الوثيقة | مشاهدة الموضوع - المجمعات السكنية في العراق: حل أزمة أم غسيل أموال ونهب المواطن؟
تغيير حجم الخط     

المجمعات السكنية في العراق: حل أزمة أم غسيل أموال ونهب المواطن؟

مشاركة » الأحد يوليو 31, 2022 5:31 am

8.jpg
 
بغداد ـ «القدس العربي»: مع انتشار غير مسبوق لمشاريع بناء المجمعات السكنية الكبيرة في أغلب مناطق العاصمة العراقية والمحافظات، برزت انتقادات واسعة لهذه المشاريع واتهامات بكونها واجهة جديدة للفساد ووسيلة لغسيل الأموال وانتزاع أموال المواطنين بالتزامن مع حرمان الطبقات المتوسطة والفقيرة منها بسبب الارتفاع الهائل في أسعار الشقق فيها.
وخلال جولة لـ”القدس العربي” في بعض مشاريع المجمعات السكنية في بغداد، يبدو واضحا انها ليست مشاريع من أجل حل أزمة السكن الخانقة في العراق، وارتفاع أسعار العقارات من دور وشقق، بل هي طريقة لجذب الأموال من الدولة والمواطن معا، وتحقيق أرباح هائلة من قبل جهات وشركات لها صلة ببعض الأحزاب المتنفذة والهيئات الرسمية والدينية ومافيات الفساد. ويأتي مشروع مجمع بسماية السكني جنوب بغداد، والذي تنفذه شركة “هانوا” الكورية وشركات عراقية ثانوية منذ سنوات، بكونه أكبر مشروع سكني يتم تنفيذه بدعم من الحكومة التي خصصت له نحو 10 مليارات دولار رغم كونه مشروعا استثماريا، وسط انتقادات بوجود شبهات فساد مالي والكثير من المشاكل ونقص الخدمات التي وعدت الشركات بتوفيرها في هذا المشروع.
وعدا مشروع بسماية، فإن أغلب مشاريع المجمعات السكنية التي يتم تنفيذها حاليا تقوم بها شركات عقارية خاصة، وكلها تستفيد من تسهيلات حكومية تقدمها هيئة الاستثمار الحكومية والمصارف، باعتبارها مشاريع استثمارية، فيما يتم بيع الشقق للمواطنين أما نقدا أو على شكل دفعات.
والملاحظ ان هذه المجمعات السكنية لا تخدم غالبية العراقيين وخاصة الطبقات المتوسطة وألفقيرة منهم، بل لا يستفيد منها سوى الأغنياء وكبار الموظفين وأعضاء الأحزاب والفصائل، وغيرهم ممن تتوفر لهم موارد مالية، وذلك نظرا لكون أسعار الشقق فيها مرتفعة بشكل جنوني ولا يستطيع شراءها سوى فئات محدودة في المجتمع. فمشروع مجمع “بوابة العراق” وسط بغداد تصل سعر الشقة فيه بمساحة نحو 160 مترا، إلى أكثر من 300 ألف دولار، ومجمع “الأيادي” تصل إلى نحو250 ألف دولار، ومجمع “اليمامة” تصل إلى 240 ألف دولار، وهكذا. وهذه الأسعار مرتفعة جدا ومبالغ فيها بل وأكثر من قيمة الدور المستقلة التي تشكل أغلبية الوحدات السكنية التي يفضلها العراقيون.
ومن خلال متابعة أغلب المشاريع يلاحظ بانها تقام على أراض تابعة للدولة، يتم الاستحواذ عليها من قبل شركات متنفذة بالتنسيق مع هيئة الاستثمار التي تثار ضدها اتهامات بالفساد وسوء الإدارة.
ومثال على ذلك هما مشروعا “النسيم ستي” و”الروان” السكنيان الكبيران اللذان ينفذان حاليا في منطقة حي الجهاد قرب طريق مطار بغداد، على أرض تعود ملكيتها للدولة، إلا ان الشركة المنفذة التي تتمتع بدعم أحزاب وقوى سياسية على ما يبدو، تمكنت من الاستحواذ على الأرض وأقامت عليها المجمعين.
وهناك مشروع “دار السلام” السكني المشيد على أرض مطار المثنى وسط العاصمة بغداد الذي تنفذه شركة الفيض، ويتألف من 28 عمارة تحتوي على 1500 شقة سكنية. والمفارقة ان هذا المشروع يعود إلى دائرة الضمان الاجتماعي للعمال والمتقاعدين، وأقل وحدة سكنية فيه يبلغ سعرها نحو 250 مليون دينار، وبالتالي فمن المستحيل أن يفكر مواطن يعتمد على راتب الضمان الاجتماعي أو التقاعد بشراء وحدة سكنية فيه.
وتتسابق الشركات العقارية على تنفيذ مشاريع إسكانية أخرى مثل مشروع المنصور ستي، ومشروع بوابة بغداد، ومشروع العطيفية السكني وغيرها الكثير، إلا ان القاسم المشترك لهذه المشاريع هي أنها جميعاً تحتل مواقع حيوية ومهمة في العاصمة وبعضها يطل على نهر دجلة، وتباع بأسعار عالية لشرائح محدودة.
ونفس الأمر ينطبق على مشاريع المجمعات السكنية المقامة في إقليم كردستان التي تتميز بأن أسعارها أقل نسبيا عن أسعار بغداد، إلا ان الشركات المنفذة تتشابه من حيث كون أغلبها تستغل أراضي الدولة لإقامة مشاريعها، كما انها على صلة بالقوى المتنفذة هناك.
انتقادات للمجمعات السكنية
ويتهم سياسيون ومواطنون، هيئة الاستثمار المسؤولة عن مشاريع الاستثمار بالفساد، وأن استمرار استيلائها على أراضي وممتلكات الدولة والمتاجرة بها بحجة الاستثمار، هو أمر خطير يؤدي إلى تدمير ممنهج لبغداد والمدن الأخرى، وهو ما جعل البرلمان العراقي ذاته يقر بوجود شبهات فساد في مشاريع الهيئة. وفي هذا الصدد تقدم عضو لجنة الاستثمار النيابية سعد الخزعلي بطلب رسمي يقضي بتشكيل لجنة تحقيقية لملفات ووثائق تدين الهيئة ورئيسها بالفساد. ويضيف الخزعلي في بيان له “أن على رئيس الوزراء إيقاف هذا الفشل والتدمير وأن يحاسب رئيس هيئة الاستثمار عما ألحقه ببغداد من تخريب”.
في ذات السياق، تحدث عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية عبد السلام المالكي عن ملف فساد كبير يتعلق بتوزيع مساحات من الأراضي التي وصفها بالاستراتيجية مجاورة لمطار بغداد الدولي، إلى مستثمرين.
وكانت لجنة النزاهة في البرلمان العراقي، أعلنت عن اكتشاف ملفات فساد كبيرة في واحد من أكبر مشاريع الإسكان بالعراق، وهو مشروع مدينة بسماية السكني، جنوب العاصمة بغداد. وقال بيان صدر عن مقرر اللجنة، النائب جمعة الديوان، إن “مشروع بسماية السكني يعد من أضخم المشاريع السكنية في البلاد، إلا أن تكلفته المقدرة بعشرة مليارات الدولارات مبالغ فيها، قياساً بالمخطط الكلي للمشروع، وهو ما يكشف عن شبهات فساد في العقد الذي تم إبرامه في عهد الحكومة السابقة”. علما ان سكان المجمع قد نظموا تجمعات وتظاهرات للاحتجاج على نقض الخدمات في المجمع.

الأراضي الزراعية وبساتين النخيل

والحقيقة ان لمشاريع المجمعات السكنية جوانب سلبية كثيرة لعل أبرزها ان أغلبها تقام على الأراضي الزراعية ويتم تجريف أشجارها ونخيلها وتحويلها إلى مشاريع سكنية. فحول مدينة الكاظمية التي تطل على نهر دجلة، تنتشر العديد من مشاريع المجمعات السكنية التي تنفذها شركات تعتبر واجهة للأحزاب والفصائل. وهناك مثلا شركة الغدير للاستثمارات العقارية التي تنفذ مشروع “جواهر دجلة” على كورنيش الكاظمية بعد إزالة عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية وبساتين النخيل. ونفس الأمر تكرر في منطقة الدورة جنوب بغداد التي يقام فيها حاليا العديد من المجمعات السكنية بعد إزالة مساحات واسعة من مزارع النخيل.
كما وجهت انتقادات لهيئة الاستثمار، باجبار سكان بعض مناطق حزام بغداد على الرحيل من أراضيهم الزراعية بحجة منحها لشركات الاستثمار لتنفيذ مشاريع سكنية وغيرها. وقد قوبل قانون استثمار أراضي مطار بغداد باعتراضات وانتقادات كثيرة، لكونه يؤدي إلى إزالة مناطق زراعية كبيرة تساهم في توفير المحاصيل الزراعية وحماية العاصمة من العواصف الترابية المتزايدة.
عضو مجلس النواب ليث الدليمي، انتقد بدوره، استعانة بعض المستثمرين بالقوات الأمنية لطرد سكان قرى زراعية شمال بغداد والاستيلاء على أراضيهم، تحت مبرر إقامة مشاريع استثمارية كالمجمعات السكنية. ودعا الدليمي إلى فتح تحقيق عاجل في الاعتقالات التي تعرض لها أبناء قرية الصابيات، بسبب سطوة المستثمرين رغم انهم يملكون الأراضي ويزرعونها ويسكنون فيها منذ 150 عاما. وأكد النائب ان “عمليات الاستيلاء على أراضيهم تجري بصورة كبيرة وبحجج كثيرة” داعيا لتشكيل لجنة من رئاسة الوزراء لمتابعة مشاكل هذه المنطقة الزراعية.
وبسبب خطورة تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، طالبت وزارة البيئة، بتحرك أمني عاجل لمنع استمرار عمليات قطع النخيل والأشجار في داخل ومحيط العاصمة بغداد، عادّة ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون.
وقال مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي أمير علي الحسون في بيان، إن “فرق وزارة البيئة ما زالت ترصد انتهاكا للمساحات الخضراء من قبل عناصر تقوم بتجريف الأراضي الزراعية بعضها في حدود شمال بغداد وآخرها ما يجري الآن في بساتين (مزارع) تقع مقابل جزيرة بغداد السياحية اذ إن هناك من يمارس هذه الجريمة البيئية والتي هي من ضمن الجرائم التي يحاسب عليها القانون”.
وفيما أضاف، أن “استمرار هذه التجاوزات من الممكن أن يسهم مستقبلاً في زيادة مساحات التصحر وارتفاع معدلات درجات الحرارة والغبار” فقد دعا الحسون، وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والناشطين لـ “رصد هكذا مخالفات في عموم محافظات العراق ومساندة الحكومة والوزارة في جهودهما لزيادة المساحات الخضراء وتطبيق مفاهيم التنمية المستدامة”.
أما علي الجبوري الموظف في أمانة بغداد، فإنه أكد لـ”القدس العربي” ان المجمعات واجهة لتبييض الأموال التي تسرقها حيتان الفساد والأحزاب بمختلف الطرق، والتي لا يستطيعون إخراجها من العراق خوفا من الملاحقات والعقوبات الدولية. مؤكدا ان استثمار الأموال المسروقة من الدولة من قبل الأحزاب في تنفيذ مشاريع سكنية تدر عليها أرباحا إضافية هائلة، ولذا فإن السنوات الخمس الأخيرة خصوصاً شهدت ازدياداً لافتاً في المشاريع الإسكانية الكبيرة.
وأشار الجبوري إلى ان أغلب المجمعات السكنية تعود لشخصيات مرتبطة بالأحزاب المتنفذة، التي تدفع عناصرها لإنشاء شركات عقارية، وتستغل نفوذها وعلاقاتها في الحكومة للحصول على تسهيلات من هيئة الاستثمار والمصارف تحت واجهة الاستثمار، منوها إلى وجود شكاوى كثيرة من سكان المجمعات المنجزة لعدم تنفيذ الشركات تعهداتها للمواطنين الذين اشتروا الشقق، مثل عدم إقامة مولدات كهرباء ومحطات المياه وتبليط الطرق القريبة من المجمعات وإنشاء الأسواق والخدمات الأخرى، حيث شهد العام الفائت أكثر من تظاهرة لمواطنين وقعوا ضحية تلكؤ الشركات الاستثمارية بتسليم الوحدات السكنية للذين دفعوا التزاماتهم المالية كاملة لها. واتهم المتظاهرون هيئة استثمار بغداد بحماية المقاولين الفاسدين، وطالبوا الحكومة بالتدخل لإعادة حقوقهم.
ويعتقد خبراء ومراقبون أن أغلب المشاريع الاستثمارية في مجال المجمعات السكنية، تفتقر إلى التخطيط لحل أزمة السكن ومعالجة العشوائيات والتجاوزات داخل بغداد، بالرغم من أنها تحظى بدعم الحكومة عبر القروض التي يقدمها القطاع المصرفي للشركات المنفذة، بالتزامن مع حصولها على مبالغ كبيرة من المواطنين الراغبين بشراء الوحدات السكنية.
وهكذا فإن وعود الحكومات بتوفير سكن لائق وخاصة للشرائح المتوسطة والفقيرة لم تتحقق، بل أصبح المواطن ضحية لجشع الشركات العقارية المنفذة للمشاريع السكنية، التي بات مؤكدا انها أحد وجوه نهب موارد الدولة وأموال المواطنين معا، عندما استغلت الأحزاب ومافيات الفساد والشركات، أزمات المجتمع للقيام بتنفيذ مشاريع استثمارية مثل المجمعات السكنية والمستشفيات والجامعات الخاصة والمولات، واستفادت من تسهيلات الحكومة وقروض المصارف ، من أجل تحقيق عوائد مالية هائلة على حساب مصلحة المواطن.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير

cron