تغيير حجم الخط     

روبرت كاغان: إيران الخارجة من عقالها ستقرر مصير المنطقة وليس الولايات المتحدة أو إسرائيل

مشاركة » الاثنين أغسطس 24, 2026 11:50 am

6.jpg
 
لندن- “القدس العربي”: ناقش المعلق المعروف روبرت كاغان في مقال له في مجلة “ذي أتلانتك” أن إيران ستكون القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، وليس الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وفي مقاله المعنون “إيران المطلقة من عنانها”، قال إن إيران ولسنوات واجهت وضعا ظل فيه ميزان القوى يميل لصالح خصومها، فقد هيمنت على الشرق الأوسط القوى العظمى الأمريكية العدوانية وإسرائيل النووية والمتفوقة، وعدد آخر من اللاعبين المهمين مثل مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، التي اصطفت من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

أما اليوم، فتجد إيران نفسها في ظل ظروف جديدة، فقد واجهت القوة العظمى وإسرائيل وجها لوجه، وصمدت أمام وابل من أحدث أسلحتهم ونجت.

ونتيجة لذلك، أعادت إيران، بمساعدة أمريكية، تشكيل بنية القوى في الشرق الأوسط والخليج العربي بشكل كامل.

ولهذا ستكون هي المهيمنة في المنطقة مستقبلا، لا أمريكا أو إسرائيل.

وقال كاغان إن الدول المجاورة بدأت بالفعل بالتكيف مع هذا الواقع الجديد، وستفعل القوى الأبعد كذلك، مضيفا أن العالم تعامل ولسنوات مع إيران مقيدة، والآن سيكتشف كيف تكون عندما تتحرر من قيودها.

الدول المجاورة بدأت بالفعل بالتكيف مع هذا الواقع الجديد، وستفعل القوى الأبعد كذلك. العالم تعامل ولسنوات مع إيران مقيدة، والآن سيكتشف كيف تكون عندما تتحرر من قيودها

وتابع أن إيران لا تحتاج إلى اتفاقية مع أمريكا، فقد ثبت خطأ الافتراض الشائع بأن إيران الضعيفة والفقيرة ستضطر في نهاية المطاف إلى تقديم بعض التنازلات للنفوذ الأمريكي وفتح مضيق هرمز والبدء في معالجة اقتصادها المتضرر بشدة.

ومن النادر ما بدت فيه الجمهورية الإسلامية ضعيفة أو أكثر عرضة للخطر مما كانت عليه خلال العامين الماضيين.

ففي شباط/فبراير الماضي، جدد الرئيس ترامب حملة “الضغط الأقصى” للعقوبات الدولية، والتي ألحقت ضررا بالغا بالاقتصاد الإيراني الضعيف أصلا وأدت إلى خسارته مليارات الدولارات.

ثم شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربا استمرت 12 يوما في حزيران/يونيو من ذلك العام لتدمير المنشآت النووية الإيرانية، وألحقت الحرب ضررا كبيرا بالبرنامج الإيراني وكشفت مدى هشاشة البلاد أمام الضربات الإسرائيلية والأمريكية. وفي شباط/فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الأخيرة التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى للنظام وأغلبية كبار مسؤوليه، أعقبها أكثر من خمسة أسابيع من الهجمات المتواصلة على القدرات العسكرية الإيرانية.

مع ذلك، صمد النظام الإيراني طوال هذه الفترة دون تقديم أي تنازلات. بل على العكس، كشفت إيران عن نقطة ضعف أمريكا وهشاشة جيرانها.

وشكل منتصف آذار/مارس نقطة تحول حاسمة، حين هاجمت إسرائيل حقل غاز بارس الجنوبي الإيراني، وردت إيران باستهداف مجمع رأس لفان القطري، أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم. وكشف الهجوم أنه على الرغم من عجز إيران الواضح عن هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية، إلا أن صواريخها وطائراتها المسيرة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للنفط والغاز في الخليج، ما قد يغرق العالم في أزمة اقتصادية طويلة الأمد.

أدركت دول الخليج ذلك فورا، وكذلك فعل ترامب. فأوقف الهجمات على أهداف الطاقة الإيرانية، وأمر إسرائيل، التي كانت مترددة، باتخاذ الإجراء نفسه، وسرعان ما أوقف الحملة الأوسع نطاقا دون انتزاع أي تنازل من إيران. ومنذ ذلك الحين، ورغم التهديدات الكثيرة، لم يأمر ترامب ولو لمرة واحدة بشن ضربة أخرى على البنية التحتية للطاقة الإيرانية.

ويعتقد كاغان أن هذا وحده كان كافيا لتغيير ميزان القوى بين إيران والولايات المتحدة.

ومنذ نيسان/أبريل وحتى الشهر الماضي، هدد ترامب في أكثر من مناسبة بشن هجوم واسع النطاق آخر على إيران. وفي كل مرة، كانت إيران تهدد بالرد، ودول الخليج تحذر من العواقب، فيتراجع ترامب. ومع تهديده الثالث أو الرابع، بات لدى طهران ما يبرر استنتاجها بأن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لمجاراة إيران في تصعيد الموقف.

وعبر ترامب عن هذا بشكل واضح عندما أشار في منتصف حزيران/يونيو إلى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى “كارثة اقتصادية”، وربما حتى “كساد اقتصادي”، وأنه لا يريد أن يصبح مثل الرئيس هربرت هوفر. ومنذ ذلك الحين، يحاول ترامب، بيأس واضح، إنهاء الصراع.

وقد عكست مذكرة التفاهم التي اعتمدتها الولايات المتحدة في حزيران/يونيو هذا الواقع.

ورغم صياغتها التي حرصت على حفظ ماء وجه الولايات المتحدة قدر الإمكان، إلا أن المذكرة كانت انتصارا إيرانيا واضحا، فقد نصت على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دون غيرها من الدول، ستتولى “الترتيبات” لضمان “المرور الآمن للسفن التجارية” عبر مضيق هرمز. وستتولى إيران، من خلال الحوار مع عمان، ودون وسطاء أو أطراف أخرى، إدارة المضيق “بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية”.

وقال إن المذكرة كرست الهزيمة التي منيت بها الولايات المتحدة في آذار/مارس، عندما أدرك ترامب، على ما يبدو، أنه إما لا يستطيع أو لا يرغب في المخاطرة بشن المزيد من الهجمات على منشآت الطاقة في المنطقة.

وبالنظر إلى الماضي، يبدو أن قادة إيران لم يكن لديهم اعتقاد بأنهم يحتاجون إلى مذكرة التفاهم.

ويقال إن الرئيس مسعود بزشكيان أقنع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بالتوقيع عليها. وكانت لامبالاة طهران النسبية مفهومة: فقد عكست التنازلات الأمريكية يأسا شديدا لإنهاء الحرب، لدرجة أن الإيرانيين توقعوا أن تنسحب الولايات المتحدة في نهاية المطاف، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا.

كانت لامبالاة طهران النسبية مفهومة: فقد عكست التنازلات الأمريكية يأسا شديدا لإنهاء الحرب، لدرجة أن الإيرانيين توقعوا أن تنسحب الولايات المتحدة في نهاية المطاف، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا

وأضاف كاغان أن العالم اكتشف، ومعه الإيرانيون، سبب تردد ترامب: انخفاض مخزون الذخائر الأمريكية الحيوية إلى مستويات خطيرة، وأن رئيس هيئة الأركان المشتركة نفسه كان يبحث عن مخرج، موجها بذلك إشارة واضحة بشأن مسار الاستراتيجية الأمريكية المستقبلية.

وقد أظهرت التحركات الأمريكية بوضوح أن واشنطن تخشى التصعيد أكثر من إيران، ليس فقط في الوقت الراهن، بل وفي المستقبل أيضا. وهذا يفرض قيودا على ما يمكن للولايات المتحدة فعله حتى في مستويات النزاع المنخفضة.

وفي ظل التردد الأمريكي الواضح في خوض حملة عسكرية كبرى أخرى، يحق لإيران أن تتساءل عما يمكن أن تجنيه من اتفاق لن تحصل عليه على أي حال دون اتفاق.

ويطالب مسؤولون إيرانيون بارزون الآن بانسحاب القوات الأمريكية ورفع الحصار البحري الأمريكي وجميع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة ودفع تعويضات الحرب. ويعتقد القادة الإيرانيون أن هذه المطالب غير مقبولة بالنسبة لواشنطن، وأنهم بالتالي إما يذلون ترامب أو يحاولون الحصول على اتفاق أفضل، أو أنهم يبالغون في تقدير موقفهم.

ولا يزال العديد من المراقبين يفترضون أن السيطرة على المضيق ورقة مساومة لانتزاع المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة أو لإعادة ترامب إلى مذكرة التفاهم.

ومع ذلك، يقول كاغان إننا تجاوزنا كل ذلك، فالمنتصر لا يضطر للعودة إلى طاولة المفاوضات إلا لتحديد شروط الاستسلام، وقد وضعت إيران الآن تلك الشروط.

وأضاف أن إيران أوضحت ومنذ أشهر أن السيطرة على المضيق غير قابلة للتفاوض. أما الادعاء الذي تروج له إدارة ترامب ووسائل الإعلام باستمرار، بأن الإيرانيين مترددون ويغيرون مواقفهم باستمرار، فهو محض افتراء.

ففي نيسان/أبريل الماضي، أعلن آية الله مجتبى خامنئي أن إيران ستطبق “أطرا قانونية وإدارية جديدة” للمضيق، وأن “الأجانب القادمين من آلاف الكيلومترات” لا مكان لهم في الخليج، “إلا في قاع مياهه”.

وفي ذكرى انتصار إيران على البرتغال في المضيق عام 1622، أعلن أن “بمشيئة الله وقدرته، سيكون مستقبل منطقة الخليج العربي المشرق مستقبلا بلا أمريكا”.

وقال كاغان إن فكرة استسلام إيران للعقوبات وحدها بعدما نجت من الضربات العسكرية، هي فكرة خاطئة، مشيرا إلى أن التغييرات التي أجراها المرشد الحالي، مجتبى خامنئي، تغييرات جذرية في قيادة الأمن القومي الإيراني، بطريقة أعاد فيها تنظيم النظام الناشئ من الحرب على يد رجال يؤمنون بأن إيران نجت من محاولة أمريكية إسرائيلية لتدميرها، وأن التحدي، لا التنازل، هو ما حقق النصر. وكل هذا ليس حسا انتصاريا، فبالنسبة لإيران، السيطرة على المضيق ليست ترفا ولا ورقة مساومة.

فكرة استسلام إيران للعقوبات وحدها بعدما نجت من الضربات العسكرية، هي فكرة خاطئة، والتغييرات التي أجراها المرشد الحالي، مجتبى خامنئي، تغييرات جذرية في قيادة الأمن القومي الإيراني

وقال إن إيران تؤسس منذ عدة أشهر لآليات السيطرة على المضيق، وقامت بإصدار تعليمات لأصحاب السفن والدول حول كيفية عمل النظام. فقد أنشأت هيئة مضيق الخليج العربي وألزمت شركات الشحن بالتسجيل لديها والحصول على تصاريح واتباع المسارات التي تحددها إيران ودفع تكاليف التأمين والأمن الذي توفره. وبهذه الطريقة ترسخ إيران مبدأ أن المرور عبر المضيق سيكون امتيازا تملك طهران منحه أو فرض شروط عليه أو تأخيره أو رفضه.

وقد بدأت دول أخرى بالفعل بالموافقة على هذا الترتيب الجديد، حيث سعت الهند وباكستان والعراق وتركيا والصين وغيرها إلى التوصل إلى اتفاق.

ويرى كاغان أن سيطرة إيران على مضيق هرمز هي أداة قوة أكثر فاعلية من السلاح النووي.

ويناقش أن استراتيجية العقوبات التي حاولت ولعقود عزل إيران، قامت على التعاون الدولي. وعليه، ستضطر الدول التي تعتمد على الوصول إلى المضيق، كاليابان وكوريا الجنوبية مثلا، للاختيار بين الحصول على إمدادات طاقة موثوقة والمشاركة في العقوبات المدعومة أمريكيا، فهل ستختار هذه الدول التضامن مع واشنطن، واشنطن الحالية، على مصالحها الاقتصادية؟

ففي ظل النظام الجديد الذي تسعى إيران إلى ترسيخه، من المرجح أن يكون نظام العقوبات العالمي غير مستدام. ومن المحتمل أن تحافظ إيران على سيطرتها على تدفق الطاقة لعامين على الأقل. وتشير أكثر التوقعات تفاؤلا إلى أن إنشاء خطوط أنابيب بديلة وطرق تصدير تتجاوز مضيق هرمز سيستغرق هذه المدة.

وفي هذا السياق، بدأت مواقف دول المنطقة بالتغير، فحكام الخليج الذين كانوا يعتمدون في السابق على الضمان الأمني الأمريكي، باتوا الآن مضطرين إلى عقد صلح مع القوة التي أثبتت قدرتها على هزيمة حاميهم. ورفض السعودية لاتفاقيات إبراهيم المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، لصالح اتفاق استراتيجي مع باكستان وتركيا، يشير إلى ملامح المستقبل.

فقد مثلت اتفاقيات إبراهيم ترسيخا للقوة والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة ومزيدا من احتواء إيران. أما اتفاق مكة فهو أمر مختلف تماما، ولا تعتبر باكستان ولا تركيا إيران تهديدا رئيسيا، فباكستان، مثل إيران، تربطها علاقات وثيقة بالصين، وتعتبر إسرائيل تركيا تهديدا إقليميا لا يقل خطورة عن إيران. وبدلا من نظام أمريكي-إسرائيلي، سيكون هذا تحالفا أقل عدائية لإيران وأقل ودا لإسرائيل وأكثر استقلالية عن الولايات المتحدة.

ولم يستبعد الكاتب استئناف إيران برنامجها النووي دون خوف من هجوم كبير آخر.

هذه الحقيقة بحد ذاتها ستغير موازين القوى الإقليمية، ففي العام الماضي، قصفت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية لمدة 12 يوما دون أن تواجه ردا إيرانيا جادا. والآن، باتت إيران أكثر جرأة في استخدام سيطرتها على المضيق، وتهديداتها للدول المجاورة وبنيتها التحتية للطاقة، لردع أي ضربات مماثلة في المستقبل المنظور.

وسيستغرق تجديد مخزون الصواريخ الأمريكية، بما فيها صواريخ الاعتراض، وقتا طويلا، وقد تكون هناك حاجة ماسة إليها في مناطق أخرى من العالم في السنوات القادمة. وستواصل إيران في الوقت نفسه إعادة تسليح نفسها بمساعدة روسية وصينية، مما قد يجعل الولايات المتحدة في وضع أسوأ بعد عام مما هي عليه اليوم.

وبالمحصلة، يرى الكاتب أن سقوط النظام الإيراني أمر وارد بلا شك، فهو نظام فاسد وقمعي وغير مقتدر اقتصاديا ومكروه على نطاق واسع من قبل شعبه، لكنه كان يعاني من كل هذه النقاط الضعيفة قبل الحرب.

وما كان ينقصه هو السيطرة على أهم ممر حيوي للطاقة في العالم، وإمكانية زيادة الإيرادات والنفوذ والقدرة المثبتة على التأثير في الولايات المتحدة، والحصول على نصر بدا مستحيلا.

ومن المرجح أن يخرج نظام نجا مما اعتقد معظم العالم أنه سينهار، ثم أجبر القوة المهيمنة عالميا على التراجع، أقوى، على الأقل لفترة من الزمن.

ويكتب ساخرا أن رؤية مقالات في صحيفة “نيويورك تايمز” تتساءل: “من سيتراجع أولا؟” أمر مثير للسخرية، بالنظر إلى أن الإيرانيين لم يتراجعوا قط، بينما لم تفعل إدارة ترامب شيئا سوى التردد، بل قد تعود إيران للقتال مجددا لإجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات