تغيير حجم الخط     

الفيتو" الأميركي يلاحق وزراء حاليين.. وصدمة من ابتلاع "مكتب القائد" صلاحيات وزارات شاغرة!

مشاركة » الثلاثاء يوليو 28, 2026 6:42 am

4.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


احتاجت القوى السياسية إلى 74 يوماً كي تكتشف أن المعركة على الوزارات الشاغرة ربما لم تعد تدور حول أسماء الوزراء بقدر ما تدور حول ما تبقى من صلاحيات تلك الوزارات.
ففي ليلة وضحاها، وجدت أطراف سياسية نفسها أمام واقع جديد: وزارتان سياديتان، الداخلية والدفاع، ما زالتا عالقتين في سوق التفاوض، فيما بدأت صلاحياتهما تتوزع في أماكن أخرى، وتحديداً داخل مكتب القائد العام للقوات المسلحة، الذي أعاد رئيس الحكومة علي الزيدي تفعيله ووسع نطاق عمله.
عندها، طرحت إحدى القوى فكرة "تدوير المناصب"، أي استبدال مواقع بأخرى مقابل الحصول على وزارة أمنية، بعدما سيطر الزيدي، بحسب مصادر مطلعة، على جزء واسع من مفاصل القرار الأمني.
وحتى الآن، ما تزال الحكومة تدار بـ14 وزارة فقط، فيما ترفض واشنطن إسناد الحقائب الوزارية إلى الفصائل المسلحة، وسط تهديد بعض الوزراء الحاليين بـ"الفيتو" الأميركي.
مكتب القائد العام.. "انقلاب بارد"
يقول نائب سابق إن علي الزيدي أحدث صدمة بإعادة هيكلة ما يُعرف بـ"مكتب القائد العام"، وهو الموقع الذي أعاده رئيس الحكومة بعد 12 عاماً من إلغائه.
ويضيف لـ"المدى"، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أن القوى السياسية وجدت في هذه الخطوة ما قد يشبه "انقلاباً بارداً" على الصيغة التي حكمت العراق بعد عام 2003، إذ إن رئيس الحكومة، وللمرة الأولى، يستحوذ على هذا الحجم من المناصب الأمنية.
ويوضح أن توسيع صلاحيات مكتب القائد العام بهذه الطريقة غير المسبوقة يعني، بحسب وجهة نظر بعض القوى السياسية، أن وزارتي الداخلية والدفاع أصبحتا "خاويتين من المضمون"، حتى لو جرى تعيين وزيرين.
وعلى ضوء ذلك، يكشف النائب، القريب من أجواء المفاوضات حول استكمال الكابينة الحكومية، أن ائتلاف دولة القانون، الذي يعتقد أن حقيبة الداخلية من حصته، طرح فكرة تدوير المناصب.
ويتابع: "قدّم باسم البدري، الذي أصبح رئيس جهاز الأمن الوطني قبل شهر، إلى الداخلية، وبدلاً من المرشح قاسم عطا الذي سيأخذ المنصب الأول".
ويتمسك نوري المالكي، زعيم دولة القانون، بمرشحه قاسم عطا، سواء لوزارة الداخلية أو لأي منصب أمني آخر، وفقاً لآخر تطورات المفاوضات، في خطوة تضيف عقدة جديدة إلى مسار استكمال الحكومة.
وكان البرلمان قد رفض، في أيار الماضي، التصويت على عطا، لكن محاولات تجري حالياً لإعادة طرح اسمه والتصويت عليه مرة أخرى، وسط انقسام سياسي حاد بشأن حقيبة الداخلية.
الداخلية للشيعة والدفاع للسنة والزيدي يجمع الخيوط
ويفترض، بحسب تقسيم عرفي، أن تذهب وزارة الداخلية إلى الشيعة، والدفاع إلى السنة. لكن الزيدي، بحركة رشيقة، جمع الوزارتين في مساحة نفوذ واحدة، وتمدد إلى هيئة الحشد الشعبي تحت مظلة "مكتب القائد العام".
وبحسب سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، فإن المهام الجديدة لمكتب القائد العام للقوات المسلحة، الذي افتُتح مؤخراً، تتمثل في متابعة تنفيذ الأوامر الصادرة عن الزيدي وضمان تطبيقها.
وبحسب وثيقة حكومية مسربة، فإن المكتب دمج قيادة العمليات المشتركة ومكتب السكرتير الشخصي للقائد العام ومركز العمليات الوطني في تشكيل واحد يسمى "مكتب القائد العام للقوات المسلحة".
كما يتولى المكتب الإشراف على وزارتي الداخلية والدفاع، وأجهزة مكافحة الإرهاب والمخابرات والأمن الوطني، وهيئة الحشد الشعبي، والمنافذ الحدودية، والتصنيع الحربي، وكلها أصبحت، وفق الوثيقة، ضمن دائرة سيطرة الزيدي.
كلما تأخرت الوزارات تمدد رئيس الحكومة
يرى محمد نعناع، الباحث والأكاديمي، أن تحرك الزيدي بحرية في التعيينات، بالتزامن مع تعثر القوى السياسية في حسم ملف الوزارات الشاغرة، بدأ يثير قلق هذه القوى من احتمال استمرار الحكومة بتشكيلة ناقصة، فيما يتيح الفراغ لرئيس الوزراء مساحة أوسع لإدارة مفاصل الدولة.
ويقول نعناع لـ"المدى": "الزيدي بدأ يفرض سطوته، وبدأ يعين في مكتبه ومكتب القائد العام، ووضع مستشارين في الداخلية ووزارات أخرى، وهذا أعطاه أريحية أكبر؛ لأنه يمكن أن يدير الوزارات. لذلك، قد تطول الأزمة إلى ما بعد 30 أيلول، موعد تسليم السلاح، بشهر أو شهرين، خصوصاً مع قناعة الزيدي بأن الوزير المعين يجب أن يتفاعل مع خطته أو الفريق الذي أنشأه".
ويضيف أن "ميزان الحصص داخل الإطار التنسيقي اختل أيضاً بعد حملة مكافحة الفساد الأخيرة، التي طالت جهات سياسية، وتحديداً في المؤسسات التنفيذية، إذ ظهرت معلومات عن إعادة رسم الخارطة التنفيذية بعد تلك الحملة".
وفي منتصف أيار الماضي، تمكن البرلمان من تمرير 14 وزارة، فيما بقيت 9 وزارات شاغرة، لتتحول عملية استكمال الكابينة إلى واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في مسار الحكومة الجديدة.
الفيتو الأميركي يدخل على خط الحكومة
ويقول النائب السابق إن "الفيتو الأميركي" بات المعرقل الأكبر أمام استكمال ما تبقى من الكابينة الحكومية، بعدما تجاوزت العقبات ملف المرشحين إلى حسابات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.
ويرى أن العراقيل تتراكم أمام إكمال الحكومة، ولم يعد الاعتراض على بعض الأسماء المرشحة في جلسة منح الثقة هو العائق الوحيد، كما كان في البداية، بل دخلت على خط المفاوضات العراقية عوامل جديدة، في مقدمتها الموقف الأميركي من بعض المرشحين.
ويقول النائب: "الآن، أكثر من اسم في التشكيلة الحالية غير مرضي عنه من أميركا".
ويضيف أن زيارة الزيدي إلى واشنطن كشفت عن وجود وزراء وشخصيات في الفريق الحكومي "يقوضون الشراكة والعلاقة العراقية الأميركية على النحو الذي تريده أميركا".
وبعد المباحثات الأخيرة بين ترامب والزيدي، أصبح 30 أيلول موعداً مفصلياً ونهائياً لإنهاء وجود الميليشيات وحصر السلاح، وهو ما يفترض، بحسب النائب، أن ينعكس على فرص تمرير مرشحين محسوبين على الفصائل.
"العصائب" في قلب العاصفة
ويشير النائب إلى أن القوى التي لديها حصص، مثل عصائب أهل الحق، ردت بدورها، بحسب المصادر، بأن منعها من حصتها يجب أن يقابله منع حصص قوى أخرى، مثل دولة القانون. ولذلك، تجمدت الحوارات بين الأطراف حول إكمال الكابينة الوزارية.
وكان قيادي في "الإطار التنسيقي" قد أكد في وقت سابق لـ"المدى" أن "لا فصائلياً واحداً، أو أي شخص شارك في الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران، سيحصل على أي منصب تنفيذي، حتى لو كان بدرجة مدير عام".
وأضاف القيادي أن "أبا آلاء الولائي، زعيم كتائب سيد الشهداء، ممنوع تماماً من أي منصب، رغم حصوله على 7 مقاعد في البرلمان".
وكشفت المصادر عن اعتراض أميركي شديد على منح "عصائب أهل الحق" أي منصب وزاري.
وأشارت المصادر إلى أن هذا الملف كان السبب الرئيسي في تأجيل جلسة استكمال الحكومة، التي كان مقرراً عقدها في 5 تموز.
وتؤكد المصادر أن "العصائب لا تقبل بأي تسوية خارج الوزارات"، إذ يفترض، وفق نظام تقاسم الحصص، أن تحصل على وزارة العمل.
لكن الاعتراض الأميركي يصبح أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بتولي ليث الخزعلي، شقيق قيس الخزعلي، زعيم العصائب، منصب نائب رئيس الوزراء، وهو مرشح قوي للموقع.
وكشفت المصادر عن "حملة اجتثاث واسعة قادمة ضد كل الفصائل التي تشغل مناصب في الهيكل الإداري الرسمي".
وتتوافق هذه المعلومات مع تقديرات نشرتها "المدى" الشهر الماضي، تحدثت عن أن عدد الوظائف التي تشغلها الفصائل أو ممثلوها داخل الدولة قد يصل إلى ثلاثة آلاف وظيفة.
الوزارات الشاغرة ورقة ضغط على الزيدي
يقول إحسان الشمري، أستاذ السياسات الدولية والاستراتيجية في جامعة بغداد، إن "ورقة استكمال الحكومة أصبحت ورقة رابحة وضاغطة في الوقت نفسه لكل القوى السياسية ضد الزيدي".
ويضيف لـ"المدى": "تجد بعض القوى أن استكمال الحكومة قد يحرر الزيدي من التزامات عديدة تجاهها، أهمها ليس المناصب، وإنما استمرار حالة التوافق والتشاور مع الأطراف السياسية".
لذلك، تعمد هذه القوى، وقد تكون باتفاقات غير منظورة فيما بينها، بحسب الشمري، إلى عدم استكمال الكابينة الحكومية إلى حين أخذ تعهدات من الزيدي بعدم الوصول إلى لحظة المواجهة مع هذه القوى التقليدية.
ويقول الشمري إن عملية التأجيل التي حدثت في ملف الوزارات الشاغرة، وصولاً إلى تأجيل جديد ربما يتحرك في 15 آب المقبل، "تبين أن هذه القوى السياسية غير صادقة في دعم الحكومة أو حتى برنامجها، وأكثر من ذلك قد تندفع باتجاه سحب بعض وزرائها، إذا ما وجدت أن الزيدي اتخذ قرار المواجهة، ثم الإخلال بالنظام الداخلي، وبالتالي وضع الحكومة على حافة الاستقالة، وهذا جزء من الاستراتيجية التي تعتمدها تلك القوى".
ويخلص إلى أن "التعطيل يعتمد في عمقه على القلق وفرض المزيد من القيود".
تبعات جلسة الثقة
في المقابل، يرى خالد وليد، عضو المكتب السياسي في "ائتلاف الإعمار والتنمية" الذي يتزعمه محمد السوداني، أن ملف الوزارات ما زال يحمل تبعات الجلسة الأولى لمنح الثقة.
ويقول لـ"المدى": "موضوع الوزارات: ما زالت تبعات الجلسة الأولى وما حصل فيها من أحداث حاضرة حتى اللحظة. هناك طيف سياسي يتحدث عن أن ما حصل في الجلسة مؤامرة، والطرف الآخر يتحدث عن أن ما حصل في الجلسة سياق ديمقراطي، على اعتبار أن النواب رفضوا عدداً من المرشحين للوزارات".
ويضيف: "بعدها، قدمت بعض القوى السياسية، من خلال مرشحيها، طعوناً إلى المحكمة الاتحادية، ولم يُبت فيها حتى الآن".
ويتابع: "الأمر الثاني، بعض الأمور المتعلقة بأسماء المرشحين والمرشحين، ما زال السجال والنقاش بخصوصها لم يُحسما. هناك الحديث عن وزارة الداخلية وإصرار طرف سياسي معين على أن تكون من حصته، وأن يكون هناك مرشح واحد. وحسب ما يتوفر من بيانات، الزيدي يطلب مجموعة مرشحين، وهو يختار على أساس الظرف الحرج الحالي والحاجة إلى مرشح يتمتع بالخبرة والاحترافية".
ويقول وليد إن "الأمر الثالث، القوى السياسية، بعد زيارة الزيدي لواشنطن، انشغلت بتداعيات الوضع الاقتصادي الداخلي، وهو التحدي الأكبر حالياً".
"لا أحد يستطيع تعطيل الحكومة إلى الأبد"
أما بشأن عمل الحكومة، فيوضح أن "الحكومة، بشكل أو بآخر، من خلال الزيدي، تم تخويل عدد من الشواغر بالوكالة، وتمت إعادة تفعيل مكتب القائد العام بخصوص الدوائر والوزارات الأمنية والتعامل معها والتنسيق، حتى لا يكون هناك شاغر في هذا المجال".
ويخلص إلى أن "جملة من التحديات تواجه استكمال باقي الكابينة، وربما في الأسبوعين أو الثلاثة القادمة يحدث حراك؛ لأن الاستمرار من دون تكليف وزراء للوزارات الشاغرة والمضي في حسمها لن يستمر. بعض القوى السياسية تبحث عن استحقاقها وتبحث عن تمرير مرشحيها بشكل أو بآخر، وستقتنع عاجلاً أم آجلاً باستبدال مرشحيها السابقين والمضي باتجاه استكمال الحكومة".
ويؤكد أن "ليس من مصلحة أحد اليوم تعطيل الحكومة أو عرقلة عملها، خصوصاً أن الحكومة تتصدى لملفات خطرة ومهمة جداً، مثل حصر السلاح والفساد، وسط ظروف ضاغطة في الداخل والخارج، خاصة فيما يتعلق بتصدير النفط".
لكن، رغم ذلك، يرى وليد أن القوى السياسية "في مناسبات كثيرة، وفي مثل هكذا ظروف، استطاعت أن تمرر الكثير من المشاكل وتحل الكثير من الأمور".
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات

cron