تغيير حجم الخط     

أمطار ربيعية غير مألوفة تكسر جفاف العراق وخبراء يحذرون من “تطرف مناخي” يفاقم أزمة المياه بغداد / تبارك عبدالمجيد

مشاركة » الأحد مارس 29, 2026 6:38 am

شهد العراق خلال فصل الربيع الحالي هطول أمطار غزيرة وغير معتادة زمنياً، أعقبت شتاءً طويلاً اتسم بالجفاف، ما أسهم في إنعاش الغطاء النباتي وإعادة الحياة تدريجياً إلى الأنهار والبحيرات. في المقابل، تعكس هذه الظاهرة تصاعد التقلبات المناخية، مع ازدياد عدم استقرار الفصول وتأثيراتها المباشرة على الزراعة والموارد المائية.
وقال المزارع عباس فلاح إن “الجفاف والتغير المناخي دمرا حياتنا الزراعية وأرهقا الثروة الحيوانية”، مشيراً إلى فقدانه أكثر من 70 جاموسة بسبب الجفاف.
وأضاف فلاح أن “المساحات الخضراء تقلصت بشكل كبير، وامتنعنا عن زراعة العديد من المحاصيل بسبب شحة المياه وارتفاع ملوحة الأرض، ما جعل تربية الحيوانات صعبة جداً، واضطر كثير من السكان إلى مغادرة الريف”.
وتابع أن “الوضع يزداد صعوبة يومياً، خصوصاً خلال الأشهر الماضية، ونحتاج إلى دعم عاجل من الحكومة عبر مشاريع الري وصيانة الأراضي، وإلا ستختفي الثروة الحيوانية والزراعة التي ورثناها عن أجدادنا”، لافتاً إلى أن “الأمطار الأخيرة قد تكون فائدتها مؤقتة وغير مضمونة”.
من جانبه، أوضح الخبير في مجال الزراعة والمياه، تحسين الموسوي، أن ما يشهده العراق لا يمكن اعتباره تغيراً مناخياً تقليدياً، بل يندرج ضمن “تطرف مناخي” يتمثل في تقلبات حادة وسريعة بين الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وصولاً إلى موجات أمطار مفاجئة.
وأشار الموسوي إلى أن “هذه الأمطار، رغم محدوديتها، تحمل جوانب إيجابية، أبرزها دعم الغطاء النباتي والحد من التصحر، فضلاً عن توفير ما يشبه رية فطام كاملة للمحاصيل الشتوية”، مبيناً أنها تسهم أيضاً في تحسين بعض المؤشرات البيئية وتعزيز الخزين المائي، لا سيما في المناطق الواقعة ضمن مقدمات السدود.
في المقابل، حذر من أن المناطق الواقعة خلف السدود قد تتعرض لأضرار في البنى التحتية، موضحاً أن كميات الأمطار المسجلة حتى الآن لم تتجاوز 45 إلى 50 ملم، وأن حالات الغرق التي شهدتها بغداد وبعض المدن تعود أساساً إلى ضعف البنى التحتية وتقادم تصاميمها، التي لم تعد ملائمة للتوسع السكاني والعمراني.
وبيّن أن هذه البنى صممت قبل عقود، ولم تُحدّث بما يتناسب مع الزيادة السكانية، ما يجعلها غير قادرة على استيعاب كميات الأمطار الحالية، حتى وإن كانت دون المعدلات المرتفعة.
وفي ما يتعلق بالخزين المائي، أوضح الموسوي أن العراق يمتلك طاقة خزن تصل إلى نحو 150 مليار متر مكعب، إلا أن المخزون الحالي لم يتجاوز 11 مليار متر مكعب، وهو رقم تحسن بفعل الأمطار الأخيرة، لكنه لا يزال غير كافٍ لتلبية الاحتياجات.
وأضاف أن التوقعات تشير إلى احتمال هطول موجات جديدة من الأمطار، إلا أن العامل الحاسم يبقى في كميات التساقط داخل دول المنابع، إذ يعتمد العراق بشكل كبير على المياه الواردة من خارج حدوده، خاصة عبر حوضي دجلة والفرات من الجانب التركي، إضافة إلى روافد دجلة من الجانب الإيراني.
ولفت إلى أن أي زيادة في الإطلاقات المائية من الجانب الإيراني، بما في ذلك نهر الكارون، قد تسهم في تقليل اللسان الملحي في محافظة البصرة، وهو ما يمثل فائدة بيئية واقتصادية.
كما أشار إلى أن الأمطار الأخيرة أسهمت في رفع مناسيب البحيرات، ومنحت مؤشرات إيجابية بشأن إنعاش الأهوار العراقية، التي عانت خلال الفترة الماضية من أزمة حادة، خصوصاً في مناطق الفرات الأوسط والجنوب.
وأكد الموسوي أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني انتهاء الأزمة المائية، مشدداً على ضرورة إعادة النظر في السياسة المائية بشكل شامل لضمان إدارة أكثر كفاءة واستدامة للموارد.
بدوره، قال الناشط البيئي أحمد علي إن التغير المناخي في العراق أصبح “ظاهرة واضحة وملموسة”، مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف وحدوث أمطار مفاجئة تتسبب أحياناً بفيضانات وسيول، في مؤشر على تقلبات مناخية متطرفة.
وأوضح علي أن أسباب هذه التغيرات متعددة، من بينها الانبعاثات الناتجة عن الصناعة ووسائل النقل والمعامل غير النظامية، وارتفاع مستويات التلوث، وقطع الأشجار، إلى جانب سوء إدارة الموارد المائية واستنزاف المياه الجوفية، ما يزيد من هشاشة البيئة.
وأضاف أن “العراق يتأثر أيضاً بعوامل خارجية، لاعتماده على مياه الأنهار القادمة من دول الجوار، وأي تغير في كميات المياه الواصلة يزيد من حدة الجفاف والتقلبات، ويعقّد إدارة الموارد، ويضاعف الضغط على الفلاحين والمناطق الريفية”.
ويرى أن مواجهة التغير المناخي “تتطلب سياسات استراتيجية متكاملة، تشمل تقليل الانبعاثات، وإعادة التشجير، وتحسين إدارة المياه والزراعة، وتطوير البنى التحتية، إلى جانب تعزيز وعي المجتمع بأساليب التكيف لضمان الأمن البيئي والمائي”.
ويحتل العراق المرتبة 61 من أصل 163 دولة في مؤشر “اليونيسف” لمخاطر المناخ على الأطفال، فيما صنف تقرير الأمم المتحدة للبيئة العالمية (GEO-6) العراق ضمن الدول الخمس الأكثر تعرضاً لنقص المياه والغذاء ودرجات الحرارة القصوى.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات