تغيير حجم الخط     

بريطانيا تعاقب الاستيطان: اشتباك شكلي يخدم الطّرفين!

مشاركة » الجمعة سبتمبر 11, 2026 4:31 am

2.jpg
 
تستحق الخطوة البريطانية لمعاقبة اقتصاد الاستيطان الإسرائيلي ترحيباً، يتناسب مع قدرتها على تحويل الاعتراض الرمزيّ إلى كلفة يتحملها مرتكبوها وداعموهم، في وقت طال فيه انتظار الفلسطينيين كثيراً لتدخل يمنع اقتلاعهم من أرضهم، وتكاثرت خلاله المواقف الغربية العلنية أمام الكاميرات، التي تجمع بين التعاطف مع الضحايا مع استمرار العلاقات الوثيقة بسلطات الكيان المسؤولة عن مأساتهم.
ومع وصول حكومة أندي بورنهام إلى مرحلة حظر الواردات الاستيطانية والخدمات المرتبطة بها، يصبح السؤال عن توقيت هذه الصحوة المتأخرة مدخلاً لتفكيك السياسة البريطانية نفسها، حيث تقاطع فاقع لحقوق الفلسطينيين وحاجتهم للحماية مع سعي حزب العمال إلى ترميم علاقته بجمهوره – الذي عاقبه على خياراته – واستعادة قدرته على فرض موضوع الجدل السياسي في البلاد.

دوافع انتخابية؟

الحكومة الجديدة، التي اختارت استهداف شبكات تمويل الاستيطان تتحرك داخل فضاء انتخابي ينقل ولاءاته الحزبية بسرعة، بعدما استهلك عهد رئيس الوزراء السابق كير ستارمر قسطاً واسعاً من الرصيد، الذي حمل العمال إلى الحكم، وأعاد لخلفه تركة صعبة: مهمة إقناع الناخبين بأن تغيير القيادات يحمل بالضرورة تغييراً في اتجاه السلطة وأولوياتها. ولهذا، يمكن قراءة العقوبات بوصفها مناورة إعلاميّة بالغة الذكاء، تجمع بين الاستجابة لمطلب أخلاقي ملح، وصناعة تباين سياسي محسوس، على نحو يمنح رئيس الوزراء الجديد فرصة تقديم دليل عملي على استقلال قراره، في قضية بات جمهور الحزب يعرف تفاصيلها ويتابع منذ سنوات المسافة بين تصريحات زعمائه وسلوكهم بشأنها. ويكتسب تصدّر وزير الخارجية إد مليباند الدفاع الإعلامي عن القرار في البرلمان والمقابلات التلفزيونية دلالة إضافية في هذا السياق؛ فحضوره، بوصفه سياسياً يهودياً، قد يضيّق هامش توظيف الحكومة الإسرائيلية اتهامات معاداة السامية لنزع الشرعية عن معاقبة الاستيطان، ويُبرز التمييز بين مساءلة دولة عن سياساتها والعداء لجماعة دينية. ولا تمنح هويته الموقف حصانة من النقد، لكنها تربك محاولة احتكار تمثيل اليهود والتحدث باسمهم، وتمنح الرسالة البريطانية قوة سياسية وإعلامية تتجاوز مضمون العقوبات نفسها.
تكتسب هذه المقاربة للصحوة العماليّة وزناً إضافياً مع حضور حزب الإصلاح اليميني المتطرف بزعامة نايجل فاراج، وقدرته على تحويل السخط على طريقة إدارة البلاد إلى اعتراض شامل ضد الطبقة الحاكمة، مستفيداً من اهتزاز اجتماعي تداخلت فيه كلفة المعيشة وتراجع الخدمات مع اضطراب الإحساس بالهوية والقلق من المستقبل.
ولعل معضلة حزب العمال تتمثل مرحلياً في أن استمالة الناخب الغاضب عبر استعارة خطاب وأولويات اليمين تمنح منافسه سلطة تعريف الأزمة، ثم تترك للحزب الحاكم مهمة إثبات الكفاءة داخل تعريف صاغه الخصم – ملف الهجرة مثلاً – فيما يتيح اتخاذ موقف واضح بشأن فلسطين استعادة لقضية يستطيع العمال الكلام فيها بلغتهم، ومخاطبة ناخبين يطلبون من سياسة لندن أن تكون أكثر اتساقاً بين القيم المعلنة والسياسات المتبناة.

أصداء التحول إلى اليمين عبر القارة

قبل أيام، بعث اقتراع إقليم ساكسونيا – أنهالت إشارة بالغة الدلالة للأحزاب الوسطية التقليدية عبر القارة، بعدما حصد حزب «البديل من أجل ألمانيا» أكثر من أربعة وأربعين في المئة من مجموع الأصوات، محولاً استياء المواطنين في شرقي البلاد إلى قوة انتخابية تفرض شروطها على النقاش السياسي الاتحادي.
وتوحي النتيجة بأن الأحزاب الوسطية في الغرب ستدفع ثمناً متزايداً لعجزها عن منح قطاعات من المجتمع شعوراً بالمشاركة والإنصاف، وأن التحذير من تطرف اليمين غير كاف دون بناء صيغة حكم يقبل الناس الدفاع عنها، خصوصاً بعد عقدين تقريباً من عقم سياسات الدخل والسكن والخدمات العامة، على نحو جعل من التصويت لليمين المتطرف خياراً كأنه وحيدٌ كوسيلة لمعاقبة النخبة الحاكمة.
أما فرنسا، حيث يقترب استحقاق الرئاسة في العام المقبل وسط طموح حزب التجمع الوطني إلى بلوغ السلطة، فتضيف احتمالاً آخر إلى الحسابات البريطانية، لأن انتقال اليمين القومي من قوة احتجاج إلى مرشح جدي للحكم في بلدان كبرى يعيد تشكيل توقعات الناخبين في البلدان المجاورة.
ويمنح كل تقدم انتخابي لليمين في بلد رفاقه الأوروبيين مادة لإقناع جمهورهم بأن مشروعهم قابل للتحقق، فيما يضع الحكومات القائمة أمام ضرورة إنتاج أسباب إيجابية لاستمرارها، وإلا مواجهة الاندثار السياسي.

التجارة بفلسطين لإنقاذ 10 داونينغ ستريت

في إطار هذه الخلفية، لا شك أن فلسطين إحدى القضايا التي يستطيع حزب العمال عبرها إعادة وصل أجزاء تفتتت من ائتلافه الانتخابي، من الشباب واليسار والنقابيين إلى البريطانيين المسلمين وناخبين آخرين استفزهم التفاوت بين الخطاب الحقوقي العالي والممارسة الدبلوماسية الخسيسة.
وتكمن أهمية هؤلاء في أصواتهم، وكذلك في قدرتهم على التطوع والتنظيم والإقناع وتدعيم الحضور المحلي للحزب في الدوائر الانتخابية، ما يجعل المصالحة معهم استثماراً مبكراً في تعزيز قدرة الحزب على خوض الانتخابات العامة المقبلة.
تستمد هذه الفرصة أهميتها من طبيعة النظام الانتخابي البريطاني، حيث تستطيع تحولات محدودة في دوائر متقاربة أن تغير توزيع المقاعد، ويستطيع امتناع ناشطين عن المشاركة في الحملات أن يضاعف من أثر انحسار التأييد، الأمر الذي يجعل استعادة ثقة هذه الفئة هدفاً يوازي استعادة الأصوات.
وتمثل قضية فلسطين ثقلاً تنظيمياً وانتخابياً مهماً في ترتيب الاهتمامات العامة، خصوصاً حين ترتبط لدى قطاعات عريضة بالحكم على مصداقية الحزب وجديته واحترامه لذكاء جمهوره وذاكرته السياسية كحزب للطبقة العاملة.
ولهذا تحمل العقوبات فائدة انتخابية محتملة حتى لدى جمهور منهك يضع الاقتصاد والخدمات فوق السياسة الخارجية، إذ يستطيع بورنهام استخدامها لتقديم صورة قيادة ذات حيثية، لا تتردد باتخاذ المواقف وتنفذ وتتحمل تبعات خياراتها، بعدما ارتبطت تجربة سلفه لدى منتقديه بالتردد والانشغال بإرضاء مراكز النفوذ والخضوع التام للوبي الصهيوني.

اشتباك يخدم مصالح الطرفين

وتزيد المواجهة مع الحكومة الإسرائيلية من وضوح هذا التمايز بين ستارمر وبورنهام، بعدما جاء الرد سريعاً بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وهو إجراء يستطيع رئيس الوزراء توظيفه لإظهار أن حكومته تقبل دفع ثمن دبلوماسي مقابل قرار تعتبره أخلاقياً، فيما يستطيع بنيامين نتنياهو تقديم المواجهة ذاتها إلى جمهوره بوصفها دليلاً على استعداده لتحدي بريطانيا العظمى دفاعاً عن المستوطنين ومشروعهم، واستثمار العقوبات في تأكيد روايته عن تعرض إسرائيل لضغوط خارجية تستوجب الالتفاف حول قيادته. وتمنحه رمزية الاشتباك مع قوة استعمارية سابقة، ارتبط اسمها بتاريخ فلسطين وتأسيس إسرائيل، فرصة لتضخيم دلالة رده، وتسويقه عبر الشاشات باعتباره تعبيراً عن السيادة والاقتدار، وبما قد يعزز موقعه لدى اليمين الاستيطاني وشركائه الذين يقيسون صلابة القيادة بقدرتها على مواصلة التوسع وتحمل موجات الاعتراض الدولي.
وهكذا بينما يستطيع الطرفان استخراج عائد انتخابي من المواجهة، بورنهام باستعداده لتحويل الالتزام بحقوق الفلسطينيين إلى ممارسة حكومية، ونتانياهو بإصراره على حماية المستوطنين في مواجهة ضغط (الحليف) البريطاني، سيقع العبء المباشر لإغلاق القنصلية على الفلسطينيين الذين تستهدف الخطوة تقييد صلاتهم الدبلوماسية بالعالم.
فهذا الاشتباك العلني من زاوية الحسابات الحزبية يجعل تصعيد كل طرف مادة إضافية للطرف الآخر في مخاطبة جمهوره، فيستفيد العمال من حدة الرد الإسرائيلي لإبراز جدية تحولهم، ويستفيد نتنياهو من العقوبات البريطانية لتغذية الشعور بالاستهداف وحشد مؤيديه حول زعامته، فيما تبقى القيمة الفعلية للتحرك البريطاني والغربي رهناً بقدرته على تقييد الاستيطان وحماية السكان الفلسطينيين في أرضهم، وهو أمر مستبعد، لا سيما وأن تنفيذ العقوبات بحاجة لآليات غير ناجزة، وسيأخذ وفق المصادر الرسمية ما بين ست إلى تسعة أشهر!

إعلامية وكاتبة لبنانية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير