الوثيقة | مشاهدة الموضوع - من يحمي العراقيين من هجمات الطائرات المسيرة د. سعد ناجي جواد
تغيير حجم الخط     

من يحمي العراقيين من هجمات الطائرات المسيرة د. سعد ناجي جواد

مشاركة » الأربعاء سبتمبر 04, 2019 9:12 pm

من الأحاديث التي تشغل بال العراق والعراقيون اليوم، بالاضافة الى الفساد الكبير والفشل الحكومي، هو الهجمات الاسرائيلية بطائرات مسيرة على مناطق في العمق العراقي، و كيف يكون الرد العراقي المناسب عليها، إن وجد. وهذا الحديث جر العراقيين الى تذكر كيف كان حال بلدهم قبل عام 2003، وكيف استبيح بعده بفضل الاحتلال الامريكي-البريطاني-الاسرائيلي، وكيف دمر جيشهم و قواتهم المسلحة ودفاعاتها الجوية وطائراتهم الحربي، وكيف بيعت أسلحة هذا الجيش المتطورة في أسواق الخردة او هُربَِت الى خارج الوطن وبأثمان بخسة وقبض ثمنها السياسيون الفاسدون الذين أتوا مع الاحتلال، وكيف تمت تصفية القيادات العسكرية الكفوءة والمقتدرة اما جسديا او بالسجن المؤبد او بالإجبار على الهرب من العراق. وهذا القرار الذي اتخذه سيء الصيت بريمر لم يكن قرارا فرديا او اعتباطيا وإنما كان قرارا اتخذ مسبقا في واشنطن وقبل الاحتلال و بطلب وإلحاح اسرائيلي، و باركه كل الأحزاب التي جاءت مع الاحتلال وتعاونت معه، كما يذكر ذلك صراحة بريمر بنفسه. ثم كيف ترك الاحتلال، وعن قصد ايضا، أبواب البلاد مشرعة لكل من هب ودب لكي يتغلغل في العراق ويعمل فيه تدميرا وتخريبا وأيضا بمساعدة الأحزاب التي أتت بعد الاحتلال ومن يقف على رأسها او يعمل فيها.
في العودة الى الموضوع فان كل دولة ليس لديها سوى جيشها وقواتها المسلحة لكي تحمي أراضيها و سماءها ومياهها. وبعد احتلال تنظيم داعش الإرهابي لثلث الأراضي العراقية في عام 2014، اكتشفت الولايات المتحدة (الخطأ) الكبير الذي ارتكبته بحل الجيش العراقي واستبداله (بجيش) من المرتزقة وأفراد من مليشيات الأحزاب التي جاءت مع الاحتلال، هذا ( الجيش) الذي لم يصمد امام إرهابيي داعش ساعات قليلة، وهرب من ساحة المعركة بعد ان سبقه قادته الكبار الذين تركوا بزاتهم العسكرية برتبها الكبيرة على الأرض. في حين ان تنظيما مدنيا بسيطا شُكِلَ على عجل وبأسلحة خفيفة اطلق عليه اسم (الحشد الشعبي)، وبدون تدريب و إعداد مسبق استطاع ان يقف امام هذا التنظيم الإرهابي و يمنعه من الوصول الى قلب بغداد، بعد ان كان قد وصل الى اطرافها، وان يعيده بعيدا عنها. منذ ذلك الحين بدأت مرحلة اعادة تأهيل الجيش العراقي مرة ثانية، وفي ذلك التاريخ فقط (تكرمت) الولايات المتحدة بتسليم العراق خمسة طائرات فانتوم لدعم القوة الجوية العراقية، التي كانت تمتلك وقت الاحتلال فقط من الطائرة الحربية و المتطورة اربعمائة مقاتلة، كلها تبخرت بين ليلة و ضحاها. كما بدأت الولايات المتحدة مع تحالف من دول أوربية بشن غارات جوية على تنظيم داعش الذي استقر في محافظات ثلاث، صلاح الدين والأنبار والموصل، يعمل في رجالها ذبحا وتقتيلا وفي نسائها سبيا واغتصابا وبيعا في سوق النخاسة. وفي فترة وجيزة استطاع الجيش العراقي بقادته الاكفاء ورجاله وعزيمتهم ان يعيد ترتيب بعض من صفوفه وان يسترجع المحافظات المحتلة الواحدة بعد الاخرى حتى انجز المهمة في عام 2018. وكان من شدة فرح ابناء الموصل بتحريرهم من عصابات داعش، على الرغم من التدمير الهائل الذي حل بمحافظتهم، وبالأخص قلبها التاريخي، وكثرة الأبرياء الذي ذهبوا ضحية القتال العنيف مع عصابات داعش التي كانت قد تلقت دعما داخليا واقليميا ودوليا، انهم قاموا بعمل نصب للقائد العسكري العراقي الذي قاد معارك التحرير تخليدا لجهده واعترافا بدوره البطولي والمتفاني في تحرير مدينتهم. (لا يزال هذا النصب مغطى ولم يتم رفع الغطاء عنه لحد اللحظة، وربما ستتم ازالته لكي لا يبق اثر لدور الجيش العراقي). ان هذا النجاح الذي حققه الجيش بقياداته وتنظيمه الجديدين ارعب أطرافا كثيرة داخلية وخارجية. أطرافا وجدت في هذا الاداء والتنظيم تهديدا لمصالحها بل ولوجودها ونفوذها. وبدلا من تنصيب القائد الذي حرر الموصل محافظا لها لكي يبدا عملية بناءها، سلمت الموصل الى محافظ فاسد (وهذا ليس اتهاما اعتباطيا وإنما استنادا الى قرارات قضائية صدرت بحقه مما حدا به الى الهرب مع ما سرقه من السحت الحرام ولا يزال هاربا لحد اللحظة)، وعندما استُبدِل جيء بمحافظ اخر بنفس الأسلوب السابق، ولم تنفع كل اعتراضات ابناء الموصل وعدد كبير من نوابها على هذا الاختيار. وتعثرت عمليات إعمار المحافظة بعد ان بدا الفساد يتحكم في عمليات البناء. والأخطر ان المحافظات المحررة سلمت لفصائل الحشد الشعبي التي اعادت التعامل مع ابنائها بالأساليب الطائفية والاعتقال العشوائي والتغييب لآلاف الشباب الذين لايزال مصيرهم مجهول لحد هذه اللحظة. الأخطر في الامر ان سياسة جديدة اتبعت بعد ذلك تمثلت في تهميش الجيش وقادته ودوره وتفضيل فصائل الحشد الشعبي عليه، وتمكين هذه الفصائل من التسلط على رقاب و مصائر الناس في المحافظات المحررة. كما جرى تضخيم الحشد وبدعم من إيران بصورة كبيرة، وأصبح يضم مجاميع لم يكن لها اي دور في تحرير المحافظات من أيدي تنظيم داعش الإرهابي، وتم تخصيص ميزانية له قيل انها تفوق ما مخصص للجيش. الأهم من ذلك ان هذه الفصائل بدأت تعمل بصورة رسمية بعد ان تم تشريع قانونا خاصا بها جعل منها مؤسسة عسكرية رسمية تابعة للقائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء، وتم الاعتراف باكثر من ستين فصيل بالحشد رسميا من قبل البرلمان العراقي (٦٧ فصيلا). واستنادا على هذه الصفة الرسمية قامت العديد من هذه الفصائل، خاصة المتنفذة منها، بالاضافة الى الاعتقالات الواسعة، الى منع عدد كبير من الذين اجبروا على النزوح من مدنهم وقراهم من العودة اليها، ثم قامت قيادات هذه الفصائل بالدخول باستثمارات اقتصادية بالتعاون مع مجالس محافظات المدن المحررة والتي اشتهرت بالفساد الكبير، والتجاوزات غير القانونية. اما القائد العام للقوات المسلحة فلقد وقف، كعادته، متفرجا على ما يجري، ولم يتخذ اي اجراء رادع على التجاوزات المرتكبة من قبل اغلب فصائل الحشد، ومن الشكاوى الكثيرة على تجاوزاته. ولم تهتز كرامته الشخصية ولا الوطنية ولا الرسمية عندما كان هو ومعه كل المسؤولين الكبار في الدولة، يسمعون الغالبية العظمى من قادة هذه الفصائل يصرحون الواحد تلو الاخر بان مرجعيتهم هو (الولي الفقيه في إيران). هناك من يقول ان عجز القائد العام مرده النفوذ المسلح الكبير الذي يتمتع به قادة الحشد والذين يحيطون به من كل جانب، اولا، والى الدعم الكبير الذي يحظى به هذا التنظيم من إيران وفيلق القدس وقائده واللذين يمتلكان نفوذا كبيرا جدا داخل العراق وحتى في المنطقة الخضراء ثانيا. وبالتالي فان خوفه على حياته يمنعه ويمنع الآخرين من إتخاذ الإجراء الرادع المناسب. ولو انه قال عن نفسه بانه سيقدم استقالته اذا لم تترك له حرية إدارة الأمور بالطريقة التي يراها مناسبة.
المهم ان السيد رئيس الوزراء لم يكتف بالسكوت وإنما ساهم ويساهم في أضعاف المؤسسة العسكرية، وبالذات الجيش، وخير دليل هو تردده في تعيين وزيرا كفوءا للدفاع لمدة طويلة وانتظار الترشيح لهذا المنصب لكي يأتي من روؤساء الكتل، هذا الأسلوب الذي لم ينتج عنه سوى ترشيح الفاسدين في السابق او غير المؤهلين في الوقت الذي كان يمكنه ان يسمي مرشحا مقتدرا من داخل المؤسسة العسكرية نفسها و من اللذين ابلوا بلاءا حسنا في معارك دحر تنظيم داعش الإرهابي. مقابل ذلك اصرت وتصر إيران في ظل تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة على دعم الغالبية العظمى من فصائل الحشد وزودتها باسلحة وصواريخ متطورة، لكي تستخدمها ضد الوجود الامريكي في العراق. في حين ان هذه الفصائل اخذت تستخدم هذا الدعم المباشر سياسيا، كما انها تستفيد من الدعم الحكومي غير المباشر في التسلط على رقاب الناس والدخول في مشاريع اقتصادية لإشباع الفساد المستشري بين الكثير من قياداتها.
إسرائيل من ناحيتها، ولكي تثبت لإيران بانها قادرة على ضرب نفوذها في أية دولة في المنطقة، وخاصة في العراق و سوريا ولبنان، قامت بقصف معسكرات الحشد في العراق بطائرات مسيرة. وطبعا فان هذه الفصائل التي تفتقد التدريب الصحيح والمؤسسات المهنية والكفاءة على مواجهة مثل هذه الهجمات تلقت الضربات الواحدة تلو الاخرى وبدون اي رد، باستثناء التصريحات العنجهية. من ناحية اخرى اثبتت هذه الهجمات، عدا ما تسببت به من اخطار على حياة الناس، حيث ان اغلب معسكرات ومخازن أسلحة الحشد تقع قرب مناطق سكنية ماهولة ناهيك عن طريقة الخزن البدائية، اثبتت عدم وجود اي دفاعات جوية في العراق، وان الدولة المسؤولة عن حماية اجواء العراق من الاحتلال، الولايات المتحدة، ظلت متفرجة ولم تفعل شيئا لحماية سماء البلاد. كل هذه الأمور لابد وان تستدعي إناطة هذه المهمة بالجيش العراقي، المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية البلاد. وتسخير و توفير كافة الإمكانيات لها لكي تقوم بهذه المهمة بكفاءة عالية. ولكن هل سيتم اللجوء الى هذا الحل؟ ان كل الشواهد تدلل على عدم ذلك لعدة أسباب، اولها ان إسرائيل التي ابدت قلقا كبيرا وصريحا من الدور الجديد الذي لعبه الجيش العراقي في تحرير المحافظات التي احتلت من قبل تنظيم داعش الإرهابي، سوف تعمل كل ما في وسعها لمنع ذلك، واهم ما في وسعها هو تحريض الولايات المتحدة على عدم دعم الجيش وتزويده بالأسلحة المطلوبة، وهو ما فعلته الولايات المتحدة منذ عام 2003، وثانياً فان إيران ومن يمثلها صرحوا في اكثر من مناسبة بان الحشد الشعبي يجب ان يحل محل الجيش العراقي، ووصل الامر ببعض قادة هذا الحشد الى المطالبة علنا بحل الجيش العراقي مرة اخرى وبدون خوف او خجل. ثالثا ان اغلب الأحزاب المتنفذة في العملية السياسية العراقي اليوم تقف ضد اعلاء مكانة القوات المسلحة، ويشترك في ذلك الأحزاب العربية والكردية. وما قامت به الحكومة وما صرح به بعض قادة الأحزاب الكرية علنا خير دليل على ذلك. رابعا ان اغلب دول الجوار لا تريد ان تشاهد العراق دولة قوية تستند الى جيش مقتدر، لانها تعتقد، خطاءا، ان مثل هذا الجيش سيجعل من العراق قوة إقليمية تهددهم.
هناك من يعتقد بانه لن يحل كل هذه الإشكالات الا ان ياخذ الجيش نفسه زمام المبادرة ويعيد مكانته بنفسه، وهذا الحل يبقى ايضا محفوفا بمخاطر كبيرة أهمها التدخل الخارجي، سواء الإقليمي او الدولي، لإجهاض مثل هذه المحاولة. وهكذا فان قدر العراقيين ان يبقوا مهددين بالاختراقات الخارجية والطائرات المسيرة والقوات الأجنبية والأسلحة المنفلتة التي تحملها تنظيمات غير رسمية، الى ان يقيض لهم من ابناءهم من يقود ثورة اصلاحية شعبية تعيد الأمور الى مسارها الصحيح، وتعيد البلاد الى المكانة التي تستحقها، وهذا ليس بالأمر المستحيل على ابناء العراق الذين اثبتوا بانهم كالعنقاء يستطيعون ان يخرجوا من الرماد ومن تحت الأنقاض ليعيدوا الكرامة لبلدهم.
اكاديمي وكاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron