بغداد/ تميم الحسن
رغم الخطاب العلني الذي يتحدث عن التهدئة داخل «الإطار التنسيقي»، فإن المعارك الحقيقية تدور بعيداً عن الكاميرات. فالقوى الشيعية تخوض مواجهة مفتوحة داخل البيت الواحد، تتبادل خلالها الضربات تحت الحزام، فيما تتسع المنافسة على ما تبقى من الوزارات الشاغرة والمناصب الحساسة التي تشكل ما يُعرف بـ«الدولة العميقة».
ولا تقتصر أدوات الصراع على التفاوض السياسي، بل تمتد إلى حملات التشويش الإعلامي، وتسريب الملفات، وتحريك قضايا الفساد، وصولاً إلى أوامر الاعتقال التي باتت جزءاً من معركة إعادة رسم موازين القوى داخل السلطة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تراجع آمال الفصائل المسلحة في الحصول على حصص حكومية، وسط ما تصفه أوساط سياسية بـ«الفيتو الأميركي» على مشاركتها المباشرة في السلطة، رغم الحديث المتواصل عن خطة «تفكيك السلاح».
لكن الخطة نفسها تبدو متعثرة مع أول اختبار جدي، بعدما عادت فصائل منخرطة في مسار التهدئة إلى تصعيد خطابها ضد الولايات المتحدة، ما عزز الشكوك بشأن إمكانية المضي في التفاهمات التي رافقت تشكيل الحكومة.
وتتوقع مصادر سياسية أن يقتصر استكمال الوزارات الـ9 الشاغرة على القوى غير المرتبطة بالفصائل، بسبب هشاشة التوازنات الحالية وعدم استقرار المشهد السياسي.
وبحسب التقسيمات المتداولة، فإن وزارتين يفترض أن تذهبا إلى ائتلاف دولة القانون، ووزارة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأخرى إلى حزب «عزم»، فيما أُرجئت وزارة خامسة بموجب تفاهم سابق إلى طرف شيعي آخر (تيار الحكمة).
أما الوزارات الـ4 المتبقية، فكان يُفترض أن تكون من حصة الفصائل، بينها وزارة واحدة على الأقل مخصصة لزعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، فيما تُطرح أسماء فصائل أخرى للحصول على حقائب إضافية، من بينها «كتائب سيد الشهداء» بزعامة أبو آلاء الولائي.
عقدة الداخلية.. 4 جبهات مفتوحة
يبقى السؤال الأبرز: لماذا لم تُحسم الوزارات الخمس الأولى حتى الآن؟
مصادر مطلعة على مفاوضات «الإطار التنسيقي» تؤكد أن الخلافات أعمق بكثير مما يظهر إلى العلن.
في الشهر الماضي، أخفق نوري المالكي في تمرير مرشحيه لوزارتي الداخلية والتعليم، وهما قاسم عطا وعامر الخزاعي. وتقول المصادر إن هناك اعتراضاً واسعاً على إعادة طرح اسم عطا، فضلاً عن جدل قانوني يتعلق بإمكانية إعادة التصويت عليه بعد إخفاقه في المحاولة الأولى.
في المقابل، يرفض حزب الدعوة توصيف ما جرى بأنه «فشل»، ويؤكد أن الجلسة شهدت مخالفات إجرائية تتعلق بعدد المصوتين، مشيراً إلى نيته اللجوء إلى المحكمة الاتحادية.
وبحسب المصادر، فإن المالكي يميل حالياً إلى استبدال قاسم عطا لإغلاق باب الاعتراضات، إلا أن أسماء البدلاء ما زالت محاطة بسرية شديدة خشية تعرضها لحملات تشويه أو فبركة إعلامية.
الخلاف لا يقف عند حدود الأسماء. فثمة نزاع آخر يتعلق بآلية اختيار وزير الداخلية، إذ تشير معلومات إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي طلب من المالكي تقديم 10 أسماء ليجري التداول بشأنها داخل «الإطار»، وتنفيذ هذا الإجراء ما زال موضع تشكيك لدى أطراف عدة.
وتؤكد المصادر أن حرية رئيس الوزراء في اختيار فريقه ليست مطلقة، وأن الأحزاب ما زالت تمارس نفوذاً واسعاً على تشكيل الكابينة.
وكانت تسريبات رافقت تكليف الزيدي أواخر نيسان الماضي تحدثت عن اتفاق يقضي بأن تقدم كل كتلة 3 مرشحين لكل وزارة، على أن يختار رئيس الوزراء أحدهم، وفي حال رفضهم جميعاً تُرفع قائمة جديدة.
عين الصدر على الحكومة
يواجه الزيدي أيضاً رقابة دقيقة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي دعمه في خطوة غير مسبوقة منذ اعتزاله العمل السياسي عام 2022، مقابل المضي في ملفي السلاح والفساد.
وتؤكد أوساط صدرية أن الصدر يتابع تفاصيل تشكيل الحكومة، وأن رئيس الوزراء يتحسب لأي اختيار قد لا يحظى برضا زعيم التيار، خصوصاً في وزارة الداخلية.
وكان الصدر قد منح الحكومة مهلة 90 يوماً لتقييم أدائها، في إطار متابعة تنفيذ التعهدات المتعلقة بحصر السلاح وفتح ملفات الفساد الكبرى، وهي ملفات شهدت خطوات أولية تمثلت باعتقال متهمين وإطلاق خطة تنظيم السلاح، وإن كانت ما تزال تواجه عراقيل واضحة.
في الوقت نفسه، يرى فريق رئيس الوزراء السابق محمد السوداني أن وزارة الداخلية قد تكون من حصته السياسية، انطلاقاً من كونه يمتلك أكبر كتلة شيعية رغم الانشقاقات التي شهدها تحالفه أخيراً.
كما تتحدث معلومات عن خلافات داخل دولة القانون نفسها، تتعلق بتباين الرؤى بين المالكي وصهره ياسر صخيل بشأن هوية المرشح المناسب للوزارة.
ورغم كل هذه التعقيدات، يؤكد النائب مهدي الإيزرجاوي، عن دولة القانون، أن جلسة استكمال الحكومة “ستعقد خلال هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل في أقصى تقدير”، مرجحاً عدم حدوث تغييرات جوهرية في توزيع الحصص.
لكن البرلمان ما زال في عطلة تشريعية تمتد حتى مطلع تموز، فيما تبقى احتمالات تعديل الحصص قائمة بعد الانشقاقات التي ضربت تحالف السوداني وأعادت إشعال خلافات ظلت كامنة تحت الرماد.
ملفات الفساد.. وقود المعركة
لا تدار المنافسة الحالية بأدوات سياسية ناعمة، بل باتت ملفات الفساد أحد أبرز أسلحة الصراع.
أنصار المالكي يحملون حكومة السوداني السابقة مسؤولية الأزمة المالية الحالية، التي تتطلب، بحسب تقديراتهم، ما لا يقل عن 6 مليارات دولار شهرياً لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.
في المقابل، يربط خصوم السوداني بينه وبين عدنان الجميلي، المسؤول البارز في وزارة النفط الذي اعتقل مؤخراً، متهمين إياه بأنه كان يحظى بدعم مباشر من رئيس الوزراء السابق.
وأثارت القضية ضجة واسعة بعد الحديث عن ضبط عشرات العقارات وأموال وأسلحة بحوزة الجميلي أثناء عملية الاعتقال.
ويرد خالد المرسومي، المنتمي إلى فريق السوداني، بالقول إن الحديث عن مكافحة الفساد يجب أن يشمل جميع الملفات دون استثناء.
ويشير إلى وجود تقارير رسمية تتحدث عن اختفاء أو هدر ما يقرب من 350 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2006 و2014، وهي السنوات التي تولى فيها المالكي رئاسة الحكومة.
من جهته، ينفي رئيس كتلة الإعمار والتنمية، التي يتزعمها السوداني، بهاء الأعرجي، وجود علاقة مباشرة بين السوداني والجميلي، وهو وكيل وزارة النفط ومدير سابق لمصفى بيجي، الذي أثار جدلاً واسعاً خلال السنوات العشر الماضية بسبب ملفات تتعلق بتفكيك منشآته وإعادة تأهيله وتشغيله.
وأكد الأعرجي في مقطع فيديو، أن رئيس الوزراء السابق كان قد “أوعز قبل مغادرته المنصب بتدقيق العقود المرتبطة بمصفى بيجي، وأن الإجراءات القضائية جاءت لاحقاً بناءً على نتائج التحقيقات”.
اللافت أن الاتهامات ذاتها كانت قد استخدمت قبل 3 سنوات من قبل الفريق الذي جاء مع محمد السوداني إلى السلطة، حين ربط الحكومة السابقة بقضية نور زهير، ودفع باتجاه فتح ملفات فساد وإصدار أوامر قبض بحق عدد من الوزراء والمسؤولين.
الخفاجي.. رسالة إلى المنشقين
في موازاة ذلك، عاد ملف النائب حسنين الخفاجي إلى الواجهة، فيما بدا وكأنه رد على فريق المالكي.
وطلب القضاء من مجلس النواب اتخاذ الإجراءات الخاصة برفع الحصانة عنه، على خلفية اتهامات تتعلق بالابتزاز واستغلال النفوذ للحصول على 500 ألف دولار.
وتأتي هذه القضية في توقيت حساس، بعدما غادر الخفاجي مع مجموعة من النواب تحالف السوداني، إثر الانشقاق الذي قاده فالح الفياض وأحمد الأسدي بسبب خلافات تتعلق بالمناصب والنفوذ.
وأعاد هذا التطور النقاش حول اختلال موازين القوى داخل البرلمان، وما إذا كانت الانشقاقات الجديدة تستوجب إعادة النظر في توزيع الوزارات وفق الأحجام البرلمانية المستجدة.
وفي المقابل، تتحدث تسريبات عن قائمة جديدة قد تضم وزراء ووكلاء ومسؤولين كباراً متهمين بالفساد، تمهيداً لاتخاذ إجراءات مشابهة لتلك التي طالت الجميلي.
«الدولة العميقة» على طاولة التغيير
وإلى جانب معركة الوزارات، يدور صراع آخر داخل مؤسسات الدولة.
فما يقرب من ثلاثة آلاف منصب ضمن ما يعرف بـ«الدرجات الخاصة» باتت مهددة بإعادة الترتيب، تحت عنوان معالجة النفوذ المرتبط بالفصائل.
غير أن تقديرات سياسية ترى أن الهدف الأوسع يتمثل في استبدال الطبقة الإدارية القديمة وإعادة تشكيل ما يعرف بـ”الدولة العميقة”، التي غالباً ما ترتبط بالحكومات السابقة أكثر من ارتباطها بالحكومة الحالية.
ويأتي ذلك كله فيما تتفاقم الأزمة الاقتصادية، بعد تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين بشأن لجوء العراق إلى طباعة 25 تريليون دينار لتأمين رواتب الموظفين، وسط مخاوف من تداعيات استمرار التوتر في مضيق هرمز وانعكاساته على الاقتصاد العراقي المرتبط بدوره بملف السلاح والفصائل.
السلاح المتعثر.. بوابة واشنطن والخليج
ويرى مراقبون أن التحالف الشيعي يتجنب ربط استكمال الحكومة بملف السلاح، رغم أن هذا الملف يمثل التحدي الأكثر حساسية أمام السلطة الجديدة.
وقد بدا التعثر واضحاً مع أول اختبار لخطة “تفكيك السلاح”، بعدما تراجعت بعض الفصائل عن خطاب التهدئة وعادت إلى التصعيد ضد المصالح الأميركية بالتزامن مع المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، توعدت “كتائب حزب الله” باستهداف القواعد والمصالح الأميركية في العراق والمنطقة إذا تدخلت واشنطن عسكرياً في الصراع.
كما نشر الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أبو آلاء الولائي، عبر منصة «إكس»، آية قرآنية جاءت في أول تعليق له على التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، حملت عبارة: «وإن عدتم عدنا».
ويكتسب موقف الولائي أهمية إضافية، لأنه كان من بين الأسماء التي جرى تداولها ضمن القوى المستعدة للانخراط في ترتيبات تتعلق بالسلاح مقابل الحصول على مواقع سياسية أو تنفيذية.
ويرى محللون أن بغداد تمضي في مسار احتواء الفصائل على المستوى الداخلي، فيما يبقى الدور الإقليمي لتلك الجماعات خارج قدرة أي حكومة عراقية على ضبطه بمعزل عن طهران.
وتنظر بغداد إلى ملف السلاح بوصفه مفتاحاً لفتح أبواب واشنطن. إذ يعتزم رئيس الوزراء علي الزيدي تلبية دعوة سابقة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لزيارة الولايات المتحدة.
كما تراهن الحكومة على أن إحراز تقدم في هذا الملف قد يشكل شرطاً غير معلن للحصول على دعم خليجي واستثمارات جديدة، وهو ما يشير إليه وزير الخارجية فؤاد حسين ضمن مساعي بغداد للبحث عن مخارج للأزمة الاقتصادية الراهنة.