تغيير حجم الخط     

تأثيرات الفساد الكارثية على حقوق الناس الاقتصادية والاجتماعية في العراق

مشاركة » الأحد أغسطس 02, 2026 1:23 am

3.jpg
 
بغداد ـ «القدس العربي»: بالرغم من الأزمات المزمنة المتراكمة التي يعاني منها العراقيون منذ 2003، فقد قابلوا باهتمام شديد، الحملة التي أعلنت الحكومة العراقية عنها لمكافحة الفساد في بلاد دمرها النهب والهدر الهائل للثروات الوطنية الذي ليس له مثيل في أي دولة في العالم.
ويعود اهتمام العراقيين إلى بارقة أمل في إمكانية ان تؤدي الحملة إلى إصلاحات حقيقية تعيد حقوق الشعب وتوظف ثرواته لإنقاذ البلاد من الهاوية التي ضيعت الحقوق والثروات وحرمت الشعب من حقوقه في الخدمات الأساسية التي يفتقدها والتي أوصلته إلى مستوى البلدان المتخلفة.
ومع استمرار الحديث هذه الأيام عن توجهات حكومية لمكافحة الفساد وإجراء إصلاحات داخل بعض مؤسسات الدولة، تتصاعد المطالبات بأن تشمل جهود مكافحة الفساد جميع مفاصل الحكومة من دون استثناء، وأن تخضع الملفات المالية والإدارية والعقود والإنفاق الحكومي، للرقابة والمساءلة وفق القانون. وجاءت هذه الدعوات في وقت تشهد فيه البلاد نقاشات متزايدة بشأن ضرورة معالجة ما يوصف بحالات الترهل والهدر المالي والتضخم الإداري والتمادي في معظم المفاصل الحكومية، وذلك ضمن الضرورات الملحة لمواجهة أصعب أزمة مالية تمر بها البلاد منذ سنوات، جراء الانخفاض الحاد في واردات تصدير النفط بسبب الحرب في الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز.

أبعاد كارثة الفساد

وقد أجرت «القدس العربي» لقاءات مع شرائح مختلفة من العراقيين في العاصمة العراقية وإقليم كردستان، حول تأثير الفساد اقتصاديا واجتماعيا، وتوقعاتهم لنتائج الحملة التي أعلنت عنها حكومة علي الزيدي مؤخرا.
وتحدث النائب وعضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، لـ«القدس العربي»، عن آثار الفساد، موضحا «أن الآثار الاقتصادية للفساد تبرز من خلال انخفاض إيرادات الدولة جراء نهب الأموال العامة، وانتشار الرشاوى والعمولات، وتفشي عقود المشاريع الوهمية والمبالغة فيها، ووجود ظاهرة الفضائيين والرواتب غير المستحقة، وهذا يؤدي إلى هدر مليارات الدولارات سنويا».
وأضاف كوجر، «أن الفساد يزيد العجز المالي، وإذا انخفض الهدر المالي بنسبة 20–30 في المئة فقط، فقد ينخفض العجز بشكل ملحوظ، وتتوفر أموال أكبر للاستثمار بدلاً من الإنفاق المهدور. وبالنسبة إلى الاستثمار فإنه يضعف عندما لا يشعر المستثمر المحلي والأجنبي أن القانون يُطبق وأن الرشوة لم تعد شرطاً لإنجاز الأعمال. وبالتالي فإن الفساد يقلل الاستثمار ويزيد كلفة ممارسة الأعمال ويخفض فرص العمل، كما يضعف كفاءة الإنفاق ويقل عدد المشاريع. فالمشروع الذي كان يكلف مليار دولار بسبب الفساد قد يُنجز بنحو 700–800 مليون دولار مع الحفاظ على الجودة، ما يعني إنجاز مشاريع أكثر بنفس الموازنة، مشيرا إلى آثار اقتصادية أخرى للفساد منها ضعف قيمة الدينار مقابل الدولار وقلة الاحتياطيات وعدم استقرار السوق، وضعف الثقة بالإدارة المالية».
وعن الآثار الاجتماعية، أكد «أن الفساد يؤدي إلى انهيار ثقة المواطن بالدولة، وغياب العدالة والمساواة، وتفشي ثقافة الرشوة والمحسوبية، وتدهور معنويات الموظفين النزيهين، وهجرة الكفاءات، وانتشار البطالة، وتدهور الخدمات العامة بسبب عدم إدارة الموارد المالية بكفاءة ونزاهة».
أما عن مساهمة الحملة على الفساد التي تتبناها الحكومة حاليا، في التخفيف من الأزمة المالية الحالية، فذكر عضو اللجنة المالية النيابية، انها لا تكفي وحدها، فالحملة تعالج جانباً مهماً من المشكلة، لكنها لا تعالج جميع أسباب الأزمة، حيث أن الاقتصاد العراقي يواجه تحديات هيكلية مثل الاعتماد الكبير على النفط، وتضخم فاتورة الرواتب والتقاعد، ومحدودية الإيرادات غير النفطية، وضعف القطاع الصناعي والزراعي، وانخفاض إنتاجية مؤسسات الدولة، لذلك فإن مكافحة الفساد وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية وإدارية أوسع.
وأكد أن الحملة على الفساد تحقق تحولا حقيقيا، إذا اقترنت بإجراءات أبرزها رقمنة الخدمات الحكومية وإصلاح نظام المشتريات والعقود الحكومية وإصلاح النظام الضريبي والجمركي وإصلاح الشركات والمؤسسات العامة الخاسرة، إضافة إلى تنويع مصادر الدخل الوطني. وعندها فإن العراق قد ينتقل خلال سنوات من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وكفاءة.
وشدد كوجر على «إذا كانت الحملة ضد الفساد في العراق حقيقية، شاملة، ومستمرة وليست مجرد حملة إعلامية أو انتقائية، فإن آثارها ستكون من أكبر التحولات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ العراق، أما إذا كانت مؤقتة أو تستهدف بعض الملفات من دون إصلاح مؤسسات الدولة، فستكون آثارها محدودة».
ونوه النائب أن الحملة ضد الفساد يمكن أن تكون بداية الحل، لكنها ليست الحل الكامل. فهي توقف نزيف المال العام، بينما يتطلب التعافي المالي أيضاً بناء مصادر جديدة للإيرادات، وتحسين كفاءة الدولة، وتنشيط الاستثمار والإنتاج. وعندما يجتمع وقف الهدر مع تعظيم الإيرادات والإصلاح المؤسسي، تصبح معالجة الأزمة المالية أكثر واقعية واستدامة.
وكان المتحدث باسم الحكومة، أعلن في 11 حزيران/يونيو الماضي، أن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، أحال ملفات فساد في وزارات النفط والنقل والكهرباء إلى النزاهة والجهات الرقابية. وقال حيدر العبودي في تصريح صحافي، أن «مكافحة الفساد يعد أولوية قصوى في برنامج الحكومة، وإن الفساد يرتبط بعلاقة نفعية بين فاسد وغطاء يحمي حركته».
فيما كشف القاضي منير حداد المستشار القانوني لرئيس الوزراء علي الزيدي، أن حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز التريليونين دولار.
ووصف حداد خلال حديث للقناة العراقية الرسمية، أرقام السرقات وعقارات المتهمين بأنها تفوق مستوى العقل والمنطق.
مشيرا إلى أن «قائمة المتهمين تضم فاسدين من كبار المسؤولين من بينهم مسؤولون حاليون وسابقون ونواب، وأن الجرائم المنظورة لا تقتصر على الاختلاس التقليدي، بل تشمل أيضاً قضايا تضخم الثروة المالية غير الطبيعي والتي تخضع بشكل مباشر لمبدأ (من أين لك هذا) وتُصنف قانونياً ضمن جرائم غسيل الأموالـ«.
ولفت المسؤول العراقي إلى أن الأرقام المضبوطة بحوزة وكلاء وزارات ومسؤولين لا تصدق، لدرجة قيام زوجة أحد المتهمين بشراء عقار بقيمة خمسة ملايين دولار وهو مبلغ يكفي لبناء أكبر فيلا في باريس أو أمستردام، فضلاً عن ضبط مسؤولين يمتلك كل واحد منهم أكثر من خمسين عقاراً مسجلاً باسمه أو بأسماء عائلته.
وأوضح حداد أن «القوانين العراقية المتعلقة بحماية المال العام تلزم بمحاسبة ومحاكمة المسبب والجهات التي كانت خلف تعيين هؤلاء الفاسدين أو وضعهم في مناصبهم الحساسة»، مستغرباً من «كيفية قفز موظفين أو مهندسين بسطاء فجأة إلى منصب وكيل وزير بدون كفاءة تؤهلهم لذلك، سوى بدافع التغطية على السرقات»، كاشفا أن «جميع الأموال المستردة والعقارات المحتجزة ستعود بالكامل إلى خزينة الدولة العراقية».

التأثيرات
الاقتصادية للفساد المالي

ولعل أبرز نتائج الحملة ضد الفساد المستشري وتداعيات حرب الخليج، قيام الحكومة العراقية بإعادة النظر في الإدارة الاقتصادية للبلاد، من خلال البحث عن بدائل وآليات جديدة لسد العجز، تراعي المتغيرات التي يمر بها العراق والمنطقة، أبرزها السعي لإحياء مشاريع أنابيب النفط القديمة عبر سوريا والأردن، وتغيير أسلوب إعداد الميزانية السنوية، والسعي لزيادة العوائد المالية غير النفطية كالرسوم والضرائب وموارد المنافذ الحدودية، إضافة إلى السعي للحصول على القروض الداخلية والخارجية، وطبع العملة الوطنية، وغيرها من الإجراءات لتغطية العجز الكبير في الموارد المالية.
وفي هذا السياق، أعلن وزير النفط باسم محمد خضير، في تموز/يوليو 2026، «أن العراق سيطوي نهائياً ملف حرق الغاز المصاحب بحلول نهاية عام 2028»، مؤكدا أن مشاريع تطوير الحقول الغازية ستقود إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وإنهاء استيراد الغاز، بالتزامن مع إعداد خطة استراتيجية لإنشاء شبكة أنابيب جديدة تفتح منافذ إضافية لتصدير النفط بعيداً عن الاعتماد على مضيق هرمز.
وقال خضير، في تصريحات من العاصمة الأمريكية واشنطن، إن الوزارة تمضي بتنفيذ مشاريع متوازية في حقول غازية رئيسية، أبرزها حقل المنصورية وحقل عكاز، إلى جانب حقول أخرى، بهدف توفير كامل احتياجات العراق من الغاز وصولاً إلى إنهاء الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي. في إشارة إلى تعمد هدر الغاز المصاحب من الابار العراقية منذ سنوات بهدف استمرار استيراد الغاز الإيراني.
كما وقع العراق وسوريا في تموز الماضي، مذكرة لإعادة تأهيل أنبوب النفط الممتد من حديثة إلى بانياس، على أن تتولى شركة شيفرون الامريكية تنفيذ المشروع. ويتمتع المشروع بطاقة نقل أولية تصل إلى مليوني برميل من النفط الخام يومياً، ما يجعله أحد أبرز مشاريع البنية التحتية في قطاع الطاقة بالمنطقة.
وبهذا الصدد، كتبت الباحثة زينب حسين صبيح، مقالا جاء فيه «في ظل تصاعد التوترات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تهديدات متكررة ‏بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة البحرية فيه، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في ‏استراتيجية تصدير النفط العراقي، والانتقال من الاعتماد على منفذ تصديري واحد إلى تبني ‏سياسة تنويع منافذ التصدير، بما يعزز أمن الطاقة العراقي ويضمن استمرارية تدفق الإيرادات ‏النفطية حتى في أوقات الأزمات. ومن هذا المنطلق، عاد مشروع أنبوب النفط العراقي (البصرة–‏العقبة) إلى واجهة الاهتمام بوصفه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد رسم ‏خريطة الصادرات النفطية العراقية، من خلال إنشاء منفذ تصدير مباشر على البحر الأحمر عبر ‏الأراضي الأردنية، بما يقلل من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمنطقة الخليج العربي.‏
ولا تقتصر أهمية المشروع على كونه مشروعاً لنقل النفط الخام، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية ‏واستراتيجية وتنموية متعددة، تتمثل في تعزيز مرونة الاقتصاد العراقي، وتنويع منافذ التصدير، ‏وجذب الاستثمارات، وتحفيز مشاريع البنية التحتية، فضلاً عن توطيد العلاقات الاقتصادية بين ‏العراق والأردن، وفتح آفاق جديدة للتكامل الإقليمي في قطاع الطاقة. كما يمثل المشروع إحدى ‏الأدوات المهمة في إدارة المخاطر الاقتصادية، إذ يوفر بديلاً عملياً لاستمرار الصادرات النفطية ‏في حال حدوث اضطرابات في الممرات البحرية التقليدية، الأمر الذي يسهم في حماية الإيرادات ‏العامة وتقليل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف الصادرات».‏

التأثيرات الاجتماعية للفساد

يتفق المراقبون انه بالرغم من كل التحفظات حول تفشي الفساد وغياب سياسة الشفافية التي لازمت الحكومة العراقية والأحزاب التي تقودها منذ 2003، فإن حملة مكافحة الفساد أدت إلى إحياء نسبي لثقة المواطنين بالحكومة التي تعهدت بالجدية في مواجهة الفساد وجعلته في مقدمة أهداف برنامج عملها، بالتزامن مع الدعوات الشعبية والسياسية لعدم الاكتفاء بضرب صغار المسؤولين وضرورة التوجه إلى ضرب الرؤوس الكبيرة لحيتان ومافيات الفساد التي تهيمن على الاقتصاد في البلاد وتحرم الشعب منها.
وتحدث الخبير الاقتصادي محمد الدليمي، لـ«القدس العربي» عن القناعة بأن مشاكل العراق الاقتصادية ليست في عدم توفر الموارد، بل في إدارتها، مؤكدا أن الفساد المالي وهدر الثروات يعد أخطر المشاكل والتحديات أمام العراقيين حاليا.
وأشار إلى أن حملة الحكومة لاسترداد الأموال من الفاسدين، تساعد في توفير موارد مالية هائلة تسهم في سد العجز ودفع رواتب جزء كبير من الموظفين والمتقاعدين، كما أن الحد من الفساد يخدم توفير فرص مهمة لتنفيذ المشاريع وتوفير فرص عمل للشباب وتقديم الخدمات.
وذكر الدليمي أن الحملة أفرزت مخاوف وآمال كثيرة ومتباينة بنتائجها في تحقيق الإصلاحات المنشودة في الاقتصاد والمجتمع، منها مخاوف من ان تشمل الحملة فئة أو طائفة معينة دون أخرى تتمتع بالنفوذ السياسي وتستقوي بالميليشيات.
وأضاف «هناك أمل في ان تؤدي الحملة على الفساد إلى الحد من البطالة الواسعة وتقليل الفقر، والحد من نشاط مافيات الإتجار بالبشر والمخدرات التي ترتبط بشكل أو آخر بشبكات الفساد. كما يمكن أن تؤدي الحملة إلى استبعاد بعض المسؤولين الفاسدين وحلول إدارات جديدة تحد من الفشل الإداري لأداء الدولة من حيث توفير الخدمات والإدارة الرشيدة للموارد العامة والتخطيط السليم.
وأضاف الدليمي أن العراقيين يأملون في أن يؤدي مكافحة الفساد إلى التخلص من النفوذ الإقليمي الذي يعد الموجه والمشجع لحيتان ومافيات الفساد التي اعتادت تهريب مئات المليارات من الدولارات إلى الدول الخارجية وأبرزها إيران والإمارات والأردن ولبنان وتركيا وغيرها من الدول، وسط قناعة عامة لدى العراقيين بان الفساد والنهب الواسع لثروات البلاد يعكس تنامي النفوذ الأجنبي في البلاد.
ومن جانب آخر وفي سياق المخاوف من تسييس الحملة ضد الفساد، أكد عضو الاتحاد الوطني الكردستاني برهان الشيخ رؤوف، أن الحديث عن تفعيل المساءلة القانونية بحق الفاسدين واستعادة الأموال العامة يمثل مبدأً مهماً من حيث الشكل، لكنه حذر في المقابل من أن تطبيق هذه الإجراءات قد ينحرف عن مساره القانوني إذا لم يتم التعامل معه بمعايير موحدة وبعيدة عن التسييس.
وقال الشيخ رؤوف في تصريح تابعته الصحيفة، إن «مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون خطوة إيجابية ما لم تُطبق على الجميع بدون استثناء، وإلا فإنها ستتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو استهداف أطراف معينة دون غيرها»، مبيناً أن «تجربة العراق السابقة في ملفات الفساد أظهرت وجود انتقائية في فتح القضايا وإغلاق أخرى وفقاً للنفوذ السياسي».
وأضاف أن «استخدام مؤسسات الدولة في ملفات المال العام يجب أن يخضع لرقابة قضائية ومؤسساتية صارمة وليس لقرارات منفردة أو ضغوط سياسية محذراً من أن غياب العدالة في هذا الملف سيضعف ثقة المواطنين بالدولة ويعمّق أزمة الشارع مع السلطة».
وضمن تقييم الخبراء لحالة الفساد في العراق، قدم الأستاذ الدكتور عبد الحسين العنبكي في مؤلفه «المافيا في الاقتصادات الهشة.. العراق ‏أنموذجا» تشريحا لأزمات الاقتصاد العراقي، متجاوزاً السطحيات التبريرية ليغوص في أعماق البنية ‏الهيكلية المأزومة، ومبينا أن هذه القراءة لا تكتفي بعرض الأرقام والمؤشرات، بل تتقصى الآليات التي حولت ‏‏»السياسة الاقتصادية» في العراق من أداة للتنمية إلى معول لهدمها، لصالح كيانات موازية تغتني على حساب ‏تدمير القاعدة الإنتاجية الوطنية.‎
ويكشف الكتاب عن جدلية الصراع بين «الرسمي» و«اللارسمي»، وكيف ‏استطاعت المافيات ـ بتواطؤ أو عجز حكومي ـ أن تفرض منطقها على صُناع القرار، مُحولةً التحديات ‏الكبرى كالبطالة، والسكن، والإنتاج، وهشاشة العملة، إلى فرص للربح الفاحش والابتزاز السياسي.

انخفاض هائل في صادرات النفط

والجدير بالذكر انه إضافة إلى تأثير الفساد، فإن واردات تصدير النفط العراقي، شهدت انخفاضا هائلا خلال الأشهر الأخيرة، ما أدخل العراق في أزمة مالية كارثية أجبرت الحكومة على مراجعة حساباتها المالية ومنها التعامل مع ظاهرة الفساد التي تستنزف موارد مالية هائلة.
وقد أعلنت وزارة النفط، في تموز/يوليو الماضي، الإحصائية النهائية للصادرات النفطية والإيرادات المتحققة لشهري أيار/مايو وحزيران/يونيو 2026، بحسب بيانات شركة تسويق النفط «سومو».
وذكرت الوزارة في بيان، أن «مجموع صادرات النفط الخام، بما فيها المكثفات، بلغ 32 مليوناً و114 ألفاً و677 برميلاً، بإيرادات بلغت 2 مليار و335 مليوناً و537 ألفاً و399 دولارا».
وساهم في انخفاض الصادرات النفطية العراقية، عاملان هما إغلاق مضيق هرمز إضافة إلى تعرض حقول النفط والمصافي العراقية إلى هجمات متواصلة بطائرات مسيرة وصواريخ موجهة مصدرها إيران وجماعات عراقية مسلحة موالية لها.
وفي المقابل، فقد ارتفعت الإيرادات غير النفطية في العراق في الأشهر الأخيرة، ضمن البدائل المتاحة للتعويض الجزئي عن انخفاض واردات تصدير النفط العراقي، حيث أعلن مرصد ايكو عراق، عن ارتفاع مساهمة الإيرادات غير النفطية لتصل لأول مرة إلى نسبة 16 في المئة من اجمالي الإيرادات المالية للعراق خلال شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو الماضيين.
ويرى الخبراء والمطلعون أن محاربة الفساد في ظروف العراق تتطلب إرادة سياسية قوية لاستعادة حقوق الشعب، مدعومة بتأييد شعبي وسياسي، لتغطية الملاحقة الجدية للفاسدين التي ستوفر موارد هائلة للدولة وتغنيها عن البحث عن قروض خارجية.
مع القناعة أن أي مشروع إصلاحي في العراق، للحفاظ على حقوق وثروات البلاد، من آفة الفساد ونهب المال العام، لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يتضمن مراجعة حقيقية للسياسة الاقتصادية للحكومة وأحزابها الحاكمة، عبر الإدارة الرشيدة للموارد وإصلاح آليات الإنفاق والإدارة والتعاقد داخل جميع مؤسسات الدولة، والبحث عن بدائل متاحة، وذلك للحد من ظاهرة الفساد المدمرة للاقتصاد والمجتمع.
علما أن العراق ومنذ سنوات شهد مطالبات متكررة بإجراء الإصلاح الإداري والمالي وتعزيز دور الهيئات الرقابية في متابعة ملفات الهدر والفساد، ومحاسبة المتورطين في قضايا الفساد ضمن الأطر القضائية والقانونية المعتمدة، إلا أن تلك الدعوات لم تجد استجابة من الحكومات السابقة، وذلك لكون حيتان الفساد تحظى بدعم وإسناد أحزاب متنفذة في الدولة ومن دول إقليمية. فهل تنجح حكومة علي الزيدي في تحقيق ما عجزت عنه الحكومات السابقة؟
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron