تغيير حجم الخط     

حملة الزيدي لمحاربة الفساد في العراق تفقد سخونتها: غياب عنصر المفاجأة يعزز خطوط دفاع كبار «الفاسدين»

مشاركة » الأحد يوليو 05, 2026 4:05 am

3.jpg
 
بغداد ـ «القدس العربي»: فتحت الإطاحة بوكيل وزير النفط العراقي السابق، علي عدنان، طريقاً غير معبدٍ أمام رئيس الوزراء العراقي الشاب علي الزيدي، لكشف ملفات الفساد الحكومية منذ عام 2003 والإطاحة بالمتورطين بها واسترداد الأموال المتأتية منها- المقدّرة بنحو تريليوني دولار، في خطوة قد تبدو إنها تحظى بتأييد سياسي، غير إنها في الواقع ليست كذلك، نظراً لارتباطها بشخصيات نافذة طالما كانت لها اليد الطولى في حماية أذرعها المتسللة في عموم مفاصل الدولة العراقية.

عشّ الدبابير

في نهاية أيار/مايو الماضي، قرر الزيدي المساس بعش الدبابير عندما القى القبض على وكيل وزير النفط لشؤون التصفية، مدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي، عدنان الجميلي، والذي مثّل رأس الخيط المؤدي إلى شبكة أوسع تضمّ عشرات الشخصيات الحكومية والنيابية والسياسية الوازنة.
في هذه القضية، استردت الحكومة- حتى وقت إعداد هذه القصّة، من الجميلي وحده أكثر من 86 مليون دولار، يضاف لها كميات من المصوغات الذهبية والسيارات الفارهة ومجموعة عقارات في مناطق متنوعة داخل العراق وخارجه، حسب بيانات رسمية للقضاء العراقي.
اعترافات «الصندوق الأسود» قادت فيما بعد لحملة باتت تعرف محلّياً بـ«صولة الخضراء»، أسهمت في القبض على «مجموعة أولى» من المتورطين بالقضية، من بينهم زميل الجميلي، وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع علي البهادلي، المُرشح لتولي منصب وزير النفط في الحكومة الحالية، غير إن شموله بـ«العقوبات الأمريكية» حالت دون ذلك.
التحقيقات الأولية مع البهادلي المتهم أمريكياً بتسهيل تحويل مسار النفط العراقي لصالح شبكات مرتبطة بإيران، وخلط النفط الإيراني بالنفط العراقي وتصديره إلى الأسواق العالمية على أنه نفط عراقي، أسفرت عن ضبط مبالغ مالية تجاوزت الـ14 مليون دولار، فضلاً عن ضبط عدد من العقارات.
حملة الزيدي ضد الفساد، لاقت «علناً» تأييداً سياسياً واسعاً، خصوصاً من «الإطار التنسيقي» الشيعي الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة، ناهيك عن «المجلس السياسي الوطني» السنّي، الذي فقد أحد أركانه بـ«صولة الخضراء»، زعيم تحالف «العزم»، مثنى السامرائي، بالإضافة إلى الأحزاب الكردستانية النافذة «الديمقراطي» و«الاتحاد الوطني».
أما «سرّاً»، فتحدثت مصادر عراقية عن غضب قادة في «الإطار» من «صولة الخضراء»، بكون الزيدي لم يُطلعهم على تفاصيلها قبل التنفيذ، وإنها طالت أسماء شخصيات على صلة بكتلهم السياسية.

ضوء أخضر

ويبدو إن منح الزيدي الضوء الأخضر لإطلاق حملته بدون الرجوع لأي شخصية سياسية، خشية إحباطها أو تسريب المعلومة وهرب الأهداف، أثار موجة مقابلة بدأت بـ«التشكيك» في نواياه بمكافحة الفساد، خصوصاً بعد البرود في إلحاق الخطوة الأولى لـ«صولة الخضراء» بخطوات أخرى مماثلة.
المحلل الاقتصادي العراقي زياد الهاشمي، يعتبر أن الحكومة العراقية فقدت الزخم الذي رافق حملتها الأخيرة لمكافحة الفساد، مشيراً إلى أنها انتقلت من «مرحلة الهجوم» إلى «مرحلة الدفاع» بعد محاولتها الأخيرة لملاحقة شبكات الفساد.
وفي «تدوينة» له، يقول الهاشمي، إن «عنصر المفاجأة كان عاملاً حاسماً في نجاح الحملة التي أطلقتها الحكومة قبل أيام، إلا أنها ركزت، على صغار الفاسدين، ما أدى إلى ضياع فرصة استثمار هذا العنصر للإطاحة بكبار الفاسدين».
ويعتقد المحلل العراقي أن «شبكات الفساد أصبحت اليوم أكثر حذراً واستعداداً لأي حملات مقبلة، الأمر الذي سيجعل مهمة الحكومة أكثر صعوبة في تحقيق نتائج مؤثرة ضد تلك الشبكات ومن يقف وراءها».
ورأى أن «هناك مؤشرات على تحرك الطبقة السياسية للضغط من أجل تعطيل جهود الحكومة في مكافحة الفساد، والاكتفاء بما تحقق من إجراءات، ومنع توسيع دائرة الاستهداف».

فرصة ذهبية

وأشار إلى أن «رئيس الوزراء أضاع فرصة ذهبية كان يمكن أن تحقق نتائج كبيرة في ملف مكافحة الفساد»، لافتاً إلى أن «بقاء كبار المتورطين خارج دائرة المساءلة أتاح لهم ممارسة ضغوط على الحكومة وعرقلة جهودها».
ويؤكد الهاشمي أن «هناك شكوكاً بشأن إمكانية تكرار أو توسيع الحملات الحكومية المقبلة»، منوهاً بأنه «في حال انطلقت، ستواجه تحديات أكبر بعد فقدان عنصر المفاجأة، وقد تقتصـــر نتائجــها على إجراءات شكلية لا ترقى إلى مستوى التوقعات، فيما ستبقى شبكات الفساد أكثر تنظيماً وحذراً»، على حدّ وصفه.
وبالفعل، بدى الخطاب السياسي في العراق تجاه حملة مكافحة الفساد، يُظهر جرأة أكثر في التحذير من مغبّة عدم شمول الجميع بها، أو الخشية من دوافع سياسية تقف وراءها، أو استغلالها لـ«التصفية السياسية».
وحسب عضو كتلة «حقوق» النيابية، التابعة لكتائب «حزب الله»، النائب مقداد الخفاجي، فإن حركته تدعم الحكومة «شريطة ألا تتحول هذه الحملة إلى وسيلة للتصفية السياسية».
وذكر في تصريحات لمواقع إخبارية مقربة من الفصائل، أن «عدداً كبيراً من المعتقلين ضمن عملية (صولة الفجر) متهمون بملفات فساد، وقد وردت أسماؤهم خلال التحقيقات الجارية مع المتهم عدنان الجميلي»، غير إنه أشار إلى أن «هناك شخصيات صدرت بحقها أوامر قبض لا ترتبط بملفات الفساد، وإنما جاءت في إطار تصفيات سياسية».
ويجري الحديث عن اختفاء رئيس الكتلة، النائب حسين مؤنس، منذ انطلاق حملة الزيدي لمكافحة الفساد، غير أن مصادر متطابقة تؤكد أن اختفاء مؤنس ليس لارتباطه بـ«صولة الخضراء»، بل لأسباب أخرى قد يكون من بينها علاقته بالفصائل.
وأشار الخفاجي إلى أن «كبار الفاسدين ما زالوا يتولون مناصب سيادية ويديرون مفاصل مهمة في الدولة»، معتبراً أن «الشارع العراقي يعرف الجهات والشخصيات المتورطة بملفات الفساد».
وفيما جدد الخفاجي دعم كتلته لـ«ملاحقة الفاسدين وتقديمهم إلى القضاء»، دعا إلى أن تكون «جميع الإجراءات القضائية بعيدة عن الضغوط السياسية أو الخارجية»، مؤكداً في الوقت عينه أن «بعض أوامر الاعتقال صدرت نتيجة ضغوط أمريكية».
وتتزامن الحمّلة مع زيارة مرتقبة للزيدي إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدعوة من الأخير الذي رحّب بطرح اسم الزيدي كمرشح لتأليف الحكومة العراقية وإدارتها.
وفي 16 حزيران/يونيو الماضي، نقل المبعوث الرئاسي الخاص توم باراك، تطلع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استقبال رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في البيت الأبيض في منتصف تموز/يوليو الجاري، لمناقشة مستقبل العلاقة التي وصفها بـ«المهمة» بين بغداد وواشنطن.
التقارب بين الزيدي والإدارة الأمريكية هذا، فتــح الباب أمام جمّلة من التساؤلات؛ أبرزها هل مثّــلت الشخصيات المُعتقلة في حملة مكافحة الفســاد «كبـــش فداء» لإقناع واشنطن بجدّية الحكومة العراقية في مكافحة الفساد؟ أم إنهــا رسالة من إدارة ترامب أوصلها الزيدي للقيادات السياسية بأنهم ليسوا في مأمن من أي عقوبات قد تطالهم وأذرهم؟ رغم أن مصادر سياسية تؤكد أن «صولة الخضراء» جاءت بتوجيه وتنفيذ عراقي.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات