تغيير حجم الخط     

موسم صيد "حيتان الفساد": 50 اسماً و350 مليار دولار! عقارات فاخرة وسيارات نادرة وعلاقات تمتد إلى الفصائل

مشاركة » الخميس يونيو 11, 2026 12:08 am

7.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن
تشي تقديرات سياسية في بغداد بأن ما لا يقل عن خمسين "حوتاً" — وهو توصيف بات يُتداول للإشارة إلى كبار المتهمين بالفساد — قد يكونون على لائحة الاعتقال واسترداد الأموال في مرحلة مقبلة.
الأرقام المتداولة لا تبدو عادية، فهي تتراوح، وفق هذه التقديرات، بين 150 مليار دولار كحد أدنى، وقد تصل إلى 350 مليار دولار كحد أقصى، يُعتقد أنها تراكمت عبر عقارات وعجلات وأملاك متنوعة، داخل العراق وخارجه.
القائمة المفترضة لا تقتصر على رجال أعمال، بل تمتد لتشمل سياسيين ومسؤولين سابقين وحاليين، إلى جانب أسماء وُصفت بأنها "لامعة" في عالم التجارة، من ملاك المولات والمستشفيات ومشاريع خدمية واستثمارية واسعة.
ويرتبط هذا الملف، بحسب مصادر سياسية، بمسار موازٍ تتبناه الحكومة، يقوم على إعادة تشكيل الاقتصاد باتجاه هيمنة أكبر للقطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
لكن هذا التحول — كما يبدو — لا يُطرح بمعزل عن شرط أمني معقد: إبعاد أو احتواء الفصائل المسلحة التي لا تزال، وفق توصيفات متعددة، تتدخل في بعض تفاصيل المشهد الاقتصادي والأمني، وترفض أجزاء منها الاندماج في خطة "تفكيك السلاح".
وتشير المعطيات إلى انقسام هذه الجماعات إلى أربعة اتجاهات: بين مؤيد ومتحفظ ورافض، وصولاً إلى من يربط موقفه بشروط سياسية أو مالية.
الحكومة: حملة "تاريخية" ضد الفساد
مصادر سياسية تحدثت لـ(المدى) تقول إن "حملة كبيرة ضد الفساد ستجلب أموالاً تاريخية إلى البلاد منذ 2003".
وتضيف مصادر قريبة من الحكومة أن قائمة يجري إعدادها حالياً ضمن إطار عمل المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة الذي شُكل في عهد رئيس الوزراء علي الزيدي، وتضم شخصيات يُشتبه بتورطها في ملفات فساد واسعة.
وتقدر هذه المصادر عدد "الحيتان" بنحو 50 شخصية، بينهم نواب ووزراء ومسؤولون سابقون وحاليون، بعضهم خارج البلاد، فيما يدير آخرون مشاريع كبرى في بغداد والمحافظات، تشمل الإسكان والمستشفيات والترفيه والنفط والبنى التحتية.
وتشير التسريبات إلى أن حجم الأموال المنهوبة يتراوح بين 150 و250 مليار دولار، وقد يصل في بعض التقديرات إلى 350 مليار دولار، يغذي بعضه الفصائل.
وتؤكد المصادر أن الجزء الأكبر من هذه الأموال خارج العراق، وأن خطة الاسترداد تشمل أصولاً عقارية وأراضي ومنازل وعمارات وسيارات نادرة ومجوهرات ثمينة.
لكن نائباً سابقاً عضو لجنة المالية في البرلمان، تحدث لـ(المدى) بشرط عدم الكشف عن اسمه، يصف هذه الأرقام بأنها "مبالغ فيها" لتلميع صورة الحكومة الجديدة، قائلاً إن الحكومة، في أفضل السيناريوهات، قد تستعيد نحو 50 مليار دولار فقط.
أولى الإشارات: من الموانئ إلى النفط
منذ تسلّم علي الزيدي السلطة الشهر الماضي، كشفت الإجراءات الجديدة بشأن الفساد أربع شخصيات حتى الآن، بينهم نائب سابق وحالي.
وتشير التقديرات إلى أن الأموال المكتشفة تتجاوز 20 تريليون دينار عراقي، في ملف يتعلق بمدير عام الشركة العامة لموانئ العراق السابق فرحان الفرطوسي، وسط تساؤلات نيابية عن الإيرادات وعقود التشغيل المشترك.
وتقول جهات رقابية إن جزءاً من هذه الأموال استُخدم لتمويل جهات سياسية وتأسيس مشاريع خارج الحدود، إضافة إلى الاستحواذ على عقارات واسعة داخل بغداد.
الفرطوسي كان قد نفى امتلاك أي استثمارات خارجية، مؤكداً أن راتبه لا يتجاوز 7 ملايين دينار شهرياً.
وفي ملف آخر، أُوقف وكيل وزير النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، حيث أعلنت الجهات القضائية ضبط نحو 10 ملايين دولار، و40 عقاراً، ومصوغات ذهبية وأسلحة خفيفة ومتوسطة، إضافة إلى مبالغ بالدينار العراقي.
وفي السياق نفسه، طُلب من البرلمان رفع الحصانة عن النائب حسنين الخفاجي على خلفية اتهامات تتعلق بالابتزاز واستغلال النفوذ مقابل مبالغ مالية.
كما أصدرت محكمة بداءة الكرخ حكماً بإلزام النائب الأسبق جمال الكربولي بدفع 4.5 ملايين دولار لصالح رئيس جمعية الهلال الأحمر العراقي، على خلفية تحويل منحة مخصصة لمشروع مستشفى سعودي إلى منفعة شخصية، وفق وثائق المحكمة.
ظهور "حوت جديد"!
وفي تطور لاحق، أعلن النائب علاء الحيدري، أمس، توجيه كتاب رسمي إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، يتضمن ما وصفه بـ"مخالفات جسيمة وهدر في المال العام" داخل إحدى الشركات النفطية، يقوم بها ما وصفه بـ"حوت نفط جديد".
الحيدري أشار في تصريحاته إلى أن هذا الملف لم يظهر فجأة، بل سبق أن طُرح على الحكومة السابقة برئاسة محمد السوداني، من دون أن يُتخذ أي إجراء فعلي بشأنه.
في تقريرها السنوي الصادر في نيسان الماضي، قالت هيئة النزاهة إنها أصدرت خلال عام 2025، 14,645 أمر استقدام، و3,461 أمر قبض، و1,950 أمر توقيف، و215 قرار منع سفر خارج البلاد.
وفي البعد التنفيذي، أعلنت الهيئة أنها نفذت 1,555 عملية ضبط خلال العام نفسه، انتهت بإلقاء القبض على 671 متهماً بالجرم المشهود.
وعلى المستوى القضائي، تشير البيانات إلى أن عدد القضايا المحالة إلى المحاكم المختصة بلغ 2,444 قضية، وصدر 5,676 أمر إحالة.
ومن بين هذه الملفات 8 أوامر بحق وزراء ومن هم بدرجتهم، و89 أمراً بحق أصحاب الدرجات الخاصة والمديرين العامين.
وأكدت الهيئة أن جهودها خلال العام أسفرت عن الحفاظ على أموال عامة تقدّر بـ837 مليار دينار عراقي، و551 مليون دولار أمريكي.
وهي أرقام تُقدَّم باعتبارها حصيلة مباشرة لعمليات الاسترداد والحماية ضمن مسار مكافحة الفساد.
السلاح والاقتصاد.. معادلة واحدة
تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة يطرحها علي الزيدي لإعادة هيكلة الاقتصاد والابتعاد عما وُصف بـ"الفكرة الاشتراكية"، بعد أزمة دفعت الحكومة، بحسب وزير الخارجية فؤاد حسين، إلى طباعة 25 تريليون دينار لتغطية الرواتب.
وقد وافق الإطار التنسيقي على رؤية اقتصادية تتضمن إعادة النظر بالمؤسسات الخاسرة وسعر صرف الدولار، في خطوة توصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات.
فهد الجبوري، القيادي في تيار الحكمة الذي يتزعمه عمار الحكيم، يقدم قراءة من داخل الإطار التنسيقي لما يجري من تحولات يجري العمل عليها في بغداد، بينها الاقتصاد والسلاح وإعادة صياغة دور الدولة.
الجبوري، الذي عُقد اجتماع إصلاح الاقتصاد الأخير في منزل زعيم تيار الحكمة، يتحدث لـ(المدى) عن ملامح نقاشات داخل الإطار، تبدو أقرب إلى إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين الدولة والسوق والسلاح.
يقول الجبوري إن هناك مناقشات اقتصادية داخل الإطار التنسيقي، وإن رئيس الوزراء يتجه نحو "صياغة وضع اقتصادي آخر" يبتعد عن النمط التقليدي، عبر تعزيز دور القطاع الخاص داخل الاقتصاد العراقي.
ويضيف أن هذا التوجه يعني عملياً إعادة توزيع أدوار الدولة الاقتصادية، بما يفتح المجال أمام "تنشيط القطاع الخاص" وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد.
وفي السياق نفسه، يشير إلى أفكار تتعلق بـ"وضع مالي مختلف" وطرح فكرة إنشاء "صناديق سياسية"، في إشارة إلى أدوات مالية جديدة يُراد من خلالها إدارة جزء من الاقتصاد بطريقة موازية أو مختلفة عن البنية التقليدية.
وفي ملف السلاح، يؤكد الجبوري أن هناك "تحركاً جاداً وحقيقياً" لحصر السلاح بيد الدولة، مدعوماً — بحسب قوله — من جميع قوى الإطار التنسيقي.
ويربط هذا التوجه بثلاث مرجعيات أساسية: النصوص الدستورية والقانونية، ومواقف المرجعية الدينية، ومطالب القوى السياسية.
ويقول إن الإطار "متفق على المبدأ"، وإن الأيام المقبلة ستكشف تفاصيل أكثر وضوحاً حول آليات التنفيذ.
تفاوت داخل الفصائل
لكنه من جانب آخر يلفت إلى أن ملف تنظيم السلاح لا يسير على إيقاع واحد داخل الفصائل، بل تحكمه تباينات واضحة بين مواقف متجاوبة وأخرى رافضة، ما يجعل المشهد مفتوحاً على أكثر من اتجاه.
ويضيف الجبوري أن "هناك تجاوباً من بعض الفصائل، في مقابل معارضة من فصائل أخرى".
ويؤكد الجبوري أن إدارة هذا الملف ليست موزعة بين القوى السياسية، بل "محصورة بيد رئيس الوزراء واللجنة المكلفة بهذا الشأن، والتي شُكلت مؤخراً"، في إشارة إلى انتقال الملف من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى التنفيذ الحكومي المباشر.
وعند سؤاله عن احتمال عدم التزام بعض الفصائل بتسليم أو تنظيم السلاح، يضع الجبوري هذا السيناريو خارج نطاق مسؤولية الإطار التنسيقي، قائلاً إن "هذا ليس شأن الإطار التنسيقي، وإنما هو صلاحية رئيس الوزراء المخول بهذا الشأن".
"سلاح بلا تسوية نهائية"
على مستوى الواقع الميداني، لا تشير المعطيات حتى الآن إلى أن أي جهة أعلنت بشكل رسمي تسليم سلاحها، باستثناء سرايا السلام التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في خطوة وُصفت بأنها كسرت نمط الصمت السائد داخل ملف الفصائل المسلحة.
والصدر كان قد طرح فكرة تفكيك أو تنظيم السلاح بشكل واضح، وربط دعمه للحكومة بضرورة التقدم في هذا المسار خلال فترة زمنية محددة، حُددت بـ90 يوماً، تشمل أيضاً فتح ملفات الفساد وإعادة ضبط التوازن الأمني.
في المقابل، لم تسجل أي خطوات علنية من فصائل أخرى يُعتقد أنها معنية بالمسار نفسه، مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، رغم تداول توقعات سابقة بإمكانية انخراطها في ترتيبات مشابهة.
وبحسب هذه المعطيات، لا يزال عدد من الفصائل الفاعلة — ويقدر بنحو 8 على الأقل — خارج أي إعلان رسمي يتعلق بتسليم أو إعادة تنظيم السلاح.
وتبدو بغداد، بحسب مصادر سياسية، قلقة من احتمال اهتزاز منظومة ضبط الفصائل، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية المستمرة، والتصعيد المتبادل بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وما يرافقه من انعكاسات غير مباشرة على الساحة العراقية.
كما يُخشى من أن يؤدي أي تصعيد خارجي إلى إعادة تفعيل أدوار فصائل مسلحة في ملفات إقليمية، بما يضعف مسار التنظيم أو الدمج الداخلي.
وتشير تقديرات سياسية إلى إمكانية تقسيم الفصائل المسلحة إلى أربع فئات رئيسية في التعامل مع ملف حصر أو دمج السلاح:

فصائل مؤيدة: وتشمل جهات أبدت موافقة مبدئية على المسار، مثل سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي.
فصائل مترددة: تخشى أن يكون المسار مقدمة لتفكيك تجربة الحشد الشعبي، أو أنه يحمل بعداً دولياً ضاغطاً، كما ترتبط بعض مواقفها بحسابات سياسية تتعلق بالمكاسب أو المناصب.
فصائل تنتظر انسحاب التحالف الدولي: ترى أن أي تغيير جذري مرتبط بخروج كامل للقوات الدولية من العراق، والذي يُفترض أن يُنفذ في أيلول المقبل.
فصائل رافضة بالكامل: تعارض أي صيغة لتسليم السلاح أو إعادة هيكلته، حتى في حال انسحبت قوات التحالف الدولي، ويشار في هذا السياق إلى "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء".
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات