تغيير حجم الخط     

أسرع ولادة وأكبر "كعكة": الحكومة الجديدة الأسبوع المقبل مناصب للوجاهة واستنزاف الأموال.. و"النفط" الأغلى في "سوبر ماركت" الوزارات

مشاركة » الأربعاء مايو 06, 2026 1:21 am

1.jpg
 
بغداد / تميم الحسن

يدخل العراق الأسبوع المقبل نفقاً جديداً من الاختبارات السياسية مع إقرار الكابينة الوزارية الجديدة التي باتت "شبه مكتملة". هي الوزارة الأسرع ولادةً في تاريخ الحكومات المتعاقبة، لكنها سرعة لا تبشر بالضرورة بالرشاقة بقدر ما تثير طبقات سميكة من الأسئلة حول "الثمن" وموازين القوى التي صاغت هذا الاستعجال.

وفي مفارقة لافتة، يبدو أن الملياردير علي الزيدي، الذي يُفترض أن يتسلم مقاليد السلطة الأسبوع المقبل، قد اختصر بـ"ضربة حظ" أو "تسوية كبرى" سنوات من التحضيرات والمخاضات العسيرة التي كابدها سلفه محمد شياع السوداني.
غير أن خلف هذه السرعة، تضطرب الروايات حول حجم "الكعكة" الوزارية. فالتسريبات تتحدث عن كابينة متضخمة تعيد إحياء تقاليد "الترضية" عبر إضافة مناصب جديدة، لعل أبرزها تعدد نواب رئيس الحكومة وإعادة الروح إلى مناصب نواب رئيس الجمهورية.
كواليس "الطبخة" الحكومية
وفي هذا السياق، يكشف القيادي في تيار الحكمة، فهد الجبوري، لـ(المدى)، عن "هندسة" التفاوض الجارية؛ حيث يقول إنه: "انتهت اللجنة الفنية داخل الإطار التنسيقي من حسم ملف الاستحقاقات الوزارية، استعداداً لعرض الكابينة الأسبوع المقبل".
وأكد، بالمقابل، الإبقاء على ملفات "الوكلاء والمدراء العامين" والهيئات المستقلة كجزء ثانٍ من المفاوضات المؤجلة. هذا الفصل المتعمد يشير إلى أن القوى السياسية تُرحّل الأزمات العميقة إلى ما بعد تشكيل الحكومة، لضمان تمرير الحكومة قبل تعقد التفاهمات.
على الطرف الآخر، بدأت صرخات "البورصة" السياسية تتعالى من داخل أروقة البرلمان. النائب ياسر إسكندر وتوت كشف عن حراك لافت يقوده أكثر من 100 نائب، لا لمناقشة البرنامج الحكومي، بل للضغط باتجاه تثبيت "عناصر القوة" داخل الكابينة، وتحديداً الإبقاء على عبد الأمير الشمري في وزارة الداخلية، بعيداً عن تقلبات المزاج السياسي.
ويشير وتوت، في مقابلة تلفزيونية، إلى أن "سعر" وزارة النفط في سوق التنافس الحالي قد ارتفع ليصل إلى 20 نقطة، في حين قال نواب آخرون إن كلفة الوزارة وصلت إلى "23 نقطة".
ويبرز علي الزيدي كصيغة "صفرية" في عرف المحاصصة؛ فرجل الأعمال الطارئ على السياسة لا يملك كتلةً تُثقله، ما منحه سرعةً قياسية في حسم كابينته خلال أسبوعين، متجاوزاً تعقيدات سلفه السوداني. لكن هذه السرعة تثير الريبة حول طبيعة الصفقات المبرمة.
ولا تخضع ولادة الحكومات في العراق لمنطق البرامج السياسية بقدر خضوعها لـ"صيغة عرفية" صارمة تحولت، مع مرور الوقت، إلى "قانون غير مكتوب" يحكم توزيع المغانم التنفيذية. هذه الصيغة، التي تعتمد نظام "النقاط"، تُحيل الدولة إلى جدول بيانات حسابي يربط بين عدد المقاعد النيابية وثقل الوزارة النوعي، سواء كانت سيادية أو خدمية.
ووفقاً لهذا الميزان الطائفي والسياسي المعتمد منذ عام 2005، تستقر كفة الميزان عند القوى الشيعية التي تستحوذ على نحو ثلثي الكابينة الوزارية، بينما يُترك الثلث المتبقي ليوزع بين المكونين السني والكردي وبقية الأقليات، في محاكاة رقمية للواقع الديموغرافي والسياسي.
وتتوزع الوزارات في "بازار" التشكيل الحكومي على ثلاث فئات طبقية، لكل منها سعرها السياسي الخاص:
الفئة (أ) - الوزارات السيادية: وتكلف الكتلة الراغبة بها نحو 15 نقطة. وتشمل هذه الفئة مفاصل الدولة الحساسة مثل الخارجية، الدفاع، المالية، والنفط.
الفئة (ب) - الوزارات الإنتاجية: وتأتي في المرتبة الثانية بقيمة 12 نقطة. وتضم وزارات حيوية مثل الكهرباء، الصناعة، والتخطيط، وهي وزارات تمتاز بميزانيات تشغيلية واستثمارية ضخمة.
الفئة (ج) - الوزارات الخدمية: وتُصنف كوزارات تماس مباشر مع الجمهور بوزن 10 نقاط. وتشمل الصحة، الإعمار والإسكان، والموارد المائية. ورغم انخفاض قيمتها النقطية مقارنة بالسياديات، إلا أنها تظل أدوات قوية بيد الأحزاب لتثبيت قواعدها الشعبية عبر بوابة الخدمات والتعيينات.
ووفق هذه التصنيفات، يسعى الإطار التنسيقي للاستحواذ على 12 حقيبة تضم عدداً من الوزارات السيادية، وسط قفزة في "سعر" وزارة النفط إلى 23 نقطة (لصالح نوري المالكي)، بينما يثبت ائتلاف السوداني أقدامه بالمالية والتربية وربما ثلاث وزارات أخرى.
أما القوى السنية فستحصل على ست وزارات، فيما حسمت كردستان حصتها (الخارجية، الإعمار، البيئة، العدل) بزيارة خاطفة للزيدي ومفاوضات يقودها نيجيرفان بارزاني في بغداد لإنهاء المقاطعة وحل ملف الرواتب.
ورغم "الحرية الشكلية" الممنوحة للزيدي، يبقى مقيداً بآلية "المرشحين الثلاثة". ويحاول الرجل المزاوجة بين "حكومة الاستمرارية" (بقاء الشمري وطيف سامي) وخلفيته الاقتصادية لمواجهة أزمة الدولار. ومع ذلك، يطل "التضخم" برأسه عبر استحداث مناصب لنواب رئيس الوزراء والجمهورية؛ وهي خطوة تهدف لإرضاء الجميع بـ"رشوة مناصب" تُثقل كاهل الدولة على حساب كفاءة القرار.
تضخم "الكابينة".. هندسة الإرضاء
لا يبدو أن استحداث المناصب في حكومة الزيدي المرتقبة يأتي استجابةً لضرورات إدارية، بل هو انعكاس لـ"ضيق السياسة" واتساع مساحة الصفقات. هكذا يقرأ الباحث السياسي باسل حسين المشهد، معتبراً أن زيادة عدد الوزارات ونواب رئيس الوزراء ليست دليلاً على رصانة الرؤية، بل هي محاولة مكشوفة لـ"شراء الاستقرار" بالمناصب، وهو ما سينتج بالضرورة حكومة "أثقل وأبطأ" وأقل قدرة على المناورة في اتخاذ القرار.
ويرى حسين، في حديث لـ(المدى)، أن ما يجري هو تحويل للأزمة السياسية إلى عملية "توزيع مغانم"؛ فبدلاً من معالجة الخلافات الجوهرية عبر برنامج حكومي واضح، يجري امتصاص الاحتقان بإضافة حقائب ومواقع نيابية تمنح كل طرف شعوراً بالوجود داخل السلطة. إنها الدولة حين تتحول من "جهاز لإنتاج السياسات" إلى مجرد "طاولة مستديرة" لتوزيع الحصص وطمأنة الأطراف، حيث تولد الحكومة من رحم الإرضاء لا من منطق الكفاءة.
وفي الكواليس، تبدو الشهية السياسية مفتوحة على أقصى مدياتها في توسيع الحكومة لتشمل مناصب لم تعد موجودة منذ سنوات، والنبش في الدفاتر القديمة واستعادة تقليد "نواب رئيس الوزراء والجمهورية" الذي أُلغي قبل عقد، لاستيعاب فائض الطموحات التي لم تعد الحقائب التقليدية تتسع لها.
ويرى الباحث في الشأن السياسي، منقذ داغر، أن إصرار "الإطار التنسيقي" على إحياء مناصب نواب رئيس الوزراء والجمهورية كعناوين قيادية مستقلة - وليست فخرية أو مضافة للحقائب الوزارية - يمثل انتكاسةً إدارية، خصوصاً وأن شغل هذا المنصب بات يتطلب "12 نقطة" في بورصة المحاصصة.
ويشير داغر، في حديث لـ(المدى)، إلى أن هذه المناصب لن تقدم أو تؤخر في الأداء الحكومي، مثل منصب نائب رئيس الجمهورية الذي "بلا قيمة فعلية".
وبحسب قراءته، فإن الغرض الوحيد من هذه الاستحداثات هو "إرضاء الكل" وتقاسم "كعكة" الدولة عبر تأمين الامتيازات، والرواتب الضخمة، والمخصصات، والإيفادات التي ترهق ميزانية البلاد.
وفي رسالة مباشرة وجهها إلى المكلف علي الزيدي، حذر داغر من أن تكون هذه البداية "مؤشراً لنهاية سيئة"، داعياً إياه - بصفته رجلاً قادماً من عالم الاقتصاد والمال - إلى رفض هذه الصيغ التي تستنزف أموال العراق الشحيحة.
ويختم داغر رؤيته بالتأكيد على أن مهمة الزيدي الأساسية هي الحفاظ على الثروة الوطنية من الهدر في "مغانم" تُمنح لقوى وشخصيات لا تمتلك رصيداً من الإنجاز، مشدداً على أن الدولة لا تُبنى بمنطق "المحاباة"، بل بمنطق الحفاظ على الموارد وتوجيهها نحو المسارات التنموية الصحيحة بعيداً عن "بازار" النقاط الحزبي.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات