أظهرت الحرب مع إيران أن مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف، ليس فقط لصادرات الطاقة، بل لربط اقتصادات الخليج بالعالم. وقد أثبتت البدائل الحالية جدواها، ولكنها كشفت أيضاً عن محدوديتها: فقد أدى تحويل النفط السعودي إلى ينبع إلى زيادة الاعتماد على باب المندب، الخاضع لحصار الحوثيين؛ ولا تقدم الفجيرة سوى حل جزئي؛ ولا يوجد حالياً بديل لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية. لذا، فإن الهدف ليس استبدال مضيق هرمز، بل إنشاء بنية احتياطية – شبكة من خطوط الأنابيب والموانئ والممرات التي من شأنها أن تُمكّن من احتواء الحصار.
في هذا السياق، من المناسب دراسة مدّ خط أنابيب من شرق المملكة العربية السعودية عبر سلطنة عُمان إلى بحر العرب، متجاوزًا مضيق هرمز وباب المندب، ومتجهًا مباشرةً إلى أسواق آسيا. ويتطلب المنطق نفسه إعادة النظر في ممر IMEC. فما دام مدخله الشرقي هو ميناء جبل علي، فإنه يعتمد على هرمز. ولا جدوى من التخلي عن جبل علي، المركز اللوجستي الهام في الشرق الأوسط، إلا أن الحرب أظهرت مخاطر الاعتماد عليه كبوابة وحيدة للممر. لذا، من الصواب تطوير مداخل إضافية خارج هرمز، في الفجيرة والدقم، إلى جانب جبل علي. وبهذه الطريقة، سيتحول ممر IMEC من ممر يعتمد على نقطة اختناق واحدة إلى شبكة ذات احتياطيات.
تُظهر الاضطرابات المستمرة في حركة ناقلات النفط، وتضرر صادرات دول الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة، مدى هشاشة الوضع البيئي العالمي، إذ يعتمد جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية على مضيق هرمز، الممر البحري الضيق قرب إيران.
صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت باسنت مؤخرًا بأن المضيق سيصبح “بلا قيمة” في غضون عامين، مع تحوّل دول الخليج معظم صادراتها من الطاقة إلى خطوط الأنابيب البرية.
وتُشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أنه قبل الحرب، كان يمر عبر مضيق هرمز نحو 21 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، بالإضافة إلى المشتقات والمكثفات، أي ما يُعادل خُمس الاستهلاك العالمي للنفط. وفي الربع الثاني من عام 2026، انخفضت حركة النقل إلى 4.9 مليون برميل يوميًا فقط، أي بانخفاض يزيد عن 75 في المئة.
وفي نهاية آب، بلغ متوسط عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز 17 سفينة فقط يوميًا، مقارنةً بـ 135 سفينة قبل الحرب. في الوقت نفسه، شهدت السعودية تحولاً ملحوظاً في تدفق النفط إلى مضيق هرمز، ومنه إلى باب المندب: إذ ارتفعت التدفقات عبر باب المندب من 5.4 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2025 إلى 8.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني، أي بزيادة تقارب 50 في المئة. مع ذلك، لا تأخذ هذه الأرقام في الحسبان الإغلاق الذي أعلنه الحوثيون في تموز، والذي أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في التجارة عبر مضيق باب المندب.
ونتيجة لذلك، انخفضت صادرات النفط السعودية إلى أدنى مستوى لها في عقد من الزمان في آب 2026، لتصل إلى حوالي 3 ملايين برميل يومياً فقط، مقارنةً بـ 7.3 مليون برميل يومياً في شباط. توضح هذه النتيجة إمكانية تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وحدوده: فتقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة قد يزيد الاعتماد على نقطة اختناق أخرى.
يُشكل الخطر المادي في مضيق هرمز بُعدًا إضافيًا يصعب قياسه، ألا وهو عدم اليقين ونقص المعلومات الموثوقة حول حالة المضيق. فالبيانات الواردة من مصادر مختلفة حول عدد الهجمات وحجم حركة الملاحة والألغام والمناطق الخطرة لا تتطابق دائمًا، وفي ظروف الحرب، يصعب التأكد من سلامة مسار مائي معين. ومن وجهة نظر شركات الشحن والتأمين، فإن مجرد فتح المضيق لا يكفي ما بقي الشك قائمًا حول المخاطر الفعلية. ومع استمرار استهداف السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن حالة عدم اليقين هذه تُثني الشركات عن العودة إلى هرمز، وترفع أقساط التأمين، وتُطيل أمد الاضطراب حتى بعد انحسار التهديد العسكري المباشر. وهذا يُضيف بُعدًا آخر لمخاوف دول الخليج: فليس كافيًا ضمان فتح هرمز، بل يجب إقناع السوق بأنه أمن.
استعادة حرية الملاحة تُمثل تحديًا كبيرًا يتعلق بالمعلومات والثقة وإدراك المخاطر، وليس فقط بالسيطرة العسكرية على المجال البحري.
تتناول هذه المقالة إمكانية تجاوز المضيق، وإلى أي مدى، باستخدام خطوط الأنابيب (التي تنقل النفط الخام فقط، وليس المشتقات النفطية) وطرق التصدير البديلة، وتحلل قيود كل بديل، وتقترح إمكانية مدّ خط أنابيب نفط سعودي إلى عُمان. تتجاوز أهمية هذه المسألة أمن الطاقة، فبقدر نجاح دول المنطقة في بناء شبكة من الطرق البديلة، قد يضعف أحد أهم أدوات الضغط الاستراتيجية الإيرانية، مما قد يُغير الواقع الجيوسياسي في الخليج تدريجيًا. لا يكمن السؤال في إمكانية الاستغناء عن مضيق هرمز تمامًا، بل في إمكانية تحويل إغلاقه من حدث مُعيق إلى حدث قابل للاحتواء.
التحويل إلى الغرب: ينبع
يُعدّ نظام خطوط الأنابيب السعودي، الذي يربط حقول النفط في شرق المملكة بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، البديل الأهم لتجاوز مضيق هرمز. بحسب شركة أرامكو، تبلغ الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب حوالي 7 ملايين برميل يوميًا، منها حوالي مليوني برميل تُضخ إلى مصافي التكرير في غرب المملكة، ما يترك حوالي 5 ملايين برميل يوميًا للتصدير (مع عدم وضوح إمكانية الحفاظ على هذا التدفق الأقصى على المدى الطويل). وقد زادت الحرب بالفعل من أهمية هذا الخط بشكل ملحوظ، وتدرس الرياض حاليًا توسيع طاقته الاستيعابية بمقدار مليوني برميل إضافية يوميًا، وإشراك دول مجاورة، بما فيها الكويت. يُعد هذا الخط الأكثر قدرة على تغيير معادلة مضيق هرمز. فإذا تمكنت السعودية من زيادة طاقتها الاستيعابية، لتعزيز قدرة ميناء ينبع على استيعاب كميات أكبر من النفط، ونقل معظم صادراتها النفطية غربًا بانتظام، فإن ذلك سيحد بشكل كبير من قدرة إيران على استخدام المضيق ضد المملكة.
ربط الكويت أو غيرها من الدول المنتجة للنفط بالشبكة السعودية في المستقبل سيحولها من بنية تحتية وطنية إلى “شريان استراتيجي” إقليمي.
مع ذلك، لا يُعد هذا حلاً كاملاً. يُعرّض التصدير من ينبع البنية التحتية لخطوط الأنابيب للهجوم (وقد هاجمتها إيران بالفعل)، ويستبدل نقطة اختناق بأخرى – باب المندب، حيث يوجد حاليًا حصار من قبل الحوثيين. يمكن ضخ النفط شمالًا عبر البحر الأحمر إلى العين السخنة، ومن هناك عبر خط أنابيب سوميد المصري، الذي تبلغ طاقته حوالي 2.5 مليون برميل يوميًا، إلى سيدي كرير في البحر الأبيض المتوسط، أو عبر ناقلات النفط عبر قناة السويس.
ومع ذلك، يُعد هذا حلًا طارئًا أكثر منه بديلًا اقتصاديًا كاملًا: فمعظم عملاء النفط السعوديين موجودون في آسيا، لذا يجب دمج النفط الواصل إلى البحر الأبيض المتوسط إما في عمليات تبادل الشحن العالمية أو مواصلة رحلته عبر جبل طارق ورأس الرجاء الصالح شرقًا. والنتيجة هي زيادة مدة الإبحار، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، والحاجة إلى عدد أكبر من ناقلات النفط. وبالتالي، يوفر خط سوميد وقناة السويس للمملكة بعض المرونة، لكنهما لا يحلان مشكلة جغرافية السوق السعودي.
التوجه جنوبًا: الفجيرة
تتمتع الإمارات العربية المتحدة بموقع جغرافي أكثر ملاءمة. يربط خط أنابيب حبشان-الفجيرة حقول النفط في أبو ظبي مباشرةً بساحل خليج عُمان، أي خارج مضيق هرمز. تبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية للخط حوالي 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا. وقد أعلنت أبو ظبي أنها تعمل على مضاعفة طاقتها، وهي خطوة من شأنها أن تسمح لها بنقل أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027. وبهذا المعنى، يُعد النموذج الإماراتي أقرب ما يكون إلى “تجاوز مضيق هرمز”: خط أنابيب قصير نسبيًا، يقع بالكامل داخل أراضي الدولة، ويصل مباشرةً إلى المحيط الهندي دون الاعتماد على باب المندب أو قناة السويس. مع ذلك، لا يخلو الأمر من المخاطر. تقع الفجيرة على خليج عُمان، في بيئة يسهل الوصول إليها بواسطة الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والأنشطة الإيرانية.
علاوة على ذلك، لا تقتصر المشكلة على صادرات الطاقة. باستثناء المملكة العربية السعودية، التي تمتلك منفذًا رئيسيًا على البحر الأحمر، تعتمد دول الخليج أيضاً على مضيق هرمز لتلبية احتياجاتها التجارية المستمرة. تقع الموانئ الرئيسية في الكويت وقطر والبحرين، بالإضافة إلى ميناء جبل علي في دبي، وموانئ أخرى في الإمارات العربية المتحدة، وموانئ سعودية هامة، داخل الخليج. لذا، فإن أي انقطاع طويل الأمد في حركة هرمز لا يؤثر فقط على صادرات النفط والغاز، بل يؤثر أيضاً على دخول سفن الحاويات والمواد الغذائية والمواد الخام والسلع المستوردة. ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي أوسع بكثير من مجرد أمن الطاقة. وتُجسد حالة دبي أبعاد المشكلة: فقبل الحرب، كان ميناء جبل علي يستوعب حوالي 40 ألف حاوية نمطية (TEU) يوميًا، ولكن في الأسابيع الأولى من الحرب، انخفض النشاط بأكثر من 90 في المئة وكاد يتوقف تمامًا. وقد تعافى الميناء منذ ذلك الحين. إنه ليس مجرد ميناء، فالنظام الاقتصادي الذي تطور حول جبل علي مسؤول عن أكثر من خُمس الناتج المحلي الإجمالي لدبي.
لذا، حتى دولة كالإمارات العربية المتحدة، التي نجحت في إيجاد بديل جزئي لصادرات النفط عبر الفجيرة، تبقى عرضةً بشدة لإغلاق مضيق هرمز، الذي أدى حصاره إلى عزل جزء كبير من اقتصادات الخليج عن سلاسل التجارة العالمية.
ومن المتوقع أن يتفاقم التحدي الذي يواجه الإمارات. فقد كان خروج الإمارات من منظمة أوبك في أيار 2026 يهدف، من بين أمور أخرى، إلى تمكينها من استغلال طاقتها الإنتاجية التي وسعتها في السنوات الأخيرة بحرية أكبر، وتستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ حوالي 5 ملايين برميل يوميًا في عام 2027. ومع ذلك، حتى بعد التوسعة المخطط لها لخط أنابيب حبشان-الفجيرة، من المتوقع أن تصل طاقته إلى حوالي 3 ملايين برميل يوميًا فقط. وبالتالي، حتى في حالة التوسع الكامل، لن يكون خط الأنابيب كافيًا لنقل كامل إمكانات التصدير الإماراتية. وتُظهر هذه الفجوة أن زيادة الاستقلالية في سياسة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة الاستقلالية في القدرة التصديرية.
العراق: مخرجٌ نحو الشمال والغرب
لقد أظهرت الحرب هشاشة العراق الشديدة، الذي كانت معظم صادراته النفطية تمر عبر البصرة وممر هرمز. واستجابةً لذلك، بدأت بغداد في إعادة إحياء سلسلة من طرق التصدير البديلة. ويُعدّ خط أنابيب البصرة-الحديث المكوّن الرئيسي لهذه الطرق، إذ من المفترض أن ينقل ما يصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا من جنوب العراق إلى غربه، وأن يتيح إمكانية الربط مع سوريا وتركيا وحتى الأردن. وفي الوقت نفسه، تُجرى مناقشاتٌ لإعادة فتح الطريق عبر سوريا إلى بانياس وطرابلس، وتوسيع الصادرات عبر خط أنابيب كركوك-جيهان في تركيا. وإذا ما تحققت هذه المشاريع، فقد تُشكّل من أهم التغييرات الهيكلية التي أفرزتها الأزمة: بناء قدرة عراقية على توجيه النفط غربًا نحو البحر الأبيض المتوسط. إلا أن هذه المشاريع مكلفة وتستغرق سنواتٍ عديدة، وتعتمد على الاستقرار السياسي والأمني في العراق وسوريا. ولا ينبغي النظر إليها كحلٍّ للأزمة الراهنة، بل كاستثمارٍ في تعزيز القدرة على الصمود خلال العقد القادم.
عُمان: بديل مُحتمل
تتمتع عُمان بميزة فريدة بفضل موقعها الاستراتيجي. فميناءاها في الدقم وتلالة يطلان مباشرةً على بحر العرب والمحيط الهندي. ولذلك، يُمكن لعُمان أن تُصبح تدريجيًا “بوابة خلفية” للخليج. على المدى القريب، لا يوجد حاليًا نظام أنابيب قادر على ضخ كميات كبيرة من النفط السعودي أو الإماراتي أو الكويتي إلى الدقم أو تلالة. مع ذلك، على المدى المتوسط والبعيد، يُمكن النظر في دمج خطوط الأنابيب والقطارات ومرافق التخزين والمصافي والموانئ. ويُوضح الربط المُخطط له بين شبكة السكك الحديدية الإماراتية وصحار إمكانية جعل عُمان جزءًا من بنية تحويلية أوسع.
وتكمن ميزة المسار العُماني في جانبين: فهو يتجاوز مضيق هرمز ولا يتطلب المرور عبر باب المندب. مع ذلك، حتى هذا المسار ليس بمنأى عن المخاطر نظرًا لقربه النسبي من إيران، التي هددت عُمان وألمحت إلى إمكانية استهدافها لمنشآت استراتيجية على أراضيها.
يُوصى بدراسة مدّ خط أنابيب من حقول النفط في شرق المملكة العربية السعودية جنوبًا، مرورًا بالربع الخالي، وصولًا إلى سلطنة عُمان. من الناحية الهندسية، لا يُعدّ هذا المسار مستحيلًا، فقد سبق لشركة أرامكو مدّ خطوط أنابيب أطول. كما أن ظروف الصحراء ليست عائقًا تامًا، إذ يوجد خط أنابيب يربط حقل الشيبة بمنشآت أرامكو شمالًا. ووفقًا لمقترحات نُشرت سابقًا، يُمكن أن تصل طاقة خط الأنابيب السعودي العُماني إلى 7 ملايين برميل يوميًا. لذا، فإن ميزته واضحة: سيمنح المملكة العربية السعودية منفذًا تصديريًا إضافيًا مع وصول مباشر إلى بحر العرب وأسواق آسيا، دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز أو باب المندب. أما عيبه، فيكمن في ارتفاع تكلفة الإنشاء والاعتماد على عُمان كدولة عبور، ولكن هناك مجال لإعادة النظر فيما إذا كانت هذه التكلفة أقل من التكلفة الاستراتيجية للاستمرار في الاعتماد على هرمز.
ليست هذه الفكرة جديدة، بل سبق أن حظيت بدعم شعبي على مستوى رفيع في عُمان. في تشرين الثاني 2021، دعا وزير الاقتصاد العماني سعيد بن محمد الصقري إلى إحياء خطة مدّ خط أنابيب نفط من السعودية إلى عُمان. ووصف الصقري المشروع بأنه ذو “أهمية استراتيجية”، مؤكدًا أن الوقت قد حان لنقل النفط السعودي إلى بحر العرب عبر عُمان. لم تُحرز الخطة تقدمًا يُذكر منذ ذلك الحين، إلا أن الحرب منحتها بُعدًا جديدًا: فبخلاف الربيع، سيتجاوز خط دقم مضيق هرمز وباب المندب، وعلى عكس الطرق المتجهة شمالًا إلى البحر الأبيض المتوسط، سيتجه مباشرةً نحو آسيا – السوق الرئيسية للنفط السعودي.
نقطة الضعف: الغاز الطبيعي المسال
أي نقاش حول “تجاوز هرمز” يجب أن يُفرّق بين النفط والغاز الطبيعي المسال. توجد بدائل للنفط، لكن لا توجد بدائل تُذكر للغاز الطبيعي المسال. فعلى سبيل المثال، تمر جميع صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تقريبًا إلى السوق العالمية عبر مضيق هرمز، ونحو 80 في المئة منها مُخصصة لآسيا. لا يوجد حاليًا مسار بديل لنقل هذه الكميات إلى السوق العالمية. خط أنابيب دولفين من قطر إلى الإمارات وعُمان محدود السعة، ومنشآت تسييل الغاز في عُمان تعمل بكامل طاقتها تقريبًا. لذا، من الممكن تقليل اعتماد صادرات النفط على مضيق هرمز بشكل كبير، بينما يصعب تحقيق ذلك بالنسبة للغاز. على المدى البعيد، يمكن تصور إنشاء خط أنابيب غاز من قطر إلى عُمان، وبناء منشآت إضافية للغاز الطبيعي المسال في الدقم أو على الساحل العربي. إنه مشروع هندسي وجيوسياسي ضخم، لكنه لم يعد مجرد فكرة نظرية بعد الحرب.
بالنسبة لقطر، التي تُعدّ قدرتها التصديرية أساس قوتها الاقتصادية والسياسية، قد يصبح إنشاء “مخرج ثانٍ” إلى السوق العالمية ضرورة استراتيجية.
أظهرت الحرب أنه حتى مع ضمان حرية الملاحة في المضيق، فإن البنية التحتية للإنتاج والتسييل نفسها تُشكّل نقطة ضعف. ألحقت الهجمات الإيرانية في آذار 2026 أضرارًا برأس لفان، مركز تسييل الغاز الحيوي في قطر، مما أدى إلى خسارة نحو 17 في المئة من طاقة التصدير القطرية. وتشير التقديرات إلى أن الإصلاح سيستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات، مع خسارة سنوية في الإيرادات تُقدر بنحو 20 مليار دولار. وقد أعلنت قطر للطاقة حالة القوة القاهرة، واضطرت حتى إلى شراء شحنات من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي للوفاء ببعض التزاماتها تجاه عملائها في آسيا. إن حجم الاضطراب هائل: ففي الأشهر الستة الأولى من الحرب، لم تُصدّر قطر سوى 18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال، مقارنةً بـ 509 شحنات في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بانخفاض يزيد عن 90 في المئة في الصادرات. لذا، لا يقتصر التحدي الذي يواجه قطر على كيفية تجاوز مضيق هرمز فحسب، بل يتعداه إلى كيفية إنشاء بدائل لسلسلة التصدير بأكملها، بدءًا من إنتاج الغاز وتسييله وصولًا إلى نقله إلى الأسواق. فعلى سبيل المثال، لن يكون مدّ خط أنابيب إلى عُمان ذا جدوى إلا إذا تم إنشاء محطة تسييل كبيرة ومحمية خارج منطقة الخليج في نهايته. لذا، في حالة قطر، يُعدّ الحل الحقيقي أكثر تكلفة وتعقيدًا من مدّ خط أنابيب نفط بديل. كما يُمكن أن يُمثّل ربط قطر مستقبلًا بالشبكة السعودية وخط أنابيب الغاز الطبيعي المسال “لينبع” (المجاور لخط أنابيب الشرق والغرب) فكرة استراتيجية واعدة، إذ سيُتيح للدوحة، ولأول مرة، خيارًا بريًا غربًا لا يعتمد على مضيق هرمز، إلا أن هذه الخطوة تتطلب زيادة حجم الإنتاج والحصول على موافقة السعودية.
وتُثير مسألة تقليل الاعتماد على مضيق هرمز قلق إيران أيضاً، التي تُدرك منذ زمن أن نقطة الاختناق تُمثّل مصدر قوة ونقطة ضعف في آنٍ واحد. ولذلك، قامت بمدّ خط أنابيب يربط المناطق النفطية في غرب البلاد بمحطة جاسك في خليج عُمان، خارج مضيق هرمز. ويهدف المشروع، الذي دُشّن عام 2021، إلى السماح بتصدير النفط في حال حدوث اضطراب أو انسداد في المضيق، وفي عام 2026، بدأ استخدام المحطة مجددًا لتحميل البضائع، وإن كان ذلك على نطاق محدود. إن استثمار إيران نفسها في إنشاء بديل لمضيق هرمز يُفاقم المفارقة: فقدرتها على تهديد المضيق تمنحها نفوذاً كبيراً على جيرانها وسوق الطاقة العالمي، لكن اعتمادها على هذا الممر يُقيّد حريتها في التحرك.
الآثار المترتبة
الاستنتاج الرئيسي للسياسة هو أنه لا حاجة للبحث عن “بديل لمضيق هرمز”. فليس هناك طريق واحد قادر على نقل كميات النفط والغاز والبضائع التي كانت تمر عبره. بدلاً من ذلك، يكمن الحل في بنية احتياطية: خطوط أنابيب وموانئ وممرات ملاحية متعددة، بحيث لا يؤدي أي عطل في أحدها إلى شلّ النظام بأكمله. بالنسبة للسعودية، يعني هذا مدّ خط الأنابيب إلى ينبع مع تطوير خيارات باتجاه عُمان في الوقت نفسه. أما بالنسبة للإمارات، فيعني هذا توسيع الفجيرة والربط البري بعُمان. وبالنسبة لقطر، يعني هذا دراسة إنشاء خط أنابيب غاز ومرافق تسييل خارج الخليج. وينبغي استكمال ذلك بتخزين استراتيجي، والقدرة على تكرير وتصدير المنتجات النفطية خارج الخليج، وشبكات سكك حديدية، وبنية تحتية للكهرباء. لا تتحقق المرونة باستبدال مسار بآخر، بل بالقدرة على الاختيار بين عدة مسارات في أوقات الأزمات.
ومن القيود الأخرى لبعض البدائل لممر هرمز، ليس هندسيًا بل تجاريًا. فمن حيث المبدأ، يُمكن نقل النفط العراقي شمالًا إلى تركيا، لكن عملاء النفط العراقي الرئيسيين يقعون في شرق آسيا. وينطبق وضع مماثل على المملكة العربية السعودية، التي يقع معظم عملائها في شرق آسيا، فعندما يتعطل النقل في هرمز بسبب النفط القادم من ينبع، يجب أن يمر عبر باب المندب في طريقه إلى آسيا. وإذا ما أُغلق باب المندب أيضاً، فسيتعين على النفط من المنبع المتجه إلى آسيا أن يسلك طريقًا عبر البحر الأبيض المتوسط، ثم يدور حول أفريقيا، ويعود إلى المحيط الهندي، وهو مسار يُضيف أسابيع، وتكاليف نقل وتأمين، وقيودًا على نوع وحجم ناقلات النفط. لذلك، لا تُعدّ المسارات المتجهة شمالًا وغربًا بديلًا حقيقيًا لممر هرمز. ولهذا السبب أيضاً يعتبر البديل الجنوبي عبر عُمان مثيراً للاهتمام بشكل خاص: فهو لا يتجاوز هرمز وباب المندب فحسب، بل ينقل النفط مباشرة إلى المحيط الهندي، في الاتجاه الذي يتواجد فيه معظم عملائه على أي حال.
تُسرّع الحرب بالفعل من التحوّل من الحلول الطارئة إلى بنية لوجستية جديدة. فعلى سبيل المثال، وسّعت شركة موانئ دبي العالمية استخدام الطرق البرية التي تربط جبل علي بموانئ الساحل الشرقي، بينما أنشأت دبي وعُمان “ممرًا أخضر” يسمح بتفريغ البضائع في عُمان ونقلها برًا إلى الإمارات العربية المتحدة. ما بدأ كاستجابة مؤقتة للاضطرابات في مضيق هرمز قد يصبح عنصرًا دائمًا في النظام التجاري الإقليمي. في الوقت نفسه، تُجري عُمان محادثات مع إيران بشأن ترتيبات مستقبلية للمرور الأمن عبر مضيق هرمز، وتأمل دول الخليج أن تتوصل مسقط إلى تفاهمات مع طهران تسمح باستئناف حركة الملاحة المنتظمة في المضيق، حتى لو تطلّب ذلك في نهاية المطاف ترتيبًا تفاوضيًا ودفعًا مقابل المرور الأمن. تسعى دول الخليج إلى بناء بدائل، لكنها تُدرك أن المضيق سيظل شريانًا حيويًا، وبالتالي هناك حاجة إلى آلية للحد من مخاطر الملاحة فيه.
في ضوء ذلك، فإن توقعات وزير الخزانة الأمريكي بعيدة المدى، وربما صدرت في سياق سياسي. لا يُتوقع أن يفقد مضيق هرمز أهميته، وبالتأكيد ليس في غضون عامين. مع ذلك، يكمن وراء هذا الخطاب تغيير محتمل: فقد سرّعت الحرب الانتقال إلى مفهوم تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. الهدف الواقعي ليس عالماً بلا مضيق هرمز، بل نظام طاقة إقليمي لا يُعيق فيه تعطيل المضيق صادرات الطاقة الخليجية. تمكنت السعودية والإمارات من تصدير النفط جزئياً بفضل البنية التحتية التي أنشأتاها قبل الحرب.
في المقابل، تراجعت إيرادات العراق وقطر والكويت بشكل حاد، ما يؤثر سلباً على اقتصاداتها. والبدائل ليست بمنأى عن ذلك أيضاً: فخلال الحرب، تعرضت البنية التحتية لخطوط الأنابيب السعودية ومنشآت ميناء الفجيرة للهجوم.
لإسرائيل مصلحة في تقليل الاعتماد الإقليمي على مضيق هرمز، إذ يُقلل ذلك من قدرة إيران على تحويل التهديد العسكري للملاحة البحرية إلى ضغط اقتصادي عالمي. إضافةً إلى ذلك، لإسرائيل مصلحة أخرى: فمع ازدياد اعتماد نظام الطاقة الإقليمي على البر وترابطه، تزداد أهمية ممرات النقل والبنية التحتية التي تعبر الشرق الأوسط. على المدى البعيد، قد يُضفي الربط بين شبه الجزيرة العربية والأردن والبحر الأبيض المتوسط بُعدًا اقتصاديًا وبنيويًا على مشاريع مثل الممر الهندي (IMEC). مع ذلك، يربط الجزء الشرقي من الممر الهند بموانئ الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما جبل علي، الواقع في الخليج العربي والمعتمد على مضيق هرمز. في هذه الحالة، لا يُعالج الممر الهندي نقطة الضعف الأولى في سلسلة الموانئ، وهي مضيق هرمز. لذا، فإن الحرب تستدعي إعادة النظر، على الأقل، في مسار الممر الهندي: ينبغي أن تكون نقطة الدخول الشرقية للممر خارج مضيق هرمز، مثلاً في الفجيرة أو بدقم، ومن هناك إلى المملكة العربية السعودية، وإلا سيرث الممر الهندي التبعية الاستراتيجية التي يُفترض أن يُساهم في تقليلها.
نظرة عليا/معهد بحوث الأمن القومي INSS 10/9/2026