراقي.
كما أظهرت البيانات ارتباط الزيدي سابقاً بمصرف الجنوب الإسلامي، الذي ارتفع رأسماله خلال السنوات الماضية إلى أكثر من 500 مليار دينار، قبل أن يمنع البنك المركزي العراقي المصرف من التعامل بالدولار ضمن إجراءات تتعلق بمكافحة غسل الأموال والتحويلات غير المشروعة.