بغداد ـ «القدس العربي»: بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تواجه الحكومة العراقية المقبلة، موجة هائلة من المشاكل والأزمات والتحديات الاقتصادية، نتيجة قلة الموارد المالية وارتفاع النفقات والديون الداخلية والخارجية، إضافة إلى تفشي الفساد وسوء الإدارة.
ومع إعلان المحكمة الاتحادية عن انتهاء فترة الحكومة الحالية عقب إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية مؤخرا، وجعلها حكومة تصريف أعمال، وبعيدا عن الصراعات الشرسة التي تجري بين القوى السياسية الفائزة، من أجل تشكيل حكومة جديدة وفق مبدأ المحاصصة وتقاسم المناصب والوزارات، فإن الاهتمام بالتركة الاقتصادية الثقيلة التي ستواجهها الحكومة المقبلة، يبدو انها ليست في حسابات تلك الأحزاب.
نقص الأموال
ويتابع العراقيون بقلق هذه الأيام، إطلاق العديد من المسؤولين وخبراء الاقتصاد، تحذيرات من ازمة حادة في قدرة حكومة بغداد على توفير الموارد المالية لتغطية نفقاتها من رواتب ومشاريع والتزامات مالية كالديون.
وزير الإعمار والإسكان العراقي بنكين ريكاني، صرح في لقاء متلفز تابعته «القدس العربي»، مؤخرا «يجب أن تعلموا شيئاً. إذا تحدثت بشفافية، فالحكومة العراقية ليس لديها فائض أموال لكي تضعه في الأمانات. الأموال التي تجمعها الحكومة شهرياً حالياً لا تكفي لرواتب العراق وتقوم باقتراض القليل أيضا». وأشار ريكاني إلى أن «العراق لديه مشكلة سيولة، ورواتب عموم العراق تبلغ أكثر من ثمانية تريليونات دينار، وإيرادات العراق الشهرية حتى الآن لا تصل لسبعة تريليونات. العراق ليس لديه أي إيرادات وكل إيراداته من النفط، ويحصل شهرياً على أقل من تريليون من خارج مبيعات النفط. إذا كان سعر النفط مرتفعاً، تكون الإيرادات جيدة؛ وإذا انخفض سعر النفط، تصبح الإيرادات سيئة»، حسب قوله.
وأضاف: «إذا بقي سعر النفط كما هو الآن، ستحدث مشكلة، وهناك خطط بديلة كثيرة، لكن يجب على كل العراق أن يقدم تضحيات من أجلها، ليس من السهل إيجاد إيرادات بسرعة لدفع كل هذه الرواتب. لا توجد دولة مثل العراق يبلغ عدد سكانها 46 مليون نسمة وتدفع شهرياً 8 تريليونات و200 – 300 مليار كرواتب. هذا الرقم كبير جدا جدا».
وبدوره أطلق نبيل المرسومي الخبير الاقتصادي، تحذيرات عن الوضع الاقتصادي المعقد للحكومة القادمة، مؤكدا «لم يعد خيار الاستدانة من البنوك الداخلية ممكناً بعد ارتفاع سقف الدين إلى أقصى حد، ما يعني عدم إمكانية معالجة الفجوة بين عوائد النفط ونفقات البلاد إلا بخيار مؤلم هو خفض سعر الدينار»، متوقعاً طفرة تصل بالدولار إلى 200 ألف، وما سيتبعه من تضخم في أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات.
وأشار المرسومي إلى مشكلة مالية قد يواجهها العراق هذا الشهر، مع تحوّل حكومة محمد شياع السوداني إلى تصريف أعمال. وقال في تدوينة تابعتها «القدس العربي»، «إذا لم يكن من مهام حكومة تصريف الأعمال إمكانية الاقتراض الداخلي والخارجي، فإن العراق سيواجه مشكلة مالية اعتباراً من هذا الشهر»، وان «المشكلة تتعلق في نقص السيولة لتغطية النفقات العامة الأكثر أهمية للمواطن العراقي».
وكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، قررت إنهاء أعمال البرلمان الحالي، وتحويل الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال، بانتظار تشكيل حكومة جديدة بعد إجراء انتخابات الدورة البرلمانية السادسة بداية الشهر الحالي.
وأقر المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، «أن ما بين ثمانية إلى تسعة ملايين مواطن يتلقون راتبا أو أجرا أو معاشا أو إعانة حكومية بشكل مباشر، وأن كل فرد من هؤلاء يمثل أسرة كاملة تعتمد على هذه المستحقات»، مشيرا إلى أن «نسبة كبيرة من العراقيين تعتمد على الإيرادات الحكومية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ما يجعل الالتزام بهذه المدفوعات مسألة أساسية لا يمكن التراجع عنها».
وعن ميزانية 2026، ذكر أنه «لا مؤشرات حتى الآن على وجود موازنة لعام 2026»، وأن «وزارة المالية لم تبدأ بإعداد المسودة بعد، مؤكدا أن تقديرات موازنة 2026 ستعتمد على التطورات الجيوسياسية وتقلبات النمو والاقتصاد العالمي وعلى أسعار النفط التي تمثل المورد الأكبر للدولة». علما بأن ميزانية عام 2025 لم تقدم حكومة محمد السوداني جداولها إلى البرلمان حتى الآن.
تراكم الديون الحكومية
وتعد الديون الحكومية معضلة كبيرة، لأنها ستعيق تعامل الحكومة مع الالتزامات الكبيرة المطلوبة منها.
وأعلن البنك المركزي العراقي، أن العجز المخطط في قانون الموازنة العامة الثلاثية التي أقرها مجلس النواب للسنوات الثلاث الأخيرة، بلغ 91.5 تريليون دينار، في حين بلغ العجز الفعلي للسنوات الثلاث المذكورة مبلغ 35 تريليون دينار، تمت تغطيتها داخلياً بسندات وحوالات. وتابع أن «الديون الخارجية الواجبة السداد تبلغ نحو 13 مليار دولار بعد استبعاد ديون النظام السابق المعلقة وغير المطالب بها».
وفي مثال عن عجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية، فإن رواتب موظفي إقليم كردستان لعدة أشهر، لم تسددها الحكومة الاتحادية، فيما أعلنت حكومة الإقليم انها التزمت بالاتفاق مع بغداد وتقوم بتسليم الكميات المحددة من نفط الإقليم إلى بغداد وكذلك تسليم الواردات غير النفطية في الإقليم إلى المركز، ولكن الأخيرة تمتنع عن تسليم الرواتب بحجج مختلفة.
وبدوره أعلن محمد جميل المياحي، السياسي ومحافظ واسط السابق : أن «ديون الدولة في كل محافظات العراق للمقاولين عن أعمال منجزة بلغت 7 ترليون دينار، وستحتاج الحكومة القادمة إلى 30 ترليون دينار حتى تستمر المشاريع بالعمل».
وفي عدة مناسبات اعترفت وزارة المالية بنقص السيولة المالية لديها مؤخرا وعجزها عن تسديد المستحقات المالية كالرواتب وتكاليف وديون المشاريع.
وفي هذا الأطار اعتذرت الوزارة قبل أيام عن صرف مستحقات مالية للمعلمين بسبب نقص السيولة المالية، ما دفع كوادر وزارة التربية إلى الخروج في تظاهرات في العديد من المدن العراقية. وتكررت الحالة مع موظفي وزارات أخرى.
فيما أعلن الخبير الاقتصادي والمالي مصطفى حنتوش، في حوار متلفز، انه بحسب تقرير صادر عن وزارة التخطيط، فإن عدد المشاريع في العراق منذ عام 2006، 8934 مشروعا، يكلف العراق 316 ترليون و217 مليار، صرفت الدولة على هذه المشاريع 198 ترليون، والمتبقي 118 ترليون، كديون. وذكر ان المتلكئ من هذه المشاريع هو 2612 مشروعا.
وكان المقاولون هددوا قبل أيام بتنظيم التظاهرات في بغداد والمحافظات للمطالبة بمستحقاتهم المتراكمة لدى الحكومة.
انخفاض أسعار النفط
وشكل انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية مؤخرا، ضربة قوية للاقتصاد العراقي الذي يعتمد على موارد بيع النفط بنسبة 90 في المئة من ميزانيته السنوية، حيث تم اعدادها على أساس سعر 70 دولارا للبرميل الواحد فيما انخفضت الأسعار العالمية عن هذا الحد، لتصل أحيانا إلى ما دون 60 دولار للبرميل، أو ترتفع قليلا.
وإضافة إلى انخفاض أسعار النفط، واجه العراق مشكلة جديدة تعرقل إنتاج نفطه، إذ طلب تأجيل تنفيذ العقوبات الأمريكية على شركة لوك اويل النفطية الروسية العاملة في العراق لحين إيجاد البديل في إدارة آبار النفط، ومن أجل الحفاظ على مستويات الإنتاج من الحقول العراقية.
والتقى رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، الرئيس التنفيذي لشركة لوك أويل النفطية الروسية فاغيت ألكبيروف، وناقشا سبل إيجاد الحلول والآليات التي تعزز استقرار إنتاج النفط، بعدما تعرضت الشركة إلى إجراءات الخزانة الأمريكية، إضافة إلى البحث في استقرار سوق الإمدادات النفطية، وعدم التأثير على قدرة العراق في المساهمة بالإنتاج النفطي، إذ تنتج الشركة ما يقرب من 480 ألف برميل يومياً من حقل غرب القرنة/ النفطي.
القلق من العقوبات الامريكية
ولعل أخطر التحديات أمام الحكومة المقبلة هو احتمال التعرض للعقوبات الاقتصادية الأمريكية نتيجة تحكم فصائل مسلحة تعدها واشنطن إرهابية، بالبرلمان والحكومة العراقية القادمة، حيث تتحكم الولايات المتحدة بواردات النفط العراقي وتستطيع الحاق ضرر كبير بالاقتصاد العراقي.
كما أن هناك مخاطر تدخل بعض الفصائل المسلحة في الاقتصاد، حيث كشف مراقبون تدخلها في المشاريع والموارد والرسوم في المنافذ الحدودية التي تسبب خسائر للحكومة بالمليارات سنويا، وكذلك تعرض بعض آبار النفط والغاز إلى هجمات، مثلما حصل قبل أيام من تعرض حقل غاز خور مور في السليمانية إلى هجوم جديد بطائرات مسيرة مجهولة. وهو الهجوم الرابع على هذا الحقل الذي يعد الأكبر في حقول الغاز العراقية، كما تعرضت حقوق نفط أخرى إلى هجمات مماثلة.
وهناك أزمات اقتصادية أخرى مطلوب من الحكومة المقبلة إيجاد حلول لها، مثل النقص الحاد في جميع الخدمات الأساسية (الكهرباء والماء والتربية والصحة والبلديات وغيرها)، إضافة إلى الجفاف وآثاره المدمرة على الزراعة في العراق وتصاعد استيراد المنتجات الزراعية والاستهلاكية من الخارج.
وضمن التحديات لا يمكن تجاهل تنامي الفساد وهدر المال العام، ومنها ما كشفه الخبير الاقتصادي العراقي منار العبيدي، حول وجود تباين صارخ يقدر بنحو 47 مليار دولار بين التحويلات المالية والبيانات الجمركية عام 2024.
وقال العبيدي في تصريح، «في الوقت الذي أعلن فيه البنك المركزي أن استيرادات العراق تجاوزت حاجز 87 مليار دولار، مع تنفيذ تحويلات خارجية فعلية لتغطيتها، جاءت بيانات هيئة الجمارك العراقية مغايرة تماماً، حيث سجلت دخول سلع بقيمة إجمالية لم تتجاوز 39 مليار دولار». ما يعني ذهاب المليارات إلى جيوب الفاسدين.
وهكذا فالمتوقع ان تكون الحكومة المقبلة، حكومة تقشف وأزمات اقتصادية خانقة، تلقي بأعبائها الثقيلة على كاهل الاقتصاد والشعب، وسط تقلبات أسعار النفط العالمية وتزايد الالتزامات المالية للحكومة وسوء الإدارة للموارد المالية، ومع الاعتماد الكلي على النفط وغياب بدائل اقتصادية حقيقية، ما ينبئ بأن العراق مقبل على مرحلة شديدة الصعوبة على اقتصاد البلاد المتعب أصلا بأزماته المزمنة.