الوثيقة | مشاهدة الموضوع - هل سيجد العراق ضوءا في عتمة الجُب؟ مثنى عبد الله
تغيير حجم الخط     

هل سيجد العراق ضوءا في عتمة الجُب؟ مثنى عبد الله

مشاركة » الاثنين يونيو 20, 2022 10:43 pm

واهم من يعتقد أن الأزمة السياسية وتعطّل تشكيل حكومة في العراق، هي المعضلة الأساسية التي يواجهها هذا البلد، فعلى مدى ما يقرب من عقدين من الزمن، كانت الأزمة السياسية حاضرة، وسواء كانت هنالك حكومة أو لم تكن، فالبلاد والعباد يواجهون الكوارث الأمنية والاقتصادية والخدمية. وعليه فإن الربط بين تعطّل تشكيل حكومة، وتوقف مسيرة الحياة في العراق، تبريرات غير واقعية وذات أهداف مُغرضة.. وأن المراقب اللبيب هو الذي يذهب إلى لُب المشكل وليس إلى الظواهر.
المشكلة الحقيقية في هذا البلد تكمن في صلب بنية العملية السياسية، وماعدا ذلك هو نتاج لهذه الأزمة، فقد خلق الاحتلال فضاء سياسيا مزق به جميع القواعد المعتادة للسلطات وطبيعة الحكم، والعلاقات ما بين السلطة والمجتمع، والعلاقات ما بين المشاركين في السلطة أيضا. وصنع حالة اضطراب مستدام كي يضمن وجودا فاعلا له في المشهد العراقي، فتكون العودة إلى أحضانه والالتزام بأوامره هي المدماك الرئيسي للقوى السياسية كافة المشاركة في السلطة.
لذلك وجدنا أنه على الرغم من ادّعائه باعتماد الديمقراطية نظاما سياسيا، لكنه صفّح الطبقة السياسية وأحاطها بقداسة الحق المطلق في الحكم، على اعتبار أنها كانت مضطهدة من قبل النظام السابق، ومظلومة وبعيدة عن السلطة، فجعلها بعيدة عن الحساب الشعبي وحماها من المساءلة القانونية، وبذلك أطلق لها العنان كي توغل في السرقات والقتل والاضطهاد والإثراء غير المشروع. كما عمل على جعل السياسة والعمل السياسي ليس فعلا اجتماعيا ولا مهنة ثقافية، من خلال وضع اللصوص والقتلة وزعماء الميليشيات في صدارة المشهد السياسي والثقافي والفكري والتربوي، وبذلك فقدت السياسة دورها الرئيسي في المجتمع، وباتت مجرد واجهة يختفي خلفها البعض، لتحقيق أهداف مرحلية مرتبطة بالتحشيّد والتجييش ضد الطرف الآخر المشارك في العملية السياسية. وإمعانا منه في تمزيق القواعد السليمة التي تسير عليها الدول والأنظمة السياسية، فقد تمسك بنظام الدولة التقليدية، وتوسل بقشور الحداثة السياسية من برلمان وانتخابات، من دون الانفتاح الحقيقي على الحداثة السياسية. وكان الهدف من وراء ذلك هو إبقاء سياسة البلد وقراراته رهنا لخياراته هو ومصالحه العليا.

خلق الاحتلال فضاء سياسيا مزق به جميع القواعد المعتادة للسلطات وطبيعة الحكم، والعلاقات بين السلطة والمجتمع، والعلاقات بين المشاركين في السلطة أيضا

في خضم هذا المشهد المرسوم بعناية يمكن القول، صحيح أن وجود نظام سياسي هو ضرورة ملحة في أي دولة ولكل شعب، لكن السؤال الأهم في العراق هو، هل حقا يوجد نظام سياسي؟ وما معنى النظام؟ وإذا ماعرفنا أن النظام هو عادة الذي يوزع السلطة ويقسم الثروة، ويخلق آلية عقلانية لحل المشاكل، فإن القول بعدم وجود نظام في العراق يصبح حقيقة مطلقة. فلا توزيع للسلطة، ولا تقسيم للثروة، ولا توجد أي آلية عقلانية لحل المشاكل والأزمات والكوارث. كما أن السلطة التنفيذية في العراق وضعها مختلف تماما، وليس لها من صلة، لا من قريب ولا من بعيد، بمفهوم الحكومة ولا بدورها، لأن كل الحكومات العراقية في كل مرة تولد من رحم الخزي السياسي الممتد من عام 2003. وأن كل الشخوص الذين يتولون المناصب فيها هم من الطبقة السياسية نفسها، وبذلك فإن هذا المناخ وهذه التربة سيبقيان عاملين فاعلين في ظهور آخرين بالمواصفات والجينات والوقاحة السياسية نفسها أيضا، وستبقى سمات الأنظمة الفاقدة للمشروعية والمصداقية هي الأعمدة الرئيسية للحكم في العراق. وفي المقابل ستتعزز المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الداخل العراقي، من جراء الخسائر الضخمة للسياسة البائسة، كما سيتآكل كل ما يطلق عليها من تسمية مؤسسات، وسيشجع اليأس، الإسراف الشعبوي، ويغذي التفكير الماضوي في المجتمع.
لقد كان العراق بنك المنطقة العربية، كانت هناك أدمغة مُبتكرة، ونُخب وجامعات مدنية وعسكرية رصينة، تشكل نموذجا للأجيال العراقية والعربية الصاعدة. اليوم لم يعد هنالك نموذج ولا جامعة ولا بنك خبرات. النموذج الوحيد المتوفر هو هذا العبث الذي يسمونه العملية السياسية، وهذه الطبقة الحاكمة الرثة، حيث الإصرار على تذكير الجميع بأن الشيعة من حقهم رئاسة الوزراء والحكم المطلق، وأن الاكراد من حقهم رئاسة الجمهورية والحكم المطلق في محافظات الشمال العراقي. أما السُنة فلهم رئاسة البرلمان، لكن ليس لهم حق في كل شيء، ماعدا من حصل منهم على شهادة حسن السيرة والسلوك من الولي الفقيه، عندها سيكون من حقه أن يكون مجرد حشوة دافعة في عجلة الحكم الحالي، وبعكسه فهم متهمون بأنهم إرهابيون وبعثيون وعملاء للدول العربية. كما تعمّد الساسة الخلط بين التدين والسياسات الفاشلة التي ينتهجونها لتدعيم حظوظهم السياسية بضمانات دينية، تم رسمها بدقة فائقة لتناسب تفكير عامة الناس من البسطاء. في حين تبقى الميليشيات لها القول الفصل في حاضر ومستقبل البلاد والعباد، يحملون الكاتيوشا على أكتافهم، ويطوقون أعناقهم بـ(يشماغ) قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني السابق، يدخلون المدن والأحياء والبيوت ودوائر الدولة، يخطفون ويقتلون أو يغيبون من يريدون، باسم محور المقاومة والحرب مع الامريكيين. يقينا لقد سقط العراق في الجُب، وما زال فيه منذ ما يقرب العقدين من الزمن، من دون أن يلتقطه بعض السيّارة. وفي العلاقات الدولية لا يوجد من يمد يده إلى الآخر، من دون مقابل، خاصة أن الدول باتت اليوم تبحث عن ساحات تتصارع فيها مع القوى المنافسة لها بعيدا عن أراضيها، وتشكل الدول الفاشلة فرصة كبيرة ومسارح مؤجرة للصراعات الخارجية. كما أن القوى الكبرى أخذت ترهن مستقبل دول تعاني من الأزمات، وتجعلها جوائز ترضية لهذا الطرف أو ذاك، عندما تتلاقى المصالح وتُعقد الصفقات. وهنا يبرز دور الشعوب في الخروج من الأزمات، وصنع الحاضر والمستقبل. فهل شعب العراق على قدر المسؤولية؟
على الرغم من أن شعب العراق مثّل مركز ثقل عبر التاريخ، وعندما تزاوج العنصر البشري فيه مع عنصر المكان، كانت النتيجة صناعة تاريخ وحضارة، إلا أن الواقع الحالي يختلف تماما عن هذه الصورة الماضية، فالكثير من المراقبين يتساءلون بحيرة عن أسباب هذا السبات الطويل. فعلى مدى تسعة عشر عاما ذاق هذا الشعب كل أصناف الظلم والاضطهاد والقتل والتشريد والتغريب على يد قوى أجنبية ومحلية، ودفع أثمانا باهظة من حاضره ومستقبل أجياله. ومع ذلك ما زالت اندفاعته في تغيير الأوضاع محدودة، ولا تتناسب بأي حال من الأحوال مع الضرر الذي لحق به. ولو عقدنا مقارنة بين حراكه الفاعل في القرن الماضي وحراكه في القرن الحالي لوجدنا البون شاسعا. صحيح أن الظروف الذاتية والموضوعية مختلفة سابقا عن حاليا، لكن كان الحراك الشعبي يُسقط حكومات ويُلغي اتفاقيات ومعاهدات، بينما ثورة تشرين في عام 2019، على الرغم من أهميتها وبروزها كفعل مؤثر في الواقع السياسي والاجتماعي العراقي، لكنها لم تكن بمستوى الحدث، كما أنها عجزت عن التحول إلى العصيان المدني، لذلك فالمسؤولية الكبرى اليوم في إنقاذ العراق هي على عاتق شعبه، وليس أي طرف آخر.
كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron