لندن ـ “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “صاندي تايمز” تقريرا أعده تيم مارشال قال فيه إن تركيا مهمة للغرب وبخاصة أن النزاعات في المنطقة من سوريا إلى غزة وأوكرانيا تعطي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مساحة للمناورة.
وعليه فإن احتجاجات المعارضة على اعتقال إمام أكرم أوغلو، عمدة اسطنبول السابق وتوجيه تهم التورط بالفساد له تجعل من الغرب يتعامل مع الصورة الأكبر لتركيا.
وذكر الكاتب بمقولة يحب المعلقون الغربيون استخدامها عندما يتحدثون عن الديمقراطية التركية.
ففي التسعينات من القرن الماضي، قال أردوغان إن الديمقراطية هي حافلة “تركبها حتى تصل إلى محطتك النهائية، ثم تنزل منها”.
عندما يتحدثون عن الديمقراطية التركية، يحب المعلقون الغربيون استخدام مقولة أنه في التسعينات من القرن الماضي، قال أردوغان إن الديمقراطية “هي حافلة تركبها حتى تصل إلى محطتك النهائية، ثم تنزل منها”.
ويقول مارشال إن اعتقال إمام أوغلو، الذي ينظر إليه كمنافس للرئيس التركي الأهم قد يعني أن أردوغان قد وصل إلى نهاية الرحلة قبل الانتخابات الرئاسية هذه. ويعرف أردوغان أن انتقادات الدول الأخرى ستخفت، فقد أثبت نفسه كلاعب رئيسي وحل محتمل للمشاكل في الأحداث التي تؤثر عليها.
وكما جرت العادة في الماضي، أصبحت تركيا محورا لمعظم القضايا الرئيسية التي تجعل قادة العالم سهرانين حتى ساعات متأخرة من الليل.
فالحلول لأزمات روسيا وأوكرانيا، إسرائيل وفلسطين إيران وسوريا، كلها تمر جزئيا على الأقل عبر أنقرة.
وقد لعبت تركيا دورا هاما في سقوط الأسد في سوريا.
وذكر التقرير أنه عندما زحفت هيئة تحرير الشام الإسلامية نحو دمشق في كانون الأول/ديسمبر فإنها فعلت ذلك بدعم تركي. وقد أطاحت هيئة تحرير الشام بالنظام ونصبت زعيمها أحمد الشرع رئيسا مؤقتا. وتخلى الشرع عن اسمه الحركي (أبو محمد الجولاني)، وقصر لحيته الطويلة، وأطال من تصريحاته التصالحية.
وبحسب الكاتب كان هذا الاعتدال موجها للعالم الخارجي، لكن أردوغان يعرف تماما الرجل الذي ساعده للوصول إلى السلطة.
وذكر أنه في الشهر الماضي، دعا أردوغان الرئيس السوري المؤقت إلى أنقرة، وهي زيارة أبرزت كيف أصبحت تركيا الرابح الإقليمي الأكبر في الحرب الأهلية السورية. ومع تراجع نفوذ إيران وتعزز نفوذ تركيا والآن يدور الحديث عن إنشاء تركيا قواعد جوية في وسط سوريا وتدريب الجيش السوري. وهو ما يضع القوات التركية قريبا من القوات الإسرائيلية التي احتلت المنطقة المنزوعة السلاح وتوسعت في داخل الأراضي السورية.
ويقول الكاتب أن زيادة التوتر بينهما لا يبشر بخير، إلا أن تركيا أثبتت أنها ذكية في اللعب على الحبلين، فهي من جهة تستضيف قادة حماس على أراضيها، إلا أنها ورغم اللهجة المتشددة من إسرائيل تحتفظ بتجارة تصل إلى 7 مليارات دولارات في العام وظلت نشطة طوال حرب غزة.
ويتزامن صعود تركيا مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، وهو ما جعل أوروبا في حالة من الفزع وإمكانية نهاية الرعاية الأمريكية لأمن القارة. وفي الوقت الذي اجتمعت فيه أوروبا ودعت بريطانيا إلى لقاءات عاجلة لمناقشة “الاستقلال الإستراتيجي” تذكرت أن ثاني أكبر جيوش الناتو يقع على الجانب الآخر من مضيق البسفور هي تركيا، التي يصل عدد قواتها 300.000 جنديا في الخدمة وتستقبل قاعدة جوية أمريكية في إنشريلك. وقاعدة هبوط في إزمير ونظام رادار للتحذير المبكر في كورتشيك وسط البلاد.
وقد انضمت تركيا إلى حلف الناتو عام 1952 في إطار اتفاقية مصالح خلال الحرب الباردة. وكان الغرب حريصا على منع ثورة شيوعية محتملة في البلاد، وأراد أن يكون تحويلها إلى حصن منيع ضد النفوذ السوفييتي. وبلغت أهمية تركيا الاستراتيجية حدا جعل أعضاء الحلف يتغاضون عن الانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا في أعوام 1960 و1971 و1980.
ووسط بعض التجاذبات والثرثرات المحرجة حول “الشؤون الداخلية”، تفوقت جغرافية تركيا التي لا غنى عنها على مكانتها كديكتاتورية عسكرية.
وهذا يفسر، إلى جانب إلى علاقة تجارية سنوية تزيد قيمتها عن 200 مليار يورو، رد فعل المفوضية الأوروبية الهادئ نسبيا على اعتقال إمام أوغلو، وحماسها لاحتمال انضمام القوات التركية إلى “قوة إعادة الثقة” الأوروبية في حال وقف إطلاق النار في أوكرانيا.
وأصدرت المفوضية ردا على اعتقال إمام أوغلو، بيانا قالت فيه إنها أثارت تساؤلات حول “التزام تركيا بتقاليدها الديمقراطية الراسخة” وقد كان هذا بمثابة تربيت على اليد أكثر منه صفعة عليها.
وللاتحاد الأوروبي تاريخ في هذا الصدد، ففي عام 2015، أثناء التفاوض على صفقة لدفع أموال لأنقرة لمنع اللاجئين السوريين في تركيا من الوصول إلى أوروبا، حجب الاتحاد تقريرا شديد الانتقاد لحقوق الإنسان في تركيا، ولم يصدره إلا بعد إبرام الصفقة.
ويقول مارشال إن الأوروبيين حريصون على الاحتفاظ بتركيا إلى جانبهم، مهما ظل زعيم المعارضة وغيره من المعتقلين في سجن سيلفيري، والذي بني لكي يستوعب 11,000 معتقلا وربما زاد عددهم الآن.
وبحسب الكاتب ففي الوقت نفسه كممت حكومة أردوغان أفواه الإعلام، ووضعت المحاكم تحت السيطرة، وبعد 23 عاما من حكم أردوغان، يبدو أنه يموضع نفسه لكي يظل حاكما لمدى الحياة.
ويمضي ليقول إنه إذا كان الوضع كما أننا نعيش في حقبة ما بعد الحرب الباردة، حيث تهيمن سياسات القوى العظمى الصارمة، ويتقلص عدد الدول التي تبدي ولو تظاهرا بالولاء لحقوق الإنسان و”القيم”، فإن موقف تركيا سيفيدها كثيرا. وربما لم تكن تركيا قوة بحرية، لكنها تطل على البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط، ولها سواحل تمتد لمسافة 7,200 كيلومترا.
وتسيطر تركيا على مدخل مضيق البوسفور المؤدي من وإلى البحر الأسود. وإذا أغلقت أنقرة المضيق، الذي يقل عرضه عن ميل واحد في أضيق نقطة فيه، فلن يتمكن أسطول البحر الأسود الروسي من اقتحام البحر الأبيض المتوسط والمضي حتى المحيط الأطلسي.
وإلى جانب أهميتها البحرية، تعتبر تركيا جسرا تجاريا بريا يربط أوروبا بالشرق الأوسط والقوقاز وحتى دول آسيا الوسطى.
ولها ثماني حدود برية: اليونان وبلغاريا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان، وإيران، والعراق، وسوريا. ولأكثر من 2,500 عاما وضعت هذه الجغرافيا تركيا، وخاصة المنطقة المحيطة بإسطنبول، على مفترق طرق التجارة. فالتجارة في كل الاتجاهات: شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، يجب أن تمر عبرها. وجذبت تركيا الفرس، واليونانيين، والرومان، والبيزنطيين. وعندما احتل قسطنطين الكبير ما كان يعرف آنذاك بمدينة بيزنطة اليونانية عام 330 وأعاد تسميتها بالقسطنطينية (إسطنبول حاليا)، انتقل ثقل الإمبراطورية الرومانية بالكامل شرقا، ومن هنا سار التاريخ عبر المنطقة كما سار الصليبيون والعرب ثم العثمانيون.
وتركيا محمية بشكل جيد.
وقد ظهرت تركيا الحديثة من خلال تاريخها المضطرب. وهي الآن تحافظ على علاقات جيدة مع أوكرانيا وروسيا والصين والولايات المتحدة، وهي حيلة لا تنجح فيها سوى قلة من الدول الأوروبية.
وتتمتع تركيا بنفوذ دبلوماسي متزايد القوة في القرن الأفريقي والبلقان وليبيا وما وراءها. ولم تكن فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا هي من توسط في صفقة الحبوب الخاصة بالبحر الأسود لعام 2022 مع روسيا وأوكرانيا، والتي ربما كانت ستجنب العديد من الدول النامية نقصا حادا في الغذاء، بل كانت تركيا.
وتعتبر تركيا، قوة صاعدة من الناحية العسكرية، حيث باتت نسبة 70% من معداتها تصنع محليا، وتعتبر الآن واحدة من أكبر عشر دول مصدرة للسلاح في العالم. ويعتبر مشروعها الضخم تي أف- إكس، وهي الطائرة المصممة لتحل محل أف-16 بحلول عام 2030. وتقوم بتصنيع الدبابات والمركبات المصفحة والغواصات والفرقاطات. ووصفت مسيراتها بيرقدار تي بي 2 والتي تستخدمها أوكرانيا على نطاق واسع في ساحة المعركة، بأنها “الطائرة بدون طيار التي غيرت مسار الحرب”.
تعتبر تركيا، قوة صاعدة من الناحية العسكرية، حيث باتت نسبة 70% من معداتها تصنع محليا، وتعتبر الآن واحدة من أكبر عشر دول مصدرة للسلاح في العالم. ويعتبر مشروعها الضخم تي أف- إكس، وهي الطائرة المصممة لتحل محل أف-16 بحلول 2030
وتستثمر تركيا أيضا في مجال الفضاء والدخول إلى نادي الدول الفضائية لتعزيز قدراتها العسكرية. ففي أواخر العام الماضي، بدأت أعمال بناء أول ميناء فضائي لها في الصومال. وسيسمح هذا الموقع باختبار إطلاق الصواريخ باتجاه المحيط الهندي دون خطر سقوط الحطام على دول أو مناطق حضرية أخرى. في عام 2024، أُطلق أول قمر صناعي تركي محلي الصنع، وتم نقله إلى الفضاء بواسطة أحد صواريخ سبيس إكس التابعة لإيلون ماسك. واللافت للنظر في الأحداث الأخيرة هو مدى حرية المناورة التي يتمتع بها أردوغان، سواء في الداخل أو الخارج.
وقال إمام أوغلو، متحدثا من السجن، لأتباعه: “سيأتي صندوق الاقتراع، وستصفع الأمة هذه الحكومة صفعة لن تنساها أبدا”. ومع ذلك، إذا نجح أردوغان في مسعاه، فلن يكون منافسه الجاد الوحيد مرشحا رئاسيا.
ويختم الكاتب بالقول إنه في عام 2019، خسر حزب أردوغان انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول. وصُدم حينها من احتمال خسارة أكبر مدينة في تركيا، وطالب بإعادة فرز الأصوات وكانت النتائج هي نفسها، لذلك قال إنه يجب إعادة التصويت. وانتشرت نكتة بسرعة حول قائمة الأشياء التي لا يمكن للناس اختيارها في الحياة: “مكان الميلاد، العرق، رئاسة بلدية إسطنبول”. وسنرى ما إذا كان سيتم إضافة فئة أخرى: “الرئيس التركي”.