لم تنتظر الولايات المتحدة الأمريكية نتائج تحقيق اللجنة المؤلّفة من أطراف اتحادية والإقليم ومن التحالف الدولي أيضاً، وتوعّدت بمحاسبة الميليشيات والجهات المسلحة التي تعمل خارج مظلّة الدولة.
بغداد ـ «القدس العربي»: على الرغم من تضارب الأنباء بشأن الجهات التي تقف خلف حادثة استهداف حقل «كورمور» الغازي في محافظة السليمانية، الذي تُديره شركة إماراتية، ودوافعها، لم تنتظر الولايات المتحدة الأمريكية نتائج تحقيق اللجنة المؤلّفة من أطراف اتحادية ومن الإقليم ومن التحالف الدولي أيضاً، وتوعّدت بمحاسبة «الميليشيات» والجهات المسلحة التي تعمل خارج مظلّة «الدولة»، الأمر الذي يضع الحكومة الاتحادية في موقف حرج.
القيادي في تحالف «متحدون»، محافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، يرى أن «الهجوم الإرهابي على حقل كورمور وضع السوداني أمام الامتحان الصعب لإيضاح موقفه بين الفصائل والأمريكان»، معتبراً إن رئيس الحكومة المنتهية ولايته «لم يعد بامكانه إقناع الجانبين والحصول على دعمهما».
وفي «تدوينة» للنجيفي، أفاد بأن «هذه الهجمات قد تجعل أطرافاً أخرى في الإطار أمام نفس الامتحان»، لافتاً في الوقت عينه إلى إنه «لاشك انه تصعيد كبير من بعض الفصائل لإحراج المترددين وإجبارهم على إعلان مواقفهم. وهو رد على جميع السياسيين الذين زاروا أربيل وأعلنوا استعدادهم للتوافق وتقديم الوعود».
وعقب أقل من 24 ساعة على الهجوم الذي وقع ليلة الأربعاء- الخميس الماضي، جددت الولايات المتحدة الأمريكية، إدانتها للهجوم على حقل غاز كورمور في السليمانية، واصفة الجهة المنفذة للهجوم بـ«الخبيثة» لاستهدافها الاستثمارات الأمريكية في العراق.
السفارة الأمريكية في العراق أفادت في بيان صحافي، أنها «تدين الولايات المتحدة بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف حقل غاز كورمور في السليمانية».
وتابعت: «ننضم إلى حكومة إقليم كردستان والشركاء العراقيين الآخرين في دعوة الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات فورية لمحاسبة مرتكبي هذا الهجوم الإرهابي، وهو الأحدث في سلسلة من المحاولات التي تقوم بها جهات خبيثة لزعزعة استقرار العراق واستهداف الاستثمارات الأمريكية في إقليم كردستان العراق»، بكون واشنطن تمتلك نسبة أيضاً في استثمار الحقل.
وعبر البيان عن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية «تقديم الدعم للجهود المبذولة لحماية هذه البُنى التحتية الحيوية، وسنواصل التأكيد على أهمية تمسك العراق بسيادته في مواجهة المحاولات الرامية إلى تقويضها، وضمان أن تكون جميع الأسلحة، وخاصة الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف، تحت سيطرة الدولة».
كذلك، أكد مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، أهمية عدم بقاء «الجماعات المسلحة» في العراق، مبينا أن أمريكا تدعم وجود كردستان قوية ضمن عراق موحد ومستقر.
وقال سافايا في «تدوينة» له، إن «مجموعات مسلحة تعمل بشكل غير قانوني وتتحرك بأجندات خارجية معادية نفذت هجوما على حقل كورمور للغاز»، حاثاً الحكومة الاتحادية على «تحديد المسؤولين عن هذا الاعتداء وتقديمهم للعدالة. وليكن واضحًا لا مكان لمثل هذه الجماعات المسلحة في عراقٍ ذي سيادة كاملة».
ولفت سافايا الذي تحدث أيضاً عن تلقيه أوامر من قائده الأعلى، دونالد ترامب، بشأن العراق، إلى أن «الولايات المتحدة ستدعم هذه الجهود دعمًا كاملًا. سيتم تعقب كل جماعة مسلحة غير شرعية وكل داعم لها، ومواجهتها، ومحاسبتها».
وبين أن «الولايات المتحدة تدعم وجود كردستان قوية ضمن عراق موحد ومستقر. ونشجع بغداد وأربيل على تعميق تعاونهما الأمني والعمل بشكل وثيق لحماية البنية التحتية الحيوية للاقتصاد والطاقة».
وأوضح أن «الولايات المتحدة تؤكد التزامها الراسخ بمساعدة حكومة العراق في تعزيز قدراتها الدفاعية وبناء قواتها الوطنية. معًا، سنواصل حماية موارد العراق، والدفاع عن سيادته، وضمان أمن ورفاهية جميع مواطنيه».
الموقف الأمريكي هذا لاقى صدى لدى المسؤولين الأكراد في إقليم كردستان العراق، إذ رحّب القيادي في الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، الوزير السابق، هوشيار زيباري، في «تدوينة» له، «بموقف الممثل الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق مارك سافايا حول الهجوم على حقل كور مور الغازي».
وأشار إلى أن «الولايات المتحدة استثمرت في هذا الحقل حوالي نصف مليار دولار لدعم أمن الطاقة مع شركات أمريكية وإماراتية واستهدفته بعض الفصائل الميليشياوية».
في العاصمة الاتحادية بغداد، علّق السياسي العراقي الدكتور ليث شبّر على موقف سافايا قائلاً: «إن ما جرى (قصف حقل كورمور) ليس حدثاً معزولاً، بل هو انعكاس لأزمة أعمق يعيشها العراق منذ سنوات: غياب الدولة القادرة على فرض قرار واحد وسلاح واحد وقانون واحد. وهذه الأزمة لا تُعالج بالتصريحات، بل ببناء منظومة سيادية متماسكة تُنهي تعدد المراكز وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة».
ورأى أن «العراقيين، قبل أي طرف خارجي، يرفضون كل عمل مسلح خارج إطار القانون. لكن هذا الرفض لا يكفي ما لم يترافق مع مشروع وطني يعيد التوازن إلى المؤسسات الأمنية، ويمنع استباحة القرار العراقي من أي جهة داخلية أو خارجية»، معتبراً أن «الدولة القوية لا تُبنى بالمواقف الآنية، بل بإرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة العراق فوق اعتبارات النفوذ».
وأضاف: «إذا كانت الولايات المتحدة تقول إنها تدعم سيادة العراق، فإن أول ما تحتاجه هذه السيادة هو الإصغاء لكل الأصوات الوطنية، لا الاقتصار على القوى التي تمسك السلطة اليوم. فالعراق، لكي يستقر، يحتاج إلى رؤية شاملة تسمع المعارضة والمستقلين وقوى الرفض الوطني، لأنهم يمثلون ركناً أساسياً في حماية الدولة ومنع انزلاقها إلى صراعات أعمق».
وأشار شبّر إلى أن «دعم إقليم كردستان، فمكانه الطبيعي أن يأتي ضمن إطار الدولة الاتحادية، وبما يعزز وحدة العراق ويضمن توزيعاً عادلاً للثروات وحماية البنى التحتية النفطية والغازية، بعيداً عن الانتقائية أو النظر للأزمة من زاوية واحدة».
واعتبر السياسي العراقي أن «العراق بحاجة إلى شراكة تتجاوز البيانات، شراكة تستثمر في بناء قدراته، وفي تقوية جيشه، وفي ترسيخ مؤسسات الدولة، وفي إنهاء كل مظاهر الفوضى بلا استثناء. فالشعارات لن تصنع دولة، أما الشراكة القائمة على الوضوح والالتزام فهي الطريق الوحيد لبناء عراق مستقر وقادر».
وزاد: «إننا، كأصوات وطنية نسعى لدولة موحدة قوية، نؤمن أن المستقبل يبدأ من احترام إرادة العراقيين، وفهم تركيبة المشهد، ودعم مشروع الدولة لا مشاريع القوى المتصارعة. ومن يدرك هذه الحقيقة سيجد في العراق شريكاً جاداً يمكن الوثوق به».