الوثيقة | مشاهدة الموضوع - بايدن يعترف بالهزيمة ويرفع رايات الاستسلام في افغانستان.. كيف انتصر الشعب الافغاني على أمريكا في أطول حروبها؟ وهل ستدخل قوات طالبان كابول مع انسحاب آخر جندي امريكي مثلما دخل “الفيت كونغ” سايغون؟ وأين “الهزيمة” الامريكية القادمة؟
تغيير حجم الخط     

بايدن يعترف بالهزيمة ويرفع رايات الاستسلام في افغانستان.. كيف انتصر الشعب الافغاني على أمريكا في أطول حروبها؟ وهل ستدخل قوات طالبان كابول مع انسحاب آخر جندي امريكي مثلما دخل “الفيت كونغ” سايغون؟ وأين “الهزيمة” الامريكية القادمة؟

مشاركة » الخميس إبريل 15, 2021 4:01 pm

عبد الباري عطوان
أخيرا، وبعد عشرين عاما من الحرب في أفغانستان، قرر الرئيس الأمريكي جو بايدن رفع اعلام الاستسلام البيضاء “المخضبة” بدماء اكثر من 2400 جندي قتيل، و21 الف جريح، وسحب جميع قوات بلاده (3500 جندي) قبل حلول الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) معترفا رسميا بالهزيمة.
هذا الإنجاز الكبير، الذي لا يقل أهمية عن هزيمة أمريكا في فيتنام، ما كان له ان يتحقق لولا صبر الأفغان ومقاومتهم المستمرة للاحتلال الأمريكي، ودعم الجيران، وخاصة باكستان لهم، ومدهم بالسلاح وبعض المال.
الحرب في أفغانستان التي كانت أطول حروب أمريكا، وكلفت دافع الضرائب الامريكي اكثر من ترليوني دولار، تذكرنا بإنسحاب نظيرتها من فيتنام الجنوبية هربا، ودخول قوات “الفيت كونغ” العاصمة سايغون رافعين علامة النصر وراياته، ولا نستبعد ان يتكرر المشهد نفسه بعد انسحاب آخر جندي من قوات حلف الناتو، بما فيهم القوات الامريكية في أيلول (سبتمبر) المقبل، ودخول قوات طالبان العاصمة كابول، وإعلان قيام امارة أفغانستان الإسلامية، مثلما تؤكد معظم المؤشرات، ان لم يكن كلها.
***
اصدق عبارة وردت على لسان بايدن في خطابه مساء الأربعاء، هي تلك التي قال فيها “انا رابع رئيس امريكي يعيش هذه الحرب، ولن اسلمها الى الرئيس الخامس الذي سيستلم الحكم بعدي” ولكنه لم يقل انه ادرك ما لم يدركه الرؤساء السابقون، أي استحالة قهر ارادة الشعوب، والاستمرار في احتلالهم بقوة الطائرات والصواريخ والمرتزق، وارتكاب المجازر في حق الأبرياء الأفغان.
الامر المؤكد ان اكتمال الانسحاب الأمريكي الأطلسي في أيلول (سبتمبر) المقبل سيخلق فراغا تملؤه حرب أهلية دموية، حيث ستحاول حكومة الرئيس اشرف غني القتال من اجل البقاء في السلطة، معتمدة على 300 الف جندي أفغاني دربهم حلف الناتو وسلحهم على مدى السنوات العشرين الماضية، ولكنها حرب قد لا تطول، وستدخل قوات طالبان التي تسيطر عمليا على حوالي 70 بالمئة من الأرض الافغانية العاصمة كابول، مثلما دخلتها اول مرة في خريف عام 1996، رافعة اعلامها على سرايا قصر الحكم.
طالبان قدمت وعودا في المفاوضات التي انخرطت فيها في الدوحة مع الامريكان، بالحفاظ على حقوق الانسان، وخاصة الحقوق المكتسبة للنساء طوال الاحتلال الأمريكي على مدى 20 عاما، حيث أصبحت النساء وزيرات وقاضيات وصحافيات ومذيعات ومدرسات، ولكن عندما يرحل آخر جندي امريكي، ومعها الطائرات الحربية التي كانت توفر الغطاء الجوي لأكثر من 300 الف جندي أفغاني على الأرض، فان الوعود شيء، والحفاظ عليها شيء آخر للأسف، ونأمل ان تحترم حركة طالبان التزاماتها، فالاسلام كفل هذه الحقوق كاملة، وعليها الاقتداء بجيرانها، وخاصة في باكستان.
الغطرسة الامريكية التي لا تُمارس الا في العالم الإسلامي تلقت “لكمة قاتلة” في أفغانستان، أطاحت بها الأرض، تماما مثل لكمات مماثلة في العراق وسورية واليمن، وقريبا في فلسطين المحتلة، فالزمن الامريكي يقترب من نهايته في ظل التغيير الكبير في موازين القوى، وظهور قوى عالمية جديدة، ستطيح بواشنطن ودولارها من عرش العالم.
دولتان من السهل على الغزاة احتلالهما، أفغانستان واليمن، ولكن من الاستحالة البقاء فيهما، ولا مناص من الخروج منهما بهزيمة مذلة ليس بسبب طبيعتها الجغرافية الجبلية الصعبة، وانما أيضا بسبب صلابة شعبها وإرادة المقاومة القوية، والتمسك بالكرامة وعزة النفس، ونحيلكم الى كتب التاريخ وهزائم الامبراطوريات البريطانية والعثمانية في وديان البلدين وجبالهما، ولكن هناك للأسف من لا يقرأ دروس التاريخ، ولا يستفيد منها.
كم كنت اسخر، وانا الذي زرت أفغانستان والتقيت الكثيرين من أبنائها، مجاهدين وقادة واناس بسطاء عاديين، وتنقلت بين سهولها وجبالها، كم كنت اسخر من “البروباغندا” الامريكية التي حصرت التقدم بتبرج النساء وحلق لحى الرجال امام عدسات التلفزة، وتصوير كل ذلك على انه فجر جديد للبلاد، نسأل وبكل سذاجة ماذا لو انفقت امريكا هذين الترليونين لبناء مستشفيات ومدارس، وجامعات، وتمويل خطط التنمية ومحاربة المخدرات وزراعتها فيها، مع التذكير بأن انتاج المخدرات تضاعف عدة مرات في أفغانستان بعد الاحتلال الامريكي، حسب احصاءات اممية رسمية.
***
أمريكا انتصرت على الروس في أفغانستان بتجنيد الإسلام المتشدد و”المجاهدين” المسلمين، وانتقمت من هزيمتها في فيتنام، ودقت بذلك المسمار الاضخم في نعش الإمبراطورية السوفييتية، وتحاول تكرار السيناريو نفسه في الصين حاليا، ولكنها لن تنجح، ليس لان العالم تغير، وانما لان العدو تغير، وادواتها القديمة أكلها الصدأ، وذهب مفعولها، وجفت ينابيع عوائدها النفطية، او في طريقها الى الجفاف سريعا.
نتمنى ان يتعلم “بعض” العرب ان ثمن المقاومة ارخص بكثير من ثمن الاستسلام لأمريكا ومؤامراتها، الكلام موجه للكثيرين، خاصة في رام الله وغزة.
زمن الهزائم الامريكية قد بدأ، وها هو بايدن يستجدي الرئيس فلاديمير بوتين للقائه، ويسحب سفنه الحربية من البحر الأسود، ويعرض على ايران تنازلات لم تحلم بها في مفاوضات فيينا، وتقصف الصواريخ حلفائه وسفنهم.. والقادم اعظم.. والأيام بيننا.
 

العودة إلى المقالات