الوثيقة | مشاهدة الموضوع - حرب السودان: مدنيون يفرون من ويلات الحرب إلى جحيم النزوح
تغيير حجم الخط     

حرب السودان: مدنيون يفرون من ويلات الحرب إلى جحيم النزوح

مشاركة » الأحد يونيو 23, 2024 8:01 am

2.jpg
 
الخرطوم ـ «القدس العربي»: سيرة ومرارة الألم لدى السودانيين لا تتوقف في القصص المروعة عن الفقد والانتهاكات بمناطق القتال، إنما تمتد لحكايات مؤلمة ومعاناة مضاعفة في رحلات النزوح المستمرة وغياب المأوى ومطاردة ومضايقة اللاجئين منهم في بلدان الجوار والعيش في أوضاع تندر بها مقومات الحياة.

تعد أزمة النزوح واللجوء التي أفرزتها حرب السودان المستعرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف نيسان/ابريل العام الماضي الأكبر من نوعها على مستوى العالم، إذ تقول المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 10.7 ملايين شخص نزحوا بسبب النزاع هناك، منهم 9 ملايين داخل البلاد، بينما فرَّ 1.7 مليون آخرين إلى دول الجوار.
وتقدر المنظمة أن 20 ألف مهاجر يجبرون على الفرار من منازلهم كل يوم، لافتة إلى أن 53 في المئة من النازحين أطفال، كما أكدت وجود تقارير عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تتمثل في العنف العرقي والاغتصاب.
ووفقا لتقرير المنظمة أن 12 ولاية في السودان شهدت موجات نزوح، كان أكبرها في العاصمة الخرطوم، وأن ما يزيد على 6 مليون منهم يعيش بشكل رئيسي مع المجتمعات المضيفة في أكثر من 7 ألف موقع في ولايات البلاد المختلفة.

نظام الاستضافة وعدم وجود مخيمات

الملاحظ ورغم مرور أكثر من عام على حرب السودان لا يتوجد معسكرات أو مخيمات محددة للنازحين داخليا، الفارون من جحيم القتال أغلبهم لجأوا إلى نظام الاستضافة عبر الذهاب إلى أقاربهم وأصدقائهم في الأماكن الآمنة وتقاسموا معهم المأكل والمأوى، أما البقية ما زالوا يقبعون في دور الإيواء – مدارس – وسط مخاوف من عملية إخلاء بالقوة من قبل السلطات بحجة استمرار العملية التعليمية.
ويشار أن نظام استضافة النازحين في منازل الأهل والأصدقاء ابتدع في عهد الحركة الإسلامية البائد واعتمد باعتباره استراتيجية قومية للنزوح أبان حربها ضد الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو في ولاية جنوب كردفان عام 2011 وذلك تأصيلا ومحاكاة لما فعله الرسول الكريم عند قدوم المهاجرين من مكة إلى المدينة، وتخوفا في الوقت نفسه من أن تكون معسكرات النزوح مراكز لدعم التمرد.
الباحث والمختص في قضايا النزوح واللجوء في السودان، عاطف كمبال، قال لـ«القدس العربي»: «نظام الاستضافة واحد من أهم العوامل التي فاقمت من معاناة النازحين، فهو لم يحقق شيئا سواء للمستضاف أو للمستضيف لأنه بالأساس إجراء لا يستند إلي قيمة قانونية أو اعتبارية» مؤكدا أنه بدعة ابتكرت في وقت سابق ولم يستطيعوا التخلي عنها ما يؤكد فشل سياسات الدولة تجاه قضايا وإشكالات النزوح.
وفي سياق متصل، رأى كمبال أن دور الإيواء هي الأخرى لا يمكن أن تكون حلاً لأزمة النزوح لأنها تكون أولى المحطات التي بعدها ينتقل النازح إلى المعسكر أو المُخيم وهو أيضاً لن يكون بديلا للبيت أو المدينة ولأن المعسكرات بالأساس هي مؤقتة تنتهي بانتهاء سبب النزوح.
ويشار أن غالبية دور الإيواء – المدارس – التي يسكنها النازحون تقع بمناطق طرفية في المدن الآمنة وتفتقر لأبسط المقومات، ولحد بعيد تكتظ الفصول بالأسر التي تواجه مشاكل في توفر المواد الإغاثية.

ترحيل باستخدام القوة

في عدد من الولايات، أقدمت السلطات على إخلاء بعض دور الإيواء بحجة فتح المدارس وعودة الأطفال لمسار التعليم، إخلاء الدور في بعض الأحيان صاحبه استخدام للقوة مثلما حدث في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل التي ما زال بعض النازحين إليها يفترشون العراء في الشوارع والميادين العامة، بعد إخراجهم من المدارس بالهراوات والغاز المسيل للدموع.
الصحافي صديق علي – معاق حركيا – يسكن في أحد دور الإيواء بمدينة عطبرة قال لـ«القدس العربي»: «منذ قدومنا إلى مركز الايواء البديل وجدنا العديد من الصعوبات بل تضاعفت بالمقارنة مع أوضاع سابقة حيث يفتقر المركز البديل إلى أدنى الاحتياجات الأساسية مثل توفر الماء وأدوات المياه وعدة الوصول بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن».
ويضيف: «النازحون ينتظرون في صفوف دورهم في الحصول على الماء وبعضهم أضطر للبحث عنها في المنازل المحيطة القريبة من المركز».
نزح علي في أواخر أيلول/سبتمبر العام الماضي من العاصمة الخرطوم بعد اشتداد المعارك بين الجيش والدعم السريع، وكان قد استقر في إحدى دور الإيواء بحي العشير بمدينة ود مدني التي سرعان ما انتقلت إليها الحرب هي الأخرى لتبدأ من جديد رحلته التي امتدت لنحو ثلاثة أشهر متنقلا بين المناطق في ولايتي القضارف وكسلا قبل أن يستقر في مركز إيواء داخل مدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمال السودان لتقوم السلطات مره أخرى بإخلاء المركز الذي يسكن به إلى آخر مكتظ بالنازحين.
قال علي: «نحن أصحاب الحالات الخاصة نعاني إمكانيات الوصول لدورات المياه، كما نجد صعوبة بالغة في توفير الماء للاستعمال اليومي؛ من صباح اليوم يكون همنا الأكبر في إيجاد من يجلب لنا الماء للاغتسال والشرب ومن ثم يكون الهم الآخر في إعداد الطعام أو جلبه حيث نقضي الساعات الطوال في انتظار من يخدمنا».
ورأى أن الجهات المعنية تحاول التنصل عن مسؤولياتها من خلال ترحيل النازحين إلى المناطق النائية، لافتا بأن السلطات أمرتهم مرة أخرى بإخلاء دار الإيواء ما أصاب النازحين بالقلق من مغبة استخدام القوة مرة أخرى في مواجهتهم كما حدث في المرات السابقة.

غياب الممرات الآمنة
ونقص في تقديم الغذاء

ويقول مراقبون، إن العاملين في مجال الإغاثة والمنظمات الإنسانية في السودان يواجهون تحديات عديدة في سبيل القيام بالمهام المناطة بهم أهمها عدم توفر الأمن وعدم وجود ممرات آمنة تسمح بتوصيل الإغاثة والعون للنازحين والعالقين بمناطق الصراع، بالإضافة لسياسات الدولة التي في كثير من الأحيان تعيق تحركات المنظمات الأمر الذي تسبب في تقليل حجم الإغاثة بالنسبة للمحتاجين.
من جانبه، أقر مسؤول الإعلام في جمعية الهلال الأحمر السوداني، هيثم إبراهيم، بأن المساعدات التي تقدم عن طريقهم للنازحين غير كافية لسد النقص في الغذاء، مشيرا إلى توزيعهم وشركائهم من جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة لأكثر من 65 ألف طن متري من الغذاء في ولايات الجزيرة، الخرطوم، شمال دارفور، غرب دارفور، وسط دارفور، نهر النيل، الشمالية، النيل الأبيض والبحر الأحمر منذ بدء الحرب وحتى الآن.
وحول إقدام السلطات لإخلاء دور الإيواء، يقول إبراهيم في إفادات خاصة لـ«القدس العربي»: «كل ولاية لها لجنة عليا لإيواء النازحين يشارك فيها الهلال الأحمر السوداني باعتباره جهة فنية مساعدة» مضيفاً أن لجان الإيواء الولائية اعتمدت بدائل لإيواء النازحين عوضا عن بعض المدارس، مبينا أن متطوعي الهلال الأحمر في مختلف الولايات يعملون على تخفيف معاناة النازحين عبر مبادرات محلية لسد النقص وتقديم خدمات إنسانية نوعية وفق متطلبات الفئات المختلفة.

قرية النازحين محطة معاناة جديدة

تعتبر القرى الـ6 في منطقة المناصير الجديدة جنوب الدامر التجمع الأكبر للنازحين في ولاية نهر النيل، حيث نقلت السلطات إليها غالبية نزلاء دور الإيواء من مديتني عطبرة والدامر وبعض المناطق الأخرى بالولاية.
مراسل «القدس العربي» زار القرية المذكورة والتي تضم آلاف المنازل كانت خصصت في وقت سابق للمتأثرين من قيام سد مروي لكنها ظلت خاوية لسنوات نسبة لاعتراض الأهالي على بعد موقعها وسوء الخدمات فيها.
النازحون الذين استطلعناهم أكدوا أن منازل القرية تفتقد لخدمات الكهرباء بالإضافة إلى ضعف في شبكات الاتصالات والإنترنت وصعوبة بالغة في الحصول على مياه الشرب.
وتتجاوز أعداد النازحين هناك 10 آلاف أسرة يتحصلون على مياه شربهم من الترع وقنوات المياه الزراعية مباشرة دون القيام بأي عمليات تعقيم أو تنقية ما أدى إلى ظهور إسهالات مائية وأمراض بلهارسيا حسب مصدر طبي يعمل في المركز الصحي الوحيد في القرية.
وأغلب سكان تلك المنازل يفترشون الأرض نسبة لعدم القدرة على شراء الأسرة كما توجد مشاكل في توفير المواد الإغاثية الكافية وإيجاد فرص عمل لتوفير دخول تساعد على سد تكلفة المعيشية.
قال عبدالله حسن أحد النازحين لـ«القدس العربي»: «المشكلة الرئيسية التي نواجهها هنا أن السلطات وضعتنا في مواجهة جديدة مع ملاك المنازل الذين يأتون أحيانا ويطالبون بإخلائها ما قد يتسبب في حدوث خلافات أو إعادة تشريد لبعض الأسر مرة أخرى.
ودعا حسن السلطات للتدخل والقيام بمسؤولياتها ووضع اتفاق حاسم يحمي الفارين من الحرب ويتجنب إعادتهم مرة أخرى إلى حياة التشرد بالإضافة إلى تحسين خدمات الاتصالات والمياه وإيجاد حل لمعالجة لمعالجة التوصيلات الكهربائية المعطلة.

اللجوء لدول الجوار
واستمرار مسلسل المعاناة

مسلسل معاناة الفارين من ويلات الحرب في السودان لا تنحصر على النازحين في الصعيد الداخلي بل تلاحق حتى أولئك الذين فضلوا اللجوء إلى دول الجوار، فقد وثقت عدد من الصحف المحلية والإقليمية وقوع جرائم وحوادث ارتكبت في حق اللاجئين السودانيين وعمليات إعادة وإبعاد بالإضافة إلى الترحيل وتخصيص معسكرات في مناطق نائية.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قالت إن من بين مليوني شخص فروا من البلاد، لجأ نحو 1.8 مليون شخص إلى البلدان المجاورة، مثل جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان حتى 31 آذار/مارس الماضي.

تشاد… قرار ترحيل معسكر أدري

في تشاد غربي السودان تقدر المنظمات الأممية دخول 745 ألف لاجئ سوداني، يعيشون في أوضاع إنسانية معقدة وغالبيتهم من قبيلة المساليت في ولاية غرب دارفور بعد مقتل أكثر من 15 ألفا من سكان الولاية برصاص قوات الدعم السريع حسب تقارير أممية.
الفارون من حرب دارفور وصلوا إلى مدينة أدري الشرقية المتاخمة للحدود السودانية، لكن وقبل أسابيع أصدرت الحكومة التشادية قراراً يقضي بترحيل اللاجئين السودانيين من معسكر أدري إلى مخيم بديل يبعد عن الموقع الحالي بنحو 150 كلم، وذلك نتيجة مشكلات نشبت مع المجتمعات المحلية المضيفة.
ووفقا لوسائل إعلام محلية دخل المواطنون التشاديون بمنطقة أدري في احتكاكات مع اللاجئين بعد أن طالبوا بإخلاء الأراضي المقام عليها المخيم بدعوى ملكيتهم لها، وأنهم يرغبون في زراعتها، مع قرب حلول فصل الخريف.

إثيوبيا…
مقتل لاجئة وظروف مأسوية

أما في إثيوبيا شرق السودان والتي تستضيف 134 ألف لاجئ، تقول التقارير الأممية أنهم يعيشون ظرفا مأساويا حيث يعانون من نقص الغذاء والمياه والأدوية، بالإضافة إلى انعدام الأمن المستمر.
وقبل أيام قليلة قُتلت لاجئة سودانية وأُصيب أربعة آخرون في هجوم شنته عصابة مسلحة مجهولة الهوية على مجموعة من اللاجئين السودانيين في إقليم أمهرا الإثيوبي.
وإلى ذلك قالت تنسيقية اللاجئين هناك في تصريحات صحافية، إن المأساة التي عاشها العالقون في غابات الأولالا الإثيوبية، وصلت إلى طرق مسدودة، حيث حُرموا من كل أشكال المساعدات الدولية والمحلية والمنظمات الطوعية.
وأكدت تزايد حوادث الاعتداء والقتل والنهب التي تستهدف اللاجئين في مختلف أنحاء إثيوبيا، ما دفع العديد منهم إلى الفرار من المخيمات بحثاً عن الأمان.

مصر… إبعاد المهاجرين
واحتجاز في ظروف قاسية

بدورها أقدمت السلطات المصرية على إبعاد 721 سودانياً، بينهم أطفال وكبار سن وشباب، بسبب دخولهم إلى مصر بطرق غير شرعية.
يأتي ذلك في أعقاب مصرع أكثر من 55 مهاجراً من السودان بسبب العطش وضربات الشمس خلال محاولاتهم الفرار من الحرب الدائرة في بلادهم والوصول إلى مصر عن طريق التهريب قبل نحو أسبوعين.
ووجدت خطوة إبعاد المهاجرين السودانيين استنكاراً واسعاً من بعض المنظمات الحقوقية، إذ قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية قامت باعتقالات جماعية طالت آلاف اللاجئين الفارين من الحرب في السودان.
وذكرت المنظمة الحقوقية أنها وثقت 12 واقعة رحَلت فيها السلطات المصرية ما يقدر بنحو 800 سوداني بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس من العام الجاري بدون منحهم فرصة لطلب اللجوء أو الطعن في قرارات الترحيل.
كذلك كشفت أنها وثّقت بالتفصيل حالات اعتقال 27 لاجئا سودانيا بين تشرين الأول/اكتوبر 2023 وآذار/مارس 2024 ومن بينهم 26 انضموا للمُرحّلين بشكل جماعي. وأشارت المنظمة إلى أن اللاجئين يُحتجزون في ظروف قاسية وغير إنسانية قبل ترحيلهم.
يذكر أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمصر، قالت إن عدد اللاجئين السودانيين المسجلين في مصر وصل إلى 640 ألفا، موضحة إن أعداد السودانيين بمصر في تزايد مستمر.

أزمة لم يختبرها العالم من قبل

«ظلم القريب وقسوة الغريب «وحدهم السودانيون من أدركوا المعنى الحقيقي لهذه الجملة القاسية التي عاشوا تفاصيلها في ظل الحرب التي مر عليها أكثر من عام والعالم فشل في إيقافها، يقول المتخص في قضايا النازحين عاطف كمبال.
ويضيف: «الحوادث التي وقعت في مصر وإثيوبيا أمر غير مقبول وغير أخلاقي ولا يجب على النشطاء والمنظمات الحقوقية تفويت ذلك ولا بد من المساءلة والمحاسبة لأنه لا يوجد بند يقضي بترحيل اللاجئين إلى مناطق الصراع التي فروا منها».
وتابع: «هناك خطأ منهجي في حالة اللاجئين السودانيين في إثيوبيا وهو يكمن في إختيار منطقة الإقامة التي اعتقد أنها تمت بدون مراعاة الشروط الموضوعية في إنشاء معسكرات اللجوء والإقامة التي وضعتها الأمم المتحدة والمتمثلة في توفر الأمن ومصادر الحياة الكريمة وسهولة الوصول إليها وتوفر الخدمات، ففي إثيوبيا يشتكي اللاجئون من صعوبة الحصول على الماء».
وأبدى كمبال استغرابه من السلوكيات التي تصادر حقوق اللاجئين في إثيوبيا وتعرض حياتهم للخطر خصوصاً وأنها دولة محاورة للسودان.
ووفقا له، أن حرب السودان ستعيد إنتاج تعريفات ومفاهيم جديدة في قضايا النزوح واللجوء لأن ما يواجهه السودانيون لم يختبره العالم من قبل.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير

cron