في صيف 2006 اتُخذ قرار مجلس الأمن 1701، الذي وضع الحد لحرب لبنان الثانية؛ لأن حزب الله عاد وتمركز عسكرياً في جنوب لبنان خلافاً للاتفاق؛ وتزود بالصواريخ وسلاح متطور آخر، وحفر الأنفاق الهجومية، وأقام أبراجاً راقب من خلالها ما يحدث في الغرف المغلقة لسكان الشمال. وإيهود أولمرت، الذي كان يتعرض لضربات في الداخل والخارج، أغمض عينيه.
في انتخابات 2009 عاد نتنياهو إلى الحكم، وكعادته منذ ذلك الحين، اكتفى بتحذيرات ضعيفة وغير موثوقة، أكدت قول حسن نصر الله بأن “قوة الدولة الصهيونية كخيوط العنكبوت”. هكذا ولد مفهوم “الاحتواء” – الذي جلب علينا جولات قتال فاشلة في الجنوب والعجز، (“ضبط النفس يعتبر قوة”)، إزاء منظومة الصواريخ والأنفاق الهجومية في الجنوب والشمال.
وفي نهاية المطاف الكارثة الأكبر.
في خطابه الذي ألقاه في نهاية دورة ضباط في بداية هذا الأسبوع، تنصل نتنياهو (لفظياً على الأقل) من عقيدة الاحتواء التي قادها في سنوات حكمه الكثيرة، ووضع خطاً ثابتاً وواضحاً للنظام السوري الجديد: “نطالب بنزع كامل للسلاح في جنوب سوريا… ولن نتحمل أي تهديد للطائفة الدرزية”، وأضاف: “سيبقى الجيش الإسرائيلي في المنطقة العازلة لفترة غير محدودة… وسنحتفظ أيضاً بمناطق في لبنان إلى أن يفي لبنان بتعهداته في الاتفاق”.
ولتجسيد جدية هذه الأقوال، قصفت طائرات سلاح الجو بنى تحتية عسكرية في جنوب دمشق، المتبقية من النظام السابق. في المنطقة نفسها، حسب مصادر مختلفة، تراقب قوات برية إسرائيلية ألا تدق أي قوة أو مليشيا أو النظام الجديد وتداً في جنوب دمشق. تداعيات هذه العقيدة الجديدة، إذا لم يتراجع عنها نتنياهو، ستكون ثورية. لأن العقيدة السابقة التي اتبعها سمحت بوجود حزب الله على طول الحدود ولم تمنع حدوث الاقتحام من جنوب الحدود (تذكرون الخيمة؟)، وشجعت حزب الله وحماس على شن حرب تدميرية، التي نواجه نتائجها المؤلمة بدون نجاح زائد من سنة ونصف.
الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع احتج على مضمون الخطاب، لكنه سلم بمعناه العملياتي. فقد استدعى رؤساء الطائفة الدرزية، ونقل إليهم (خاصة لإسرائيل) رسائل بعيدة المدى: “نريد السلام… نريد بناء دولة، وتقديم الخدمات… لا نية لنا لشن حرب على أحد… نظام الحكم في سوريا يعمل على مصادرة السلاح الذي يُرسل إلى حزب الله عن طريق سوريا”. هذه أقوال ثورية، شريطة أن يتمكن من تطبيقها بإرادته وبنيته.
ماذا بشأن نتنياهو؟ يكشف فجأة أن التمسك – المدعوم بالأفعال – بطلبات إسرائيل الأمنية يستجاب لها (حتى لو كان ذلك مع صك الأسنان). والنغمة التي تخرج من البقاع في لبنان آخذة في التغير. أذننا تسمع.
لو اتبع مثل هذه السياسة، التي طلب كثير من الأشخاص الطيبين اتباعها، لبقيت حماس قوة هامشية لا تملك ما تشكل به خطراً على إسرائيل، وما كان يمكنها تنفيذ 7 أكتوبر، وربما بقي حزب الله منظمة دينية متعصبة، لكن بدون قوة فتاكة، مثل القوة التي حاربت ضدنا في المعركة الأخيرة.
يسرائيل هرئيل
هآرتس