بغداد/ تميم الحسن
يتداول في الأوساط السياسية خياران ثقيلان: “الثلث المعطل” أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، في حال واصل نوري المالكي ومعسكر “الموالاة” الإصرار على المضي بترشيحه لرئاسة الحكومة المقبلة.
ووفق معطيات سياسية، فإن معسكر “الموالاة” منح مهلة قصيرة لما يصفهم بـ”المعترضين” على تولي المالكي، في إشارة تُحمِّل الأكراد وحدهم مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة، متجاهلاً قوى أخرى شيعية وسنية تعترض على هذا الترشيح.
وخلال الأسابيع الماضية، فشل البرلمان مرتين في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وهي الخطوة الدستورية التي كان يُفترض أن تفضي إلى تكليف مرشح “الكتلة الأكبر” – المالكي – بتشكيل الحكومة الجديدة.
لكن مصادر سياسية تشير إلى أن السبب الحقيقي لتعطل الجلسات لا يكمن في الخلافات الإجرائية، بل في ترشيح المالكي نفسه، الذي تواجهه اعتراضات شيعية بالدرجة الأولى، إضافة إلى موقف أميركي هدّد بوقف دعم العراق في حال تمرير المرشح.
تحرّك معسكر “الموالاة”
وتؤكد المصادر أن تحركات وفود من “الإطار التنسيقي” باتجاه إقليم كردستان تأتي في إطار السعي لمنع تشكّل “ثلث معطل” قد يضم قوى شيعية وسنية وكردية رافضة للمالكي.
وفي هذا السياق، وصل أمس رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني إلى إقليم كردستان برفقة هادي العامري، زعيم “منظمة بدر”، ومحسن المندلاوي، نائب رئيس البرلمان السابق، في زيارة يمكن اعتبارها تحركاً مباشراً لمعسكر “الموالاة”.
وأفاد المكتب الإعلامي للسوداني، في بيان مقتضب، أن “رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني يصل إلى إقليم كوردستان العراق برفقة وفد سياسي رفيع في زيارة تشمل محافظتي أربيل والسليمانية”.
في المقابل، تلفت المصادر إلى أن الخطاب الإعلامي يركّز على تحميل الأكراد وحدهم مسؤولية الأزمة، رغم أن قادة شيعة بارزين، بينهم عمار الحكيم، وقيس الخزعلي، وحيدر العبادي، وآخرون، يعترضون على ترشيح المالكي، إلى جانب محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان السابق.
ويكشف عضو المكتب السياسي لحركة “صادقون”، حسين الشيحاني، جانباً من هذا الرفض، قائلاً في مقابلة تلفزيونية:
“لو قيل لنا إننا نريد تكليف السيد المالكي ونحتاج تواقيع قادة الإطار لتقديمها إلى رئيس الجمهورية الجديد، فإن سماحة الشيخ قيس الخزعلي لن يوقّع على التكليف، لكن إذا مضوا بالأغلبية وشُكّلت الحكومة ولم تكن هناك أسباب جديدة تمنع منح الثقة، فسنمنحها”.
وتشير الجلسات البرلمانية الأخيرة، التي فشلت في تحقيق النصاب القانوني، إلى أن الحضور أقل من 100 نائب، ما يعني أن الغياب لم يقتصر على الكتل الكردية، بل شمل قوى شيعية وسنية أيضاً.
ويحتاج خيار “الثلث المعطل” إلى ما لا يقل عن 110 نواب، وهو رقم لا يمكن بلوغه إلا عبر تحالف واسع يضم ثلاث قوى شيعية، وقوتين كرديتين، وثلاث كتل سنية.
وبحسب تقديرات متداولة، فإن القوى السنية المرشحة لهذا المسار تشمل تحالف “تقدم” بزعامة محمد الحلبوسي (37 مقعداً)، وتحالف “الجماهير” بزعامة أبو مازن (3 مقاعد)، وتحالف “السيادة” بزعامة خميس الخنجر (9 مقاعد).
أما على المستوى الشيعي، فتشمل التوقعات “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي (27 مقعداً)، و”تيار الحكمة” بزعامة عمار الحكيم (18 مقعداً)، وتحالف “خدمات” (5 مقاعد)، إلى جانب “الاتحاد الوطني الكردستاني” (15 مقعداً) و”الجيل الجديد” (3 مقاعد).
“الجوع ولا الذل”
ورغم هذه التعقيدات، يصرّ معسكر “الموالاة” على تمرير المالكي “مهما كان الثمن”. ويقول النائب عن كتلة “بدر” حسن شاكر الكعبي إن “العراقيين يتحملون الجوع ولا يقبلون بالذل”، مضيفاً أن “بريطانيا لم تأبه بتهديدات ترامب، ويجب أن نمضي ولا نراعي تغريداته”.
في المقابل، يؤكد رئيس تحالف “تصميم” والقيادي في الإطار التنسيقي، عامر الفايز، التمسك بالمالكي “خصوصاً بعد الإملاءات الخارجية”، مشدداً على أن الجلسة ستُعقد اليوم الثلاثاء “سواء اتفق الكرد أم لا”.
وتسعى قوى “الموالاة” إلى التخفيف من حدة خرق المواعيد الدستورية، بهدف كسب وقت إضافي لتمرير المالكي دون الوصول إلى “ثلث معطل”. إلا أن هذه الإخفاقات بدأت تتحول إلى مطالبات نيابية بحلّ البرلمان، ما يدفع بعض القوى الشيعية إلى التفكير بخيار الإبقاء على حكومة السوداني لعام إضافي، في حال الإصرار على المالكي، مع التوجه إلى انتخابات مبكرة نهاية العام.
وفي هذا الإطار، أعلن رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في البرلمان، شاخوان عبد الله، أن ترشيح المالكي “أثّر بشكل مباشر في عملية انتخاب رئيس الجمهورية”، موضحاً أن الأزمة داخل البيت الشيعي كانت أحد أسباب تأجيل الجلسة.
تعطّل “رأس التريلة”
وكان “الإطار التنسيقي” قد فشل لأكثر من شهرين في ثني المالكي عن السعي لولاية ثالثة، يُعتقد أنها قد تكون الأخيرة في مسيرته السياسية. وفي خضم ذلك، تتحدث أوساط سياسية عن إبعاد الممثل الأميركي الخاص بالعراق، مارك سافايا، بسبب فشله في منع المالكي، الذي بات يُعرف داخل أوساطه بلقب “رأس التريلة”، في إشارة إلى نفوذه وقوة حضوره.
وبحسب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، فإن سافايا لم يعد يشغل منصب مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون العراق، وأن توم باراك بات يدير الملف العراقي حالياً.
ويرى مراقبون أن باراك، الذي زار العراق أكثر من مرة، كان قد أوقف في السابق جلسة برلمانية كانت وشيكة لتسمية المالكي، كما صرّح بعد لقائه مسعود بارزاني بأن “أي حكومة تُنصَّب بدعم إيراني لن تكون ناجحة”.
ويُرجَّح أن يكون باراك أكثر تشدداً في منع المالكي، نظراً لنهجه الداعم للحكومات المركزية القوية، كما حدث في سوريا.
وتشير معلومات نقلها سياسي مقرّب من محمد شياع السوداني إلى أن القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، أبلغ المالكي قبل أيام قليلة، وجهاً لوجه، بأنه “مرفوض”، لكن التحالف الشيعي تجاهل الرسالة.
وفيما غاب عمار الحكيم عن اجتماع التحالف الشيعي الأخير الذي تم فيه إعادة ترشيح المالكي، بدا حيدر العبادي متحفظاً، مؤكداً أن “مصالح الشعب تعلو على مصالح الأشخاص”.
ورجّح محللون وسياسيون أن يحاول المالكي التواصل مع الولايات المتحدة بوصفه “رجل واشنطن الجديد” في العراق، غير أن هذه المحاولة، بحسب تقديراتهم، قد تنتهي بـ”حرب طائفية” وعقوبات أميركية و”حصار”.
دور المبعوثين
في المقابل، يقلل الباحث أحمد الياسري، رئيس المركز العربي–الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، من تضخيم دور سافايا، معتبراً أن السياسة الأميركية لا تتغير بتغير المبعوثين.
ويقول إن “دور المبعوث الأميركي مارك سافايا جرى تضخيمه إعلامياً قبل أن يبدأ عمله فعلياً في العراق”، معتبراً أن هذا التضخيم تقف خلفه وسائل إعلام محلية، في حين أن سافايا “غير معروف على نطاق واسع في الإعلام الأميركي أو الغربي”.
ويشير الياسري إلى أن سافايا لم يباشر مهامه عملياً، ولم يقم سوى بنشر عدد من التغريدات، مع إعلان نيته زيارة العراق، قبل أن تتداول أنباء عن إقالته حتى قبل وصوله إلى بغداد.
ويضيف الياسري أنه تواصل شخصياً مع زملاء مقربين من سافايا، مؤكداً أنه لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بإقالته، لافتاً إلى أن سافايا نفسه ما يزال ينفي خبر إبعاده.
ويشبّه الياسري دور سافايا بـ”المشرط في عملية جراحية”، موضحاً أنه “إذا غاب مشرط، سيأتي مشرط آخر”، في إشارة إلى أن غياب أو بقاء ممثلي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يؤدي إلى تغيير جوهري في السياسة الأميركية تجاه العراق.
ويؤكد أن أي تغيير محتمل في شخصية المبعوث الأميركي “لن يترك أثراً فعلياً، لأن التأثير الحقيقي مرتبط بصانع القرار، وليس بالوسيط”، معتبراً أن المبعوث الأميركي ليس سوى “مرآة عاكسة لما تريده إدارة ترامب”.
ويختم الياسري بالقول إن المبعوث لا يملك صلاحية تغيير المواقف الأميركية، بل يقتصر دوره على تقدير المواقف وإدارة المفاوضات، مشدداً على أن تصويره كصاحب قرار أو رأي مستقل في السياسة العراقية “مبالغة إعلامية”.