الوثيقة | مشاهدة الموضوع - الجمهورية الإسلامية بين روايات الانهيار وحقائق الصمود.. قراءة معاكسة للسردية الغربية حول إيران : نجاح محمد علي
تغيير حجم الخط     

الجمهورية الإسلامية بين روايات الانهيار وحقائق الصمود.. قراءة معاكسة للسردية الغربية حول إيران : نجاح محمد علي

مشاركة » الاثنين يناير 26, 2026 4:31 am

في كل مرحلة حساسة تمرّ بها الجمهورية الإسلامية، تعود ماكينة الإعلام الغربي لإنتاج العنوان نفسه بصيغ مختلفة: “إيران على حافة الانهيار”، “النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة”، “الأيام الأخيرة للجمهورية الإسلامية”. آخر هذه العناوين جاء على لسان المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي صرّح بأننا نشهد “الأيام والأسابيع الأخيرة” للنظام الإيراني.
ad
لكن السؤال الجوهري ليس: لماذا يُكرَّر هذا الادعاء؟ بل: لماذا فشل في كل مرة؟ ولماذا ما زالت الجمهورية الإسلامية قائمة، بل ومؤثرة، رغم كل ما واجهته من حروب، وحصار، وضغوط سياسية واقتصادية وأمنية وإعلامية منذ أكثر من أربعة عقود؟
هذا المقال لا يقدّم ردّاً سياسياً، بل يسعى إلى تفكيك السردية الغربية حول ما يجري داخل إيران، وتحويل كل من يراهن على الانهيار إلى تحليل معمّق يثبت أن ما يجري هو أزمة مُدارة داخل نظام صامد، لا بداية سقوط دولة.
ad
أولًا: وهم “المعركة الأخيرة” وتأريخ الفشل الغربي في التنبؤ بسقوط إيران
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم يمرّ عقد واحد دون أن تُطلق دوائر القرار والإعلام في الغرب نبوءات بسقوط النظام. قيل ذلك أثناء الحرب المفروضة مع نظام صدام حسين، وقيل أثناء أزمة الرهائن، وقيل مع كل موجة عقوبات، ومع كل احتجاج داخلي، ومع كل تغير سياسي أو اقتصادي.
لكن ما يغيب عن هذه النبوءات هو حقيقة بنيوية: الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا هشًا يعتمد على شخص أو حزب أو طبقة واحدة، بل هي نظام مركّب، يجمع بين الشرعية الدينية، والمؤسسات الدستورية، والقاعدة الشعبية، والاستقلال الوطني، والخطاب المقاوم، وهو ما يمنحه قدرة عالية على امتصاص الصدمات.
وعليه، فإن ترديد شعارات مثل “هذه هي المعركة الأخيرة” لا يعكس واقع الداخل الإيراني بقدر ما يعكس رغبة الخارج في صناعة لحظة انهيار لم تتحقق بعد، وربما لن تتحقق بالطريقة التي يتخيلونها.




ثانيًا: الاحتجاجات بين الدينامية الاجتماعية والتوظيف السياسي الخارجي
الاحتجاجات التي تشهدها إيران بين الحين والآخر لا يمكن إنكارها، ولا يجوز التقليل من شأنها، لكنها في الوقت ذاته لا تعني بالضرورة انهيار النظام أو فقدانه للشرعية.
جميع الدول، بما فيها الديمقراطيات الغربية، تشهد احتجاجات اجتماعية واقتصادية وسياسية، لكن الفرق يكمن في كيفية قراءة هذه الاحتجاجات:

في الغرب: تُقرأ الاحتجاجات بوصفها “حراكًا ديمقراطيًا”.
في إيران: تُقرأ فورًا بوصفها “بداية سقوط النظام”.

هذا الكيل بمكيالين لا يعكس تحليلًا علميًا، بل توظيفًا سياسيًا للأحداث.
الواقع أن المجتمع الإيراني يتمتع بحيوية سياسية واجتماعية عالية، وأن الاحتجاجات غالبًا ما تعبّر عن مطالب معيشية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو سياسية جزئية، وليس عن رفض شامل للنظام أو دعوة لإسقاط الدولة.
بل إن التجربة الإيرانية أثبتت أن هذه الاحتجاجات تُدار داخل بنية الدولة، وتُستوعب تدريجيًا عبر آليات سياسية واقتصادية واجتماعية، دون أن تتحول إلى فوضى شاملة أو حرب أهلية، كما حدث في دول أخرى فُرض عليها “التغيير” من الخارج.




ثالثًا: القمع، الأرقام، والإعلام — بين الواقع والتضليل
تروّج بعض المنصات الإعلامية الغربية، إضافة إلى قنوات معروفة بعدائها للجمهورية الإسلامية، أرقامًا ضخمة حول أعداد القتلى والمعتقلين، دون تقديم مصادر مستقلة موثوقة أو أدلة ميدانية قابلة للتحقق.
كما يجري استغلال أي انقطاع في الإنترنت، سواء لأسباب أمنية أو تقنية أو تنظيمية، بوصفه دليلًا على “انهيار الدولة” أو “إخفاء المجازر”، رغم أن دولًا غربية عديدة قطعت الإنترنت في مناسبات مختلفة دون أن تُتهم بانتهاك شامل لحقوق الإنسان.
إن الدولة الإيرانية، كما أي دولة ذات سيادة، مسؤولة عن حماية الأمن العام، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، خاصة حين تتحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال تخريب، أو هجمات على الممتلكات العامة، أو تهديد مباشر لأرواح المواطنين.
ولا يعني ذلك إنكار الأخطاء أو الادعاء بالكمال، بل وضع الأمور في سياقها الواقعي: دولة تواجه حربًا مركّبة تشمل العقوبات، والحصار، والحرب النفسية، والاختراق الأمني، والدعاية الإعلامية، ومع ذلك تحافظ على بنيتها المؤسسية.




رابعًا: الخطاب السياسي الرسمي — بين الاحتواء والمواجهة
حين صرّح الرئيس مسعود بزشكيان في بداية الاحتجاجات بأنها “مشروعة”، لم يكن ذلك ضعفًا، بل تعبيرًا عن منهج الدولة في الاعتراف بالمطالب الشعبية والسعي لمعالجتها ضمن الأطر القانونية.
لكن حين اتّضح لاحقًا أن بعض هذه التحركات جرى توظيفها خارجيًا، وأنها خرجت عن إطار المطالب الاجتماعية لتدخل في مشروع زعزعة الاستقرار، كان من الطبيعي أن تتغير نبرة الخطاب الرسمي.
القائد الأعلى السيد علي خامنئي لم ينكر يومًا حق الناس في المطالبة بحقوقهم، لكنه شدّد دائمًا على رفض الفوضى، ورفض التدخل الأجنبي، ورفض تحويل إيران إلى ساحة صراع دولي.
وهذا التوازن بين الاحتواء والمواجهة هو أحد عناصر صمود الدولة، إذ يسمح لها بالمرونة دون التفريط بالسيادة، وبالاستماع دون السماح بالانهيار.




خامسًا: الدعم الأمريكي ودعم أ الكيان الصهيوني — سلاح قاتل للمصداقية
من أخطر ما تواجهه أي حركة احتجاجية هو أن تتحول إلى أداة في يد قوى خارجية، خاصة حين تكون هذه القوى هي نفسها التي فرضت الحصار، وشنّت الحروب، ودمّرت دولًا بأكملها تحت شعارات زائفة.
إن الدعم العلني الذي تقدّمه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لبعض التحركات داخل إيران لا يمنحها شرعية، بل يسحب منها الثقة الشعبية، ويحوّلها في نظر كثير من الإيرانيين إلى جزء من مشروع عدواني خارجي.
وقد أثبتت التجارب المريرة في العراق وليبيا وأفغانستان وسوريا أن التدخل الغربي لا يؤدي إلى ديمقراطية ولا إلى رفاه، بل إلى الفوضى، والانهيار، والتقسيم، وسرقة الثروات، وتدمير الدول.
وعندما تعرّضت إيران مؤخرًا لهجمات عسكرية من قبل الكيان الصهيوني ثم الولايات المتحدة، لم ينقسم الإيرانيون كما توقّع الغرب، بل توحّدوا على اختلاف توجهاتهم في رفض العدوان والدفاع عن السيادة الوطنية.
وهذا وحده يكشف حجم الفجوة بين ما يُروَّج في الخارج وما يجري فعليًا في الداخل.




سادسًا: الأزمة الاقتصادية — بين الحصار والصمود
لا يمكن إنكار أن إيران تواجه أزمة اقتصادية حقيقية، تتجلّى في:

انخفاض قيمة الريال.
ارتفاع معدلات التضخم.
تراجع القدرة الشرائية.
صعوبات في الاستيراد والتصدير.
ضغوط على الطبقات الوسطى والفقيرة.

لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الأزمة ناتجة عن فشل داخلي صرف؟ أم عن حصار اقتصادي ممنهج يُعدّ من الأشد في العالم المعاصر؟
الواقع أن الجمهورية الإسلامية تتعرّض منذ عقود لحصار اقتصادي غير مسبوق، يستهدف قطاع النفط، والمصارف، والتجارة، والنقل، والتكنولوجيا، وحتى الأدوية والغذاء في بعض الحالات، رغم الادعاءات الرسمية باستثنائها.
ومع ذلك، لم تنهَر الدولة، ولم تتفكك المؤسسات، ولم تتوقف الخدمات الأساسية، ولم تفقد العملة قيمتها بالكامل كما حدث في دول أخرى أقل تعرضًا للعقوبات.
بل على العكس، اتجهت إيران إلى:

تعزيز الإنتاج المحلي.
توطين الصناعات.
تنويع الشركاء التجاريين.
الانفتاح الاستراتيجي على روسيا والصين ودول البريكس.
تطوير الاقتصاد المقاوم.

وهي خطوات لا تُثمر بين ليلة وضحاها، لكنها تؤسس لتحوّل اقتصادي طويل الأمد يُخرج إيران تدريجيًا من قبضة الهيمنة الغربية.
سابعًا: تجار البازار والنقابات — بين الاحتجاج والإصلاح
يُكثر الإعلام الغربي من استدعاء رمزية تجار البازار ودورهم في ثورة 1979، في محاولة لإيحاء بأن التاريخ يعيد نفسه وأن النظام على وشك السقوط.
لكن المقارنة هنا مضلّلة لعدة أسباب:

البازار اليوم ليس البازار قبل الثورة، من حيث البنية الاقتصادية، والعلاقات السياسية، وطبيعة الدولة.
الاحتجاجات الحالية لتجار البازار تعبّر أساسًا عن مطالب اقتصادية تتعلق بالعملة، والاستيراد، والضرائب، والركود، لا عن مشروع سياسي لإسقاط النظام.
الدولة تتعامل مع هذه المطالب عبر سياسات مالية وتنظيمية، لا عبر القطيعة أو القمع المطلق.

أما النقابات والعمال، فهم يشكّلون جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة، ومطالبهم، رغم مشروعيتها، تُدار ضمن أطر قانونية ومؤسسية، لا ضمن مشروع ثوري شامل.




ثامنًا: غياب القيادة السياسية الموحّدة — علامة ضعف لا قوة
من أبرز ما يميّز المشهد الاحتجاجي الحالي هو غياب قيادة سياسية موحّدة، أو برنامج سياسي جامع، أو مشروع وطني واضح للمرحلة المقبلة.
وهذا الغياب لا يدل على “حيوية ثورية”، بل على:

تفكك الرؤية.
غياب البديل.
سهولة الاختراق الخارجي.
هشاشة المشروع السياسي المقابل للدولة.

الشخصيات التي تُروَّج لها إعلاميًا، سواء داخل إيران أو في الخارج، لا تمتلك قاعدة شعبية واسعة، ولا تمثل طيف المجتمع الإيراني المتنوع، ولا تحمل مشروعًا سياسيًا متكاملًا.
بل إن كثيرًا منها يرتبط بأجندات خارجية، أو بتاريخ سياسي مرفوض شعبيًا، أو بتنظيمات فقدت مصداقيتها منذ عقود.
تاسعًا: المعارضة في الخارج — أزمة مصداقية وتمثيل
في الخارج، تبرز تنظيمات وشخصيات تحاول تقديم نفسها بوصفها “البديل السياسي” للجمهورية الإسلامية، لكنها في الواقع تعاني من أزمة عميقة في المصداقية والتمثيل.
منظمة مجاهدي خلق، المرتبطة بمريم رجوي، تحوّلت منذ زمن إلى تنظيم مغلق أقرب إلى الطائفة منه إلى الحركة السياسية، وفقدت أي حضور شعبي داخل إيران، كما ارتبط اسمها تاريخيًا بالعنف، والتعاون مع أعداء إيران، والانخراط في مشاريع استخبارية.
أما رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، فيمثل في الوعي الإيراني مرحلة من الاستبداد، والتبعية، والفساد، والارتهان للخارج، ولا يشكّل بالنسبة لغالبية الإيرانيين خيارًا مقبولًا للمستقبل.
وبالتالي، فإن الحديث عن “بديل جاهز” للنظام لا يستند إلى واقع سياسي أو اجتماعي، بل إلى رغبة خارجية في صناعة قيادة مصطنعة تخدم مصالحها.




عاشرًا: الجمهورية الإسلامية في الإقليم — من الاستهداف إلى التأثير
من أهم أسباب استهداف الجمهورية الإسلامية هو دورها الإقليمي والدولي، وليس وضعها الداخلي فقط.
إيران تمثّل اليوم:

قوة إقليمية مستقلة.
داعمًا رئيسيًا لقوى المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.
خصمًا استراتيجيًا للهيمنة الأمريكية.
تهديدًا مباشرًا لمشروع الكيان الصهيوني في المنطقة.

وهذا الدور يجعلها هدفًا دائمًا للحصار، والتشويه، والتخريب، ومحاولات إسقاط النظام، ليس بسبب “حقوق الإنسان” أو “الديمقراطية”، بل بسبب موقعها في معادلة الصراع الدولي.
ومن هنا، فإن أي قراءة للأوضاع الداخلية في إيران لا يمكن فصلها عن هذا السياق الجيوسياسي الأوسع.






إيران بين العاصفة والرسوخ
الجمهورية الإسلامية ليست على حافة الانهيار، بل في قلب معركة طويلة الأمد على السيادة، والاستقلال، والهوية، والموقع الإقليمي.
ما يجري داخل إيران هو أزمة حقيقية، لكنها ليست أزمة وجود، بل أزمة إدارة، وتكيّف، وتحول، وهي سمة كل دولة تخوض صراعًا مركّبًا مع قوى كبرى.
لقد واجهت إيران:

حربًا شاملة.
• حصارًا خانقًا.
اغتيالات لعلمائها وقادتها.
هجمات سيبرانية.
حملات إعلامية غير مسبوقة.

ومع ذلك، بقيت الدولة قائمة، وبقي النظام السياسي متماسكًا، وبقي المجتمع متفاعلًا، وبقي المشروع الاستقلالي حاضرًا.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تسقط الجمهورية الإسلامية؟
بل: كيف ستعيد إنتاج نفسها في مرحلة دولية جديدة تتآكل فيها الهيمنة الغربية، ويصعد فيها نظام عالمي متعدد الأقطاب؟
هذا هو السؤال الذي يخشاه خصوم إيران أكثر من أي احتجاج، وأكثر من أي أزمة اقتصادية، وأكثر من أي عنوان إعلامي عن “الأيام الأخيرة”.
صحافي استقصائي مختص بالشؤون الإيرانية والإقليمية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات