“تمنيت الموت أفضل، ولا أشوف أرضي تتجرف، النخلة حالها من حال فرد من عائلتي، تربيت وياها وعايش بالبستان، وكل موسم نستثمرها ونبيع منها”، بهذه الكلمات يصف عقيل (42 عاما) ما حل ببستانه بعد تجريفه وتحوله إلى ركام، ضمن أعمال مشروع سكني تنفذه شركة (م. س) في منطقة شواطئ بحر النجف. عقيل واحد من عشرات المزارعين الذين يقولون إن عائلاتهم تزرع هذه الأراضي منذ أجيال. ويضيف: “أقل واحد يزرع بهذه المنطقة من 150 سنة. أرضي مساحتها 20 دونما، كانت لوالدي ثم انتقلت باسمي بعقد وفق قانون 35″، رافضا وصف المزارعين بـ”المتجاوزين”.
ويشير إلى أن عددا من المزارعين تعرضوا للاعتقال، إذ يُحتجزون ليومين، ثم يُطلب منهم توقيع تعهد بعدم التعرض للشركة أو المستثمر قبل إطلاق سراحهم. وتكشف وثائق عن مخالفات قانونية وإدارية رافقت تنفيذ مشروع المجمع السكني العائد إلى شركة (م. س)، إذ امتدت أعمال التجريف، وفق الوثائق، إلى أراض خاضعة للإصلاح الزراعي تقع خارج حدود الفرصة الاستثمارية الممنوحة للشركة.
وبدأت أعمال التجريف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، وشملت، بحسب الوثائق، أربع مقاطعات، في حين تقتصر الإجازة الاستثمارية على المقاطعة رقم (3). كما تظهر كتب صادرة عن دائرتي البلدية والزراعة أن المستثمر لم يستحصل الأرض أصوليا.
ورغم احتجاجات الأهالي وتقديم شكاوى أمام المحاكم وفتح تحقيقات من دوائر محلية، استمرت أعمال المشروع بوتيرة متسارعة، بالتزامن مع حملات إعلانية للترويج لبيع وحداته السكنية. ويقع المشروع في منطقة شواطئ بحر النجف، القريبة من مرقد الإمام علي بن أبي طالب. وتشير الوثائق أيضا إلى علاقة عائلية بين رئيس شركة (م. س)، ورئيسة هيئة استثمار النجف، وهي مسألة أثارت اتهامات بتضارب المصالح وشكاوى أمام جهات رقابية وقضائية، من دون أن تكون هذه الاتهامات قد حُسمت قضائيا وفق ما ورد في المادة. يتتبع هذا التحقيق قصة منطقة شواطئ بحر النجف، المعروفة ببساتينها وزراعة الخضروات الورقية، ويعرض، من خلال شهادات المزارعين والوثائق الرسمية، مسار النزاع بين أصحاب الأراضي والشركة والدوائر الحكومية والقضاء، وحدود الإجازة الاستثمارية، وما رافق المشروع من عمليات تجريف واعتراضات قانونية وبيئية.
مجزرة النخيل
يستعيد عقيل علاقته بالأرض قائلا: “هذه حياتنا، كبرنا وإحنا نزرع النخيل والخضروات”. لكن هذا الاستقرار، بحسب روايته، تبدد عندما دخل المستثمر إلى المنطقة وأُبلغ المزارعون بأن أمامهم 48 ساعة لإخلاء منازلهم وأراضيهم، مع إبلاغهم بأن الإجراء يجري بعلم البلدية. ورد الأهالي بتنظيم نحو عشر وقفات احتجاجية، فيما يقول عقيل إن حملة التجريف طالت مساحات واسعة وأضرت بعشرات العائلات التي تعتمد على الزراعة مصدرا وحيدا للرزق. ويشرح طبيعة المنطقة بأنها تتميز بتربة خصبة ملائمة لزراعة الخضروات الورقية، فيما يعتمد المزارعون على الآبار السطحية والارتوازية في الري. ويشرح إن محاصيل المنطقة تُنقل إلى محافظات عراقية مختلفة، ومن بينها الكرفس والبقدونس والكراث والريحان النجفي والجرجير والسلق. ويتحدث عقيل عن إنتاج أرضه: “في الموسم الصيفي وحده تنتج أرضي ملايين الأطنان من الخضروات الورقية، بينما يكون الإنتاج في الموسم الشتوي أكبر”، مضيفا أن أعمال التجريف طالت، بحسب تقديره، أعدادا كبيرة من أشجار النخيل والفسائل. ويقول: “مو بس أني تضررت بالأرض، وياي إخوتي وأبناء عمومتي، وأكو مئات الأيدي العاملة اللي كانت تعتمد على هذه الأراضي”.
الاعتقال بالتزامن مع التجريف
يوضح عقيل الأساليب التي يقول إن المستثمر استخدمها للسيطرة على الأراضي، عبر الاستعانة بالقوة المسلحة وإقامة دعاوى قضائية ضد أصحابها. ويردف: “كانوا يحرقون الكرفانات، ثم يجلبون أفواجا عسكرية، وبعدها يرفعون دعاوى كيدية. يأتون إلى صاحب الأرض ويسألونه: أنت فلان؟ ثم يأخذونه إلى مركز الشرطة، ويعرضونه في اليوم نفسه على القاضي بتهمة الاعتداء على الشركة، وعندما يخرج في اليوم التالي يجد أرضه قد جُرفت بالكامل”.
ويتابع أن منزله تعرض للمداهمة وصدر أمر بإلقاء القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار، فيما أوقف شقيق زوجته ليوم واحد بتهمة إطلاق النار على الشركة، وهي تهمة ينفيها عقيل، مضيفا: “حتى سيارتي بباب بيتي أخذوها، بقيت شهرين محجوزة في مركز الشرطة”.
ويؤكد أن أوامر القبض كانت تصدر، بحسب قوله، مباشرة من دون استقدام، وأن الاعتقالات كانت تتزامن مع عمليات تجريف الأراضي، قبل انتقال الآليات إلى الأراضي المجاورة، فيما تتولى قوات أمنية منع أصحاب الأراضي من دخولها بعد إحاطتها بسياج من ألواح “الجنكو”. ويرى عقيل أن المستثمر يتمتع بنفوذ داخل بعض المؤسسات الأمنية، ويستشهد بتغيير ضباط في مركز شرطة المهدي خلال فترة التجريف، ثم إعادتهم إلى مواقعهم بعد انتهاء العمليات. ويقول: “تكلمت مع أحد الضباط فقال لي: غصبا علينا نطلع”. ورغم لجوئه إلى القضاء، يؤكد عقيل أن دعواه لم تُحسم حتى الآن، قائلا: “رفعت دعوى قبل عشرة أشهر لوقف المستثمر، لكن المحكمة لم تنظر فيها حتى الآن. أنا مزارع وعقدي ساري المفعول، لكن هناك نفوذا على القضاء”.
تعويضات تحت الضغط
ويقول أبو علي (52 عاما) إن أغلب المزارعين من كبار السن ولا يستطيعون تحمل التهديد أو السجن، ما يدفع بعضهم، بحسب روايته، إلى القبول ببيع أراضيهم مقابل تعويضات يصفها بالزهيدة.
ويضيف: “أحد جيراني باع أرضه، مساحتها عشرة دونمات، مقابل عشرة ملايين دينار فقط”.
ويؤكد أن عمليات التجريف طالت نحو 300 دونم، وهُدم أكثر من 25 منزلا، رغم امتلاك الأهالي عقودا قانونية سارية وفق قانون (117)، تتراوح مساحة العقد الواحد منها بين 60 و70 دونما. ويقول إن مجموع العقود المتضررة بلغ نحو 20 عقدا، فيما لا تزال 36 دارا أخرى مهددة بالإزالة. وبحسب أبو علي، ما يزال النزاع قائما أمام المحاكم، بعدما أقام المستثمر دعاوى ضد أصحاب الأراضي متهما إياهم بأنهم “متجاوزون”، فيما رد الأهالي بدعاوى مضادة لإثبات حقوقهم. ويقول إن المستثمر عرض لاحقا مبالغ مالية أكبر، أو وعودا بمنح أصحاب الأراضي وحدات سكنية بعد اكتمال المشروع. ويروي أبو مجتبى (43 عاما) أن الضغوط بدأت، بقوات غير رسمية لم يعرف الأهالي هويتها، قبل أن تتولى قوات حكومية تنفيذ مداهمات عقب تنظيم احتجاجات واسعة. بحسب روايته. ويبين: “بعض المزارعين اضطروا للبيع تحت الضغط وببخس الأثمان. كانوا يقولون: إما توقع وإما نوديك للسجن”، مؤكدا أن القيمة الحقيقية للدونم، وفق تقديره، تصل إلى نحو 500 مليون دينار.
ثلاث دعاوى ومداهمة فجرا
ويقول أبو مجتبى إن المستثمر أقام ضده ثلاث دعاوى قضائية، مضيفا: “في الدعوى الأولى داهموا بيتي الساعة الثالثة فجرا، وأصيبت زوجتي بنوبة شقيقة بسبب الصدمة. كانت القوة تضم عناصر من مركز شرطة المهدي وفوج الطوارئ، وبرفقتهم المستشار الشخصي للمستثمر. لم أكن موجودا في المنزل، وبعدها سلمت نفسي، وخرجت بكفالة وغرامة مليون دينار”.
ويضيف أن الدعوى الثانية ما تزال منظورة أمام محكمة الاستئناف، فيما جاءت القضايا جميعها، بحسب قوله، على خلفية منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي ومشاركته في تنظيم الوقفات الاحتجاجية. ويعتبر أبو مجتبى أن الأهالي يمثلون شريحة من المزارعين المتمسكين بأراضيهم، متهما بعض مؤسسات الدولة بالتواطؤ مع المستثمر للاستيلاء على منطقة سياحية يقول إنها لا تبعد عن المدينة القديمة سوى خمسة كيلومترات.
مخالفات قانونية وإدارية
ولا تقف الاعتراضات عند شهادات المزارعين، إذ تكشف وثائق رسمية، عن سلسلة من الإشكالات القانونية والإدارية المرتبطة بالمشروع الاستثماري في بحر النجف.
ويقول نائب محافظ النجف، عماد الجزائري، إن هيئة استثمار النجف تمنح الإجازة أولا ثم تبدأ باستحصال موافقات الدوائر المعنية، في حين يوجب القانون، بحسب قوله، الحصول على جميع الموافقات قبل منح الإجازة، محملا الهيئة مسؤولية هذا الخلل.
ويضيف أن الفرصة الاستثمارية، بعد الإعلان عنها، تُحال إلى عدد من اللجان داخل هيئة الاستثمار، تشمل لجان الفتح والعطاء والتحليل والتدقيق، على أن تُمنح الإجازة الاستثمارية بعد استكمال عمل هذه اللجان والحصول على موافقات الدوائر المعنية.
أما تحديد وجود تضارب مصالح في إجازة شركة (م. س)، فيقول الجزائري إنه من اختصاص الجهات الرقابية والقضائية، مشيرا إلى وجود شكاوى مقدمة من مواطنين متضررين، بعضها قضائي وأخرى مدنية، فضلا عن تظلمات قدمها عدد منهم إلى دائرة الزراعة.
كما أقامت البلدية، بصفتها الجهة المالكة للعقار، دعوى “منع معارضة” ما تزال منظورة أمام القضاء، فيما يؤكد الجزائري أن البلدية هي الجهة الوحيدة المخولة قانونا بإقامة هذه الدعوى.
“لا عقد استثماريا للمشروع”
تدعم الوثائق الرسمية اعتراضات المزارعين بشأن الإجراءات التي سبقت تنفيذ المشروع. وفي رد رسمي إلى محكمة بداءة النجف، أفادت مديرية بلدية النجف بأنه لا يوجد لديها عقد استثماري على القطعة المرقمة (1/7929 مقاطعة 3) لإنشاء مشروع سكني باسم المستثمر حتى تاريخ الكتاب، مؤكدة احتفاظها بحقوقها التي قد تظهر مستقبلا. وفي كتاب آخر، قالت المديرية إنها لا تمتلك من أوليات المشروع سوى ملفات الإجازة الاستثمارية السابقة المسحوبة، وإنها خاطبت هيئة استثمار النجف للحصول على أوليات الإجازة الجديدة من دون أن تتلقى إجابة حتى تاريخ المخاطبة.
وأشارت المديرية إلى أنها خاطبت هيئة استثمار النجف للحصول على وثائق الإجازة الاستثمارية الجديدة، من دون أن تتلقى ردا، معلنة احتفاظها بجميع حقوقها القانونية التي قد تظهر مستقبلا.
وتكشف وثائق أخرى عن فتح تحقيق داخلي في مديرية بلدية النجف بحق أحد موظفيها، على خلفية اتهامه بتسهيل وضع يد المستثمر على أجزاء من الأرض وتسليم مساحات تابعة للبلدية ومناطق خضراء، فضلا عن توقيعه محاضر رسمية بصفة “مهندس” رغم عدم حمله هذه الصفة. واعتبرت المديرية هذه الوقائع مخالفات قد تكون أسهمت في تمكين المشروع من المباشرة بأعماله.
المشروع بلا موافقة بيئية
وأكدت مديرية بيئة النجف، في كتاب رسمي بشأن تجريف النخيل، أن المشروع المقام على القطعة (1/7929)، مقاطعة (3)، جزء من R27، بمساحة 439 دونما، “غير حاصل على الموافقة البيئية”، مشيرة إلى توجيه إنذار إلى الجهة المنفذة ومراجعة ممثل عن شركة (م. س) للمديرية لغرض الحصول على الموافقة البيئية للمشروع. وأعقب ذلك توجيه رسمي بمساءلة الجهات المعنية عن السماح للمستثمر بالمباشرة في المشروع قبل استكمال الموافقات القطاعية، مع التوصية بإحالة الملف إلى الادعاء العام وهيئة النزاهة وجهاز الأمن الوطني للتحقيق في المخالفات. وتدعم هذه المعطيات وثيقة عقارية رسمية “سند طابو”، صادرة بناء على طلب محكمة بداءة النجف، تؤكد أن الأرض محل النزاع مسجلة باسم مديرية بلدية النجف بوصفها ملكا صرفا للدولة، بمساحة تبلغ 439 دونما، ما يجعل التصرف بها خاضعا للإجراءات القانونية الخاصة بأملاك الدولة.
50 ألف نخلة خارج حدود الاستثمار
من جهتها، شكلت دائرة الزراعة في النجف لجنة أجرت كشفا موقعيا خلال نيسان/أبريل 2026. ويقول مدير الدائرة، منعم شهيد الفتلاوي، إن الكشف أظهر تجريف نحو 50 ألف نخلة في مناطق بحر النجف وشواطئه. وبحسب الفتلاوي، نُفذت أعمال التجريف في عدد من المقاطعات الزراعية (2، 4، 5) من دون استحصال الموافقات الأصولية، وباستخدام آليات ثقيلة خارج حدود الفرص الاستثمارية المعتمدة. وحذرت اللجنة من أن استمرار التجريف يهدد بتدمير البساتين وتفتيت الأراضي الزراعية، وأوصت بإيقاف الأعمال ومحاسبة المسؤولين عنها. كما خلصت، وفق الفتلاوي، إلى أن الأراضي المذكورة تخضع لقانون (35 لسنة 1983) وقانون (117 لسنة 1970)، وأنه لم تُستحصل أي موافقة لرفع يد “الإصلاح الزراعي” عنها، ما عدته تعديا على أملاك الدولة.
ويشير الفتلاوي إلى أن دائرة الزراعة لم تُخاطب بشأن خارطة المشروع أو تفاصيل الإجازة الاستثمارية، مضيفا أن عددا من الفلاحين تقدموا بطلبات لتجديد عقودهم، إلا أن الطلبات رُفضت بسبب أوامر تقضي بعدم تجديد العقود الواقعة داخل حدود البلدية. ومع ذلك، يؤكد أن هذه العقود، إلى جانب الحقوق التصرفية المنصوص عليها في القانون، ما تزال نافذة في سجلات الدائرة ولم تُنه وفق الإجراءات القانونية.
استملاك محل اعتراض
ويقول الفتلاوي إن إجراءات استملاك البلدية للأرض شابتها مخالفات قانونية، في ظل وجود عقود زراعية ما تزال سارية المفعول، مؤكدا أن عملية الاستملاك جرت من دون استكمال إجراءات يقول إن القانون يفرضها، ومن بينها رفع يد الإصلاح الزراعي وتعويض أصحاب العقود الزراعية. ويضيف أن البلدية استندت في عملية التملك إلى قانون رقم (80) لسنة 1970، إلا أن دائرة الزراعة لم تُبلغ بالاستملاك إلا بعد إتمامه، ومن دون الحصول على موافقات دائرة الزراعة أو البيئة أو دائرة العقارات. وبحسب الفتلاوي، تنص المادة الخامسة من القانون على قيام وزير البلديات بمفاتحة وزير الزراعة لغرض رفع يد الإصلاح الزراعي وأخذ الموافقات الأصولية، مؤكدا أن ذلك لم يحدث. ويقول: “لذلك لا تزال العقود الزراعية سارية المفعول، وهناك دعوى منظورة أمام المحاكم وننتظر رأي القضاء”.
لجنة تحقيق لم تحسم أعمالها
في المقابل، يقول نائب محافظ النجف، عماد الجزائري، إنه لا يستطيع الكشف عن مزيد من التفاصيل المتعلقة بـشركة (م. س) في الوقت الحالي، لكونه يترأس لجنة تحقيقية لم تُنه أعمالها بعد. ويتعهد الجزائري بعرض نتائج التحقيق على الجهات الرقابية والرأي العام بعد استكماله، موضحا أنه ما يزال بانتظار تزويده بالجوانب الفنية من هيئة الاستثمار، فضلا عن وجود متهمين تحتاج اللجنة إلى تدوين إفاداتهم. ويتوقع إعلان نتائج التحقيق خلال عشرة أيام، مؤكدا أن مهمة اللجنة تقتصر على التحقيق الإداري، فيما يعود القرار النهائي إلى القضاء.
إجازة استثمارية موضع طعن
وفي جانب آخر من القضية، يقول محام يتابع تفاصيل الملف، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن الإجازة الاستثمارية الممنوحة للمستثمر عماد سكر “معدومة قانونا”، بحسب توصيفه، مدعيا وجود خروقات قانونية وإدارية شابت منحها لشركة (م. س). ويربط المحامي اعتراضه بكون زوجة المستثمر تشغل منصب رئيسة هيئة استثمار النجف، مدعيا أن الإجازة مُنحت من دون موافقة مجلس إدارة الهيئة أو مديرية البلدية.
ويستند في ذلك إلى رد البلدية الذي يؤكد، بحسب الوثائق، أن الأرض تابعة لها وأنها لم تمنح عقدا استثماريا للمشروع.
كما يشير المحامي إلى ما يصفه بخرق إداري آخر، يتمثل في توقيع الإجازة من مدير الدائرة القانونية في الهيئة، “باسم منتظر”، وليس من رئيس الهيئة أو نائبه، مؤكدا أن مجلس إدارة هيئة استثمار النجف لم يصوت على الإجازة، وأن قرارات منح الإجازات وسحبها تقع، بحسب قوله، ضمن الاختصاص الحصري للمجلس.
الإجازة في مقاطعة والتجريف يمتد إلى أخرى
يوضح المحامي المتابع للقضية أن المنطقة المستهدفة مقسمة، وفق سجلات البلدية، إلى أربع مقاطعات تحمل الأرقام (2، 3، 4، 5)، فيما تقتصر الإجازة الاستثمارية الممنوحة للمستثمر، بحسب قوله، على المقاطعة رقم (3) فقط، كجزء من القطعة (R27). ويتهم المحامي المستثمر بالسعي إلى وضع اليد على أجزاء أخرى من الأرض، ثم إدخالها لاحقا ضمن “ملحق للمشروع”، مشيرا إلى أن هذه الأراضي تضم بساتين مثمرة يستغلها مواطنون بموجب عقود رسمية مجددة. ويضيف أن المستثمر لم يتسلم الأرض رسميا ولا يملك عقدا مبرما مع مديرية البلدية بصفتها الجهة المالكة، فيما لا تزال الأراضي، بحسب قوله، خاضعة لقوانين الإصلاح الزراعي ولم تُرفع يد الزراعة عنها. ويتساءل المحامي عن السند القانوني الذي يتيح للمستثمر قلع النخيل وهدم ممتلكات وجرف أراض من دون علم البلدية أو موافقتها، معتبرا أن المنشآت المقامة على الأراضي محل النزاع قد تواجه الإزالة إذا ثبت قضائيا أنها شيدت على ملك الغير.
شكوى بتضارب المصالح
من جانبه، يقول عضو مجلس محافظة النجف أكرم شربة إنه تقدم بشكوى إلى هيئة النزاهة تتعلق بشبهة تضارب مصالح بين مديرة هيئة استثمار النجف ومالك شركة (م. س). ويضيف أن المستثمر يواصل أعمال البناء رغم وجود دعاوى قضائية مرفوعة ضده، ويرى أن البلدية يفترض أن توقف العمل إلى حين حسم المحاكم لهذه القضايا.
ويقول إنه أثار الملف داخل مجلس المحافظة وفتح نقاشا بشأن ما يصفه بالخروقات، إلا أن النقاش أُغلق، بحسب روايته، استنادا إلى امتلاك المستثمر قرارا من المحكمة الإدارية.
القضاء الإداري أم المحكمة التجارية؟
غير أن المحامي فائز الحلي يقدم تفسيرا مختلفا للاختصاصات القضائية. ويقول إن تجريف الأراضي الزراعية يخضع لقانون حماية وتنمية الإنتاج الزراعي، وإن الدعوى يمكن أن تُقام بناء على شكوى من متضرر أو عن طريق الإخبار، ويجري التعامل معها وفق أحكام المادة (12) من القانون، التي تنص على عقوبة الحبس أو الغرامة. ويضيف أن الحق المدني للمتضررين يبقى قائما، إذ يمكنهم إقامة دعاوى منع المعارضة أو رفع التجاوز، وفي حال ثبوت التجاوز يُلزم المستثمر بإزالة المنشآت التي أقامها على أراضي الغير. ويوضح الحلي أن أي متضرر يستطيع تقديم طلب إلى هيئة الاستثمار لإلغاء الإجازة الاستثمارية، وفي حال رفض الهيئة الطلب، يمكنه إقامة دعوى أمام محكمة القضاء الإداري للطعن في صحة الإجازة. أما المحكمة التجارية، فيقول الحلي إن اختصاصها يقتصر على النظر في مخالفات المستثمر المتعلقة بتنفيذ المشروع.
ما الذي خسرته شواطئ بحر النجف؟
بعيدا عن النزاع القانوني، يقول المزارعون في منطقة الشواطئ قرب بحر النجف إن أراضيهم ظلت لعقود مصدرا لزراعة الخضروات الورقية ومختلف المحاصيل وبساتين النخيل، وإن عائلاتهم توارثت العمل الزراعي فيها منذ أجيال. ويقول عميد كلية الزراعة في جامعة الكوفة، علاء عيدان حسن، إن تسمية “شواطئ بحر النجف” متداولة محليا، موضحا أن مياه بحر النجف في معظمها مياه جوفية تكوينية، وأن استخدام كلمة “الشواطئ” ارتبط بالتسمية الدارجة في المنطقة. ويصف حسن ما شهدته المنطقة من عمليات تجريف بأنها “كارثة زراعية وبيئية”، موضحا أن المنطقة تضم أراضي خصبة وبساتين ذات مردود اقتصادي للمحافظة، تنتج أنواعا مختلفة من الخضروات إلى جانب النخيل. ويشير إلى أن النشاط الزراعي في المنطقة أسهم في الإنتاج المحلي وتوفير فرص عمل من خلال تنوع المحاصيل، فيما أدى تجريف أعداد كبيرة من البساتين، بحسب قوله، إلى خسارة جزء من هذه الموارد. ويضيف أن النخيل والتمور من المنتجات التي يتميز بها العراق، وأن التوجه يفترض أن يكون نحو زيادة أعداد النخيل ومساحات زراعته، فيما يؤدي تجريف البساتين إلى الإضرار بالإنتاج الزراعي والاقتصاد.
الأشجار في مواجهة التصحر
ولا تقتصر آثار التجريف، بحسب حسن، على الإنتاج الزراعي. فالأشجار المعمرة تؤدي دورا بيئيا في خفض درجات الحرارة والمساعدة على تقليل التلوث، فيما يسهم تراجع المساحات الخضراء في زيادة التصحر وما يترتب عليه من آثار في الصحة العامة.
ويرفض حسن إقامة المجمعات السكنية في الأراضي الزراعية والبساتين القائمة، مشيرا إلى وجود مساحات من الأراضي غير الصالحة للزراعة يمكن استخدامها في المشاريع السكنية. كما يشير إلى وجود مقترح قدمته وزارة البيئة قبل عامين لتحويل بحر النجف إلى محمية طبيعية، لكنه يقول إنه لا يعرف إلى أين وصل المشروع، موضحا أن المنطقة تمثل بيئة طبيعية تضم أسماكا وطيورا وحيوانات وتتميز بتنوعها البيئي.
“من واحات إلى بقعة غير مناسبة للحياة”
ويقول المتخصص في الشأن البيئي حيدر خطاب إن عمليات التجريف وقطع المياه واقتلاع الأشجار حولت أجزاء من منطقة الشواطئ من واحات زراعية إلى بقعة وصفها بأنها “غير مناسبة للحياة”، معتبرا أن إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقا أصبحت شديدة الصعوبة. ويضيف أن المجتمع الزراعي في المنطقة تعرض لأضرار كبيرة دفعت كثيرا من السكان إلى مغادرة المكان، منتقدا طريقة إدارة ملف الاستثمار في النجف، وما يصفه بغياب الاعتبارات العلمية والجدوى الاقتصادية والحفاظ على الهوية التاريخية والمساحات الخضراء. ويتهم خطاب بعض الجهات بمحاولة التقليل من القيمة الزراعية والتاريخية للمنطقة، عبر القول إن شح المياه أدى إلى تدهورها وإن نخيلها محدود القيمة وإنها لا تمثل موردا غذائيا مهما، معتبرا هذه الطروحات محاولة لتبرير تحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع سكنية. ويشير إلى صدور قرارات وتوصيات بعد تحركات على وسائل التواصل الاجتماعي وشكاوى قدمها بعض أعضاء مجلس النواب، أدت، بحسب قوله، إلى توصيات بعدم الاستثمار في المنطقة. لكنه يحذر من عودة المشروع إذا تراجع الاهتمام الإعلامي والبيئي بالقضية، معتبرا أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تشكل رادعا كافيا.
صراع استثماري قديم
لم تبدأ محاولات الاستثمار في أراضي شواطئ بحر النجف مع شركة (م. س). يقول عقيل إن مستثمرا كويتيا سبق أن دخل على خط الاستثمار في المنطقة عام 2018، وعرض تعويض أصحاب الأراضي مقابل إخلائها. ويضيف: “إجه مستثمر كويتي سنة 2018 وعرض يشتري الأرض بمبالغ مجزية منا كتعويض. جرد نخيل المنطقة، صار تعويضي 415 مليون. رفضت التعويض لمئات النخيل المثمر والفسائل، ورفضوا الناس، لذلك لم يستثمر”. وتكشف مراجعة الوثائق الرسمية أن الأرض كانت محل نزاع استثماري وقضائي امتد لأكثر من 15 عاما. ففي عام 2010، مُنحت شركة “ميلانيوم ديفيلوبمنت إنترناشيونال”، المملوكة لرجل أعمال يحمل الجنسية الكويتية، إجازة استثمار لإنشاء مشروع سكني، قبل أن تسحب هيئة الاستثمار الإجازة عام 2022 بسبب عدم تنفيذ المشروع. وبعد إعادة طرح الفرصة الاستثمارية، حصلت شركة (م. س) عام 2025 على الإجازة الاستثمارية رقم (329)، التي منحتها حق المباشرة بإنشاء المشروع على القطعة المرقمة (1/7929) ضمن المقاطعة (3)، بمساحة إجمالية تبلغ 439 دونما، عقب نزاع قضائي انتهى بقرار من محكمة القضاء الإداري لصالحها.
دعوى أخرى أمام النزاهة
ويقول المحامي المتابع للقضية، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن مستثمراً كويتياً منافساً أقام في نهاية عام 2025 دعوى لدى هيئة النزاهة ضد المستثمر، وما تزال، بحسب قوله، منظورة ولم تُحسم.
ويضيف أن الدعوى تستند إلى وثائق تتعلق بالإجراءات التي رافقت منح الإجازة الاستثمارية والعلاقة العائلية بين المستثمر ورئيسة هيئة استثمار النجف، وهي اتهامات تبقى خاضعة للتحقيق ولم يصدر، وفق المادة، حكم قضائي يحسمها.
ويرى المحامي أن المستثمر الكويتي اتبع في مشروعه السابق إجراءات قانونية للحصول على كامل المقاطعة (R27)، واستحصل موافقات من دوائر الآثار والبلدية والزراعة والبيئة. ويضيف أن المحافظة شكلت آنذاك لجنة ضمت القائممقامية والزراعة لاستدعاء الفلاحين أصحاب العقود ومستغلي الأرض، ونظمت محاضر تعويض رسمية، فيما اشترطت البلدية تعويض الفلاحين قبل منح عقد المساطحة. وبحسب المحامي، حصل المستثمر الكويتي عام 2019 على إجازتين رسميتين وقعهما المحافظ، إحداهما تجارية بمساحة 80 دونما، والثانية سكنية بمساحة 435 دونما.
لكن تفشي جائحة كورونا وتوقف الأعمال، بحسب روايته، أعقبه توجيه هيئة الاستثمار إنذارا إلى المستثمر بتهمة التلكؤ، قبل سحب إجازته عام 2022.
إعادة طرح الفرصة
ويقول المحامي إن سحب الإجازة أدى إلى إعادة إعلان الفرصة الاستثمارية، قبل منحها لاحقا لشركة (م.س). ويدعي أن الإجراءات الجديدة لم تستكمل الموافقات القانونية المطلوبة، ما دفع المحافظ آنذاك إلى الاعتراض وإلغاء الإعلان بسبب عدم استحصال موافقات الدوائر القطاعية. وبحسب المحامي، جاءت نقطة تحول أخرى بعد تسلم زوجة المستثمر رئاسة هيئة استثمار النجف عام 2024، إذ تقدم المستثمر بتظلم ضد قرار المحافظ الصادر عام 2022، قبل أن يلجأ لاحقا إلى المحكمة الإدارية. ويضيف أن شركة (م. س) باشرت لاحقا ببناء نحو 100 منزل وبيعها للمواطنين، مدعيا أنها حققت إيرادات بلغت 25 مليار دينار حتى الآن، فيما يؤكد أن الشركة لا تمتلك عقدا رسميا أو سند استلام للأرض من الجهة المالكة.
وتبقى المعلومات والادعاءات الواردة في هذا التحقيق منسوبة إلى مصادرها، ولم تتضمن المادة رداً من شركة (م.س) أو المستثمر.