تغيير حجم الخط     

التزامن الإعلامي لكشف مشاركة الإمارات والسعودية في الحرب على إيران نجاح محمد علي

مشاركة » الخميس مايو 14, 2026 11:23 pm

أهداف استراتيجية أم رسائل سياسية في مرحلة ما بعد النار؟
في عالمنا هذا اليوم حيث الصراعات الإقليمية مستمرة بدون توقف ، لا تُنشر الأخبار الحساسة دائماً بهدف الإخبار فقط، فهي كثيراً ما تكون جزءاً من المعركة نفسها. فالتوقيت، وطريقة التسريب، واختيار المنصات الإعلامية، واللغة المستخدمة، كلها عناصر تدخل ضمن ما يُعرف بـ”الحرب الإدراكية” أو “حرب تشكيل الوعي”. ومن هنا، فإن التزامن اللافت في نشر التقارير الغربية والإسرائيلية حول مشاركة الإمارات والسعودية بصورة مباشرة في الحرب الأخيرة على إيران لا يمكن التعامل معه باعتباره عملاً صحفياً أو عملاً استقصائياً منفصلاً عن السياق السياسي والعسكري الأوسع.
خلال أيام قليلة فقط، ظهرت سلسلة من التقارير المتتابعة التي تحدثت عن دور خليجي مباشر في العمليات العسكرية ضد إيران خلال الحرب الأخيرة، التي أطلقت عليها بعض الأوساط الإسرائيلية والأمريكية تسميات مثل “الأسد الزائر” أو ما يشابهها. البداية كانت مع تقرير لوكالة رويترز تحدث عن تنفيذ السعودية ضربات جوية سرية داخل الأراضي الإيرانية أواخر مارس الماضي، ثم تبع ذلك تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال حول ضربة إماراتية استهدفت منشآت نفطية في جزيرة لاوان الإيرانية، وصولاً إلى إعلان مكتب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن زيارة سرية إلى الإمارات ولقائه الشيخ محمد بن زايد خلال فترة الحرب نفسها،و قد نفت أبوظبي ذلك بينما قالت طهران إنها كانت تعلم بتلك الزيارة.
هذا التسلسل المتزامن يطرح سؤالاً بالغ الأهمية: لماذا الآن؟ ولماذا تُكشف هذه المعلومات دفعة واحدة بعد توقف العمليات الكبرى وبدء الحديث عن وقف إطلاق نار هش وغير مستقر؟
من السرية إلى الإعلان المدروس
الملاحظ أن كلاً من السعودية والإمارات التزمتا خلال الحرب حالة من الغموض السياسي والإعلامي. فبرغم تعرضهما لهجمات إيرانية مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لم يصدر عنهما إعلان رسمي واضح حول أي مشاركة هجومية ضد إيران. كان هناك حرص شديد على إبقاء الأمور ضمن إطار “الدفاع عن النفس” وعدم الظهور كطرف رئيس في الحرب.
لكن ما حدث لاحقاً يكشف أن مرحلة جديدة بدأت بعد توقف المواجهات الكبرى. إذ يبدو أن قراراً ما قد اتُّخذ داخل محور واشنطن–الكيان –بعض العواصم الخليجية يقضي بإخراج جزء من الوقائع إلى العلن، بهدف التصعيد العسكري المباشر، و تثبيت معادلات سياسية وأمنية جديدة في المنطقة.
فالإعلان عن ضربات سعودية وإماراتية داخل إيران يعني عملياً أن دولاً في مجلس التعاون الخليجي لم تعد تكتفي بلعب دور الممول أو الداعم اللوجستي أو السياسي، بل انتقلت – ولو بشكل محدود ومدروس – إلى دور الفاعل العسكري المباشر. وهذه نقطة تحول استراتيجية في بنية الصراع الإقليمي.
الرسالة الأولى: الردع المتبادل تغيّر
أحد أهم أهداف هذا التسريب الإعلامي يتمثل في بناء صورة ردعية جديدة تجاه إيران. فخلال السنوات الماضية، اعتادت طهران على استخدام مفهوم “الردع غير المتكافئ” عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى الحليفة في المنطقة، إلى جانب القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة. وكانت دول مجلس التعاون الخليجي غالباً تظهر في موقع الدفاع أو الاحتماء بالمظلة الأمريكية.
لكن الكشف عن ضربات مباشرة داخل العمق الإيراني يحمل رسالة واضحة:
أن بعض الدول الخليجية باتت مستعدة للانتقال من مرحلة الدفاع السلبي إلى مرحلة الرد الهجومي المحدود.
السعودية – بحسب ما نقلته التقارير الغربية – قامت بإبلاغ إيران مسبقاً ببعض الضربات، ما يكشف عن معادلة معقدة تقوم على الدمج بين الردع والتفاهم في آن واحد. بمعنى أن الرياض أرادت القول إنها قادرة على الرد، لكنها لا تريد الانزلاق إلى حرب شاملة تهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها رؤية 2030.
أما الإمارات، فقد بدت – وفق التقارير – أكثر اندفاعاً وحزماً، خصوصاً بعد الأضرار التي لحقت بمرافقها الاقتصادية والسياحية خلال الحرب. ولذلك فإن الكشف عن استهداف مصفاة لاوان الإيرانية يحمل بُعداً نفسياً أيضاً، إذ يهدف إلى إثبات أن الإمارات ليست الحلقة الأضعف، وأنها قادرة على نقل المعركة إلى الداخل الإيراني إذا اقتضت الضرورة.
الكيان واستثمار الحرب سياسياً
إعلان مكتب نتنياهو عن الزيارة السرية للإمارات كان مدروساً بدقة. فاختيار توقيت الإعلان بحد ذاته يحمل أبعاداً سياسية عميقة بعد دخول مصر على الخط .
الكيان يدرك أن الحرب الأخيرة، رغم ما حققته من ضربات وأضرار، لم تُنهِ القدرات الإيرانية بالكامل، كما أنه لم يستطع فرض صورة “الانتصار الحاسم” بصورة مطلقة. لذلك يسعى الكيان اللقيط إلى تعويض ذلك عبر إبراز نجاحه في بناء تحالف إقليمي واسع ضد إيران.
عندما يُعلن عن لقاء سري بين نتنياهو و الشيخ محمد بن زايد خلال الحرب، فالمقصود ليس فقط الإشارة إلى التعاون الأمني، بل أيضاً إيصال رسالة للرأي العام الصهيوني والغربي مفادها أن الكيان ليس معزولاً في المنطقة، وأن دولاً عربية مؤثرة باتت شريكاً مباشراً في المواجهة مع إيران.
هذا يخدم نتنياهو خارجياً بتحسين صورته كمجرم حرب . و يخدمه داخلياً في مرحلة حساسة، خصوصاً إذا كانت حكومته تواجه انتقادات مرتبطة بكلفة الحرب أو نتائجها. فإظهار التحالفات الجديدة يمنحه صورة “القائد الذي غيّر الشرق الأوسط”، وهي الرواية التي طالما حاول تسويقها.
واشنطن وإعادة تشكيل الجبهة الإقليمية
لا يمكن فصل هذه التسريبات عن الدور الأمريكي. فالتقارير كلها تقريباً خرجت عبر وسائل إعلام غربية كبرى تعتمد بدرجات متفاوتة على مصادر أمنية واستخباراتية أمريكية أو غربية.
وهذا يوحي بأن واشنطن ليست بعيدة عن قرار الكشف الإعلامي، بل هي جزء أساسي منه.
الإدارة الأمريكية تدرك أن المنطقة بعد الحرب لم تعد كما قبلها. فهناك تراجع نسبي في الثقة الخليجية بالحماية الأمريكية التقليدية، يقابله صعود واضح لفكرة “التحالف الأمني الإقليمي” الذي يضم الكيان وبعض الدول العربية.
لذلك فإن إبراز المشاركة الخليجية في الحرب يخدم هدفين أمريكيين أساسيين:
الأول، إظهار وجود جبهة موحدة ضد إيران، بما يعزز الموقف التفاوضي الأمريكي في أي محادثات مستقبلية تتعلق بالبرنامج النووي أو العقوبات أو أمن الملاحة في مضيق هرمز .
والثاني، تكريس النظام الصهيوني كجزء طبيعي من البنية الأمنية للمنطقة، وليس ككيان لقيط منفصل عنها.
بعبارة أخرى، فإن واشنطن تريد تحويل “اتفاقيات إبراهيم” من تطبيع سياسي واقتصادي وثقافي وحتى ديني إلى تحالف أمني وعسكري متكامل.
إيران بين الصمت والحسابات المعقدة
الموقف الإيراني من هذه التسريبات اتسم بالحذر. فطهران لم تذهب إلى نفي كامل، لكنها أيضاً لم تقدم اعترافاً رسمياً مباشراً بكل ما نُشر واكتفت بالقول إنها كانت تعلم معززة ذلك بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي حول مشاركة الإمارات والبحرين في الحرب عليها.
ويبدو أن القيادة الإيرانية تدرك حساسية المرحلة الحالية. فهي من جهة لا تريد إظهار نفسها بمظهر الطرف الذي تعرض لاختراقات وضربات دون رد، ومن جهة أخرى لا تريد تدمير ما تبقى من فرص تثبيت وقف إطلاق النار أو فتح مسارات تفاوض غير مباشرة.
لكن الواضح أن إيران تعتبر هذه التسريبات جزءاً من عملية ضغط سياسي ونفسي. ولذلك ركزت بعض التصريحات الإيرانية على اتهام الإمارات بتوفير قواعد أو منصات للعمليات الأمريكية والصهيونية ، مع التلميح إلى إمكانية الرد مستقبلاً إذا تكررت مثل هذه الأدوار.
في المقابل، تدرك طهران أن أي تصعيد كبير الآن قد يمنح خصومها فرصة لإعادة تشكيل تحالف دولي واسع ضدها، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والعقوبات المستمرة.
لذلك يبدو أن إيران تحاول إدارة الموقف وفق قاعدة “الرد المحسوب”، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط غير مباشرة عبر حلفائها الإقليميين.
صحيح أن إيران تتوقع هجوماً وشيكاً من العدو، وقد أعدّت مسبقاً خطة واسعة لمواجهة أي عدوان محتمل، تقوم على توسيع نطاق الاشتباك إلى ساحات وأماكن في المنطقة لم تكن في حسبان الخصم، بما يغيّر معادلات المواجهة ويضع العدو أمام مفاجآت ميدانية واستراتيجية غير متوقعة، لكنها تريد حالياً عدم الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة تقول إنها مستعدة لها.
الحرب الإعلامية بعد الحرب العسكرية
ما يجري اليوم لايتعلق فقط بكشف معلومات، إنه امتداد للحرب بوسائل أخرى.
فالمرحلة الحالية تشهد محاولة كل طرف فرض روايته الخاصة لما حدث:

الكيان يريد القول إنه نجح في بناء محور إقليمي ضد إيران.
الإمارات تريد إظهار نفسها كقوة قادرة على الرد والهجوم.
السعودية تريد إثبات أنها ليست مترددة أو ضعيفة، لكنها في الوقت نفسه حريصة على الاستقرار.
أمريكا تريد تثبيت صورة “التحالف الموحد”.
إيران تريد منع خصومها من تحويل التسريبات إلى صورة انتصار كامل عليها.

ومن هنا، فإن المعركة الإعلامية الحالية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية نفسها، لأن نتائجها ستؤثر على توازنات الردع، وعلى طبيعة التحالفات، وعلى شكل المفاوضات المقبلة.
تحول استراتيجي أم مناورة مؤقتة؟
السؤال الأهم يبقى: هل ما جرى يمثل تحولاً استراتيجياً دائماً في سياسة دول الخليجي تجاه إيران، أم أنه مجرد رد فعل ظرفي فرضته ظروف الحرب الأخيرة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن هناك بالفعل تحولاً تدريجياً في العقيدة الأمنية الخليجية، خصوصاً لدى الإمارات والسعودية. فالدولتان لم تعودا ترغبان في الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية التقليدية، بل تسعيان لبناء قدرات ردع مستقلة، ولو ضمن التنسيق مع واشنطن و يافا المحتلة و القاهرة أيضاً.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة رغبة في حرب مفتوحة مع إيران. بل على العكس، يبدو أن الهدف الأساسي هو فرض توازن ردع جديد يمنع طهران من استهداف المصالح الخليجية دون كلفة مباشرة.
ومع ذلك، فإن هذا المسار يحمل مخاطر هائلة، لأن أي خطأ في الحسابات أو أي عملية غير منضبطة قد تعيد المنطقة سريعاً إلى دوامة التصعيد.
و في النهاية، فإن التزامن الإعلامي في كشف مشاركة الإمارات والسعودية في الحرب على إيران يبدو أقرب إلى عملية سياسية وإعلامية مدروسة بعناية، تهدف إلى إعادة رسم معادلات القوة والردع في غرب آسيا بعد الحرب الأخيرة.
الرسائل متعددة، والجهات المستفيدة كثيرة، لكن الثابت أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد التحالفات تُدار في الظل فقط، ولم تعد الحروب تُخاض بالصواريخ وحدها، بل أيضاً عبر التسريبات، والصور، والعناوين، وصناعة الرواية السياسية.
وفي ظل وقف إطلاق نار هش، وتوازنات شديدة الحساسية، فإن كل خبر يُنشر قد يكون جزءاً من معركة أكبر لم تنتهِ بعد، بل ربما بدأت للتو.

صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات